بعد عملية القدس التي فتحت باب جهنم على مصراعيه لليهود، هذه العملية أُشبهها
بالقنبلة التي أُلقيت على نجازاكي بعد هيروشيما في اليابان والتي دفعت إمبراطور
اليابان على إعلان الاستسلام.
والفارق هنا بالحجم والنوعية والشبه بالأثر والمفعول، صحيح أن قنبلتي هيروشيما
ونجازاكي هما قنبلتان ذريتان وصحيح أنهما سحقتا عشرات الألوف دفعة واحدة ولكن ليس هذا الذي
دفع اليابان للاستسلام بل الذي دفعها للاستسلام هو عامل الرعب الشديد فقط لما أدرك
إمبراطور اليابان أنه لم يعد هناك أي شيء آمن وأنه هو شخصيا مهدد أن يفنى بإحدى
القنابل الساحقة الماحقة.
وهنا لا نخطئ أبدا حينما نشبه القنابل البشرية بالقنابل الذرية من حيث الأثر وفعل
الرعب الذي تحدثه تلك القنابل التي تخلع القلوب من الصدور، لقد بدأت إسرائيل تدرك
الآن ولو أنها ما زالت تكابر بشدة أنه لم يعد هناك أي شيء آمن عندها ما دام الرجال
تلغم نفسها وتختار أهدافها بذكاء، فهذه القنابل البشرية الذكية ليس أثرها فقط على من
تقتله وتجرحه ولكن أثرها على كل من يشاهد أثرها أو يسمع صوت دويها أو يسمع بها في
وسائل الإعلام فهذه القنابل هي طراز فريد من الرعب الذي لم تصوره حتى الأفلام
السينمائية. والرعب في المجتمع الإسرائيلي لم يعد خافيا على أحد ولقد تحول إلى عقد وأمراض نفسية فأصبح المجتمع الإسرائيلي كما ورد في بعض التقارير يدمن على تناول المهدئات والفاليوم لأنه يعيش في حالة توتر وخوف دائم، وأصبح أي صوت يؤثر عليه.. فإسرائيل أعلنت مرتين أن انفجار عجلة سيارة ولّد حالة من الصدمات النفسية وتسبب في إحدى المرات في موت أحد الأشخاص ثم أن اليهود القادمين
إلى فلسطين هم قد جاءوا للعيش في منتجعات سياحية واقتصادية وحينما صدقوا الدعاية
الصهيونية انطلقوا من منطلق البحث عن رغد العيش وليس البحث عن جهنم وعن الجحيم.
لم يعد هناك من شخص يشك أن المجتمع الإسرائيلي يعيش في أحلك أيامه وأسودها ويعيش
في حالة من الهستيريا التي تؤدي إما إلى الجنون وإما إلى الموت وإما إلى الرحيل
فإلى متى يستطيع اليهود أن يستمروا بالمكابرة ويخفوا الحقائق الظاهرة للعيان.
لقد رد شارون هذا الأرعن على عملية القدس ردا يدل عن حمق ومكابرة مستهدفا السلطة
أكثر من الحركات المجاهدة التي لا يعنيها كثيرا أن يغلق بيت هنا وبيت هناك في القدس
أو مركز هنا وممثلوه هناك فهذه الحركات تنظر إلى وجود اليهود في أي بيت في يافا
وحيفا لا يختلف عن وجودهما في القدس فهم يعتبرون الاحتلال يجب أن يخرج من كل شبر من
فلسطين ولأن شارون أصبحت ردوده بناءً على تحليلات فيها غباء منقطع النظير ويريد أن
يظهر من خلال كل رد عكس الحقيقة الحاصلة عنده على الأرض ولكن المتعمق بالتحليل يدرك
أن شارون وحكومته أصبحوا بالنزع الأخير وأن الأيام القادمة سوف تكشف المستور وخاصة
أن الأزمة في حكومة شارون إلى جانب الأزمة في الشارع الإسرائيلي ستفرضان نفسيهما عما
قريب على الواقع الجديد الذي بات واضحا للعيان، والمسألة مسألة وقت، أما الواقع الجديد
الذي أفرزته الانتفاضة والمقاومة والقنابل البشرية فأبرز ما فيه هو قضية التوازن
الاستراتيجي بالسلاح فإسرائيل تمتلك ألـ إف16 ونحن نمتلك القنابل البشرية، أما
القنابل النووية فهذه لا قيمة لها في هذه المعركة وبعد هذا التوازن تغيرت المعطيات
على الأرض، أما توازن الرعب فلقد اختل بشكل واضح إلى صالحنا حيث أن رعبهم ليس مثل
خوفنا فنحن نعتبر قتلانا شهداء يذهبون إلى الجنة وعذابنا جهاد وآلامنا كفارة عن
ذنوبنا وأننا نقوم بفرض الجهاد لكي نتحرر من الاحتلال، أما هم فمعطياتهم في دنياهم
وإن خسروا المتعة في الحياة فقد خسروا كل شيء أما المعطيات الأخرى فهو فشل كل
الاستراتيجيات الإسرائيلية التي كانت أولها صورة إسرائيل المهابة التي يحسب لها ألف
حساب وصورة اليمين الإسرائيلي المرعب الذي لا يتردد عن الاحتلال وعن السحق والمحق
واليد الطولى التي لا تحسب للعالم أي حساب وصورة الزعامة الإسرائيلية التي لها كل
المهابة والطاعة والاحترام.
هذه الصورة انكشفت وتحطمت فلم تعد إسرائيل ترهب أحدا لا من الشعب الفلسطيني أو من
قيادته ولا من دول العالم العربي الهزيلة ولا من دول العالم. وأكبر دليل على ذلك أن
كل تهديدات شارون لم تعط أي أثر بتغيير أي قرار، أما على الصعيد الدولي المنحاز
دائما لإسرائيل فإن مجرد رفع الدعوى على شارون جزار حرب في إحدى الدول الأوروبية له
مدلول كبير وهو انكشاف وزن دولة إسرائيل ووزن اللوبي اليهودي في العالم.
وأمام هذه المعطيات فإن شارون حائر إلى درجة الجنون، وأمام هذه الحيرة فإنه سوف
يقوم بتجربة كل المحاولات وأخطر هذه المحاولات إنه سوف يحاول احتلال المدن
الفلسطينية وسيبدأ بالأسهل فإن استقر في إحدى المدن فإنه سينتقل إلى الأخرى وإن
جوبه بمقاومة أو برزت له أسلحة مضادة للدروع كما هي المعلومات عنده فإنه لن يمكث
طويلا وسينسحب وسيبرر هزيمته بأنه ليس عنده قرار للبقاء في مدن الضفة أو غزة وإن لم
يُجابه بمقاومة عنيفة ولم تدمر له أي دبابة فإنه سيرسخ احتلاله وسيستهين بالمدن
الأخرى وسيعطي الأمر باجتياح كافة المدن بما فيها القطاع، لكن شارون لا ينسى أبدا
عقدة بيروت فلذلك فإن هذه العقدة ستجعله يتراجع بسرعة.
وحينما يفشل شارون بعد أن تفشل كل تجاربه سيصبح أمامه أمران أحلاهما مر بالنسبة له.
الأمر الأول: إما أن يستسلم شارون أمام الضغط الإسرائيلي الداخلي الذي يطلب الأمن
بأي ثمن سواء بإنهاء السلطة أو إنهاء الفلسطينيين أجمعين أو بالانسحاب الكامل إلى
حدود الرابع من حزيران أو بأي طريقة كانت المهم أن يأتي الأمن بالسبل المتاحة،
والمتاحة أصبحت هي التنازل والانسحاب وإلا فإن اليهود أصبحوا قابلين للرحيل الجماعي
أو أن يدفع شارون باتجاه حل الحكومة من خلال تأزيم الموقف حتى لا يسجل عليه كذب كل
نظرياته وأنه أكبر متنازل في دولة إسرائيل.
فلذلك كل الاحتمالات بالنسبة لشارون مظلمة أما نحن فأصبحنا على أبواب فجر جديد.
والأيام القادمة كفيلة بانبلاج الفجر القادم .
(ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) صدق الله العظيم
مأمون أسعد التميمي
عضو المجلس المركزي الفلسطيني
