جون باتي- عمان
من صفحات الإنترنت إلى الصفحات الأولى من الصحف، تعقد محكمة الرأي العام يومياً جلسات حول الأطفال المحاصرين في الحروب في جميع أنحاء العالم. ولكن مَن مِن هؤلاء الأطفال سيلقى التأييد ومن منهم سيلقى التنديد، يبدو أمراً يعتمد في الغالب على من يلفق وينشر الأخبار.
ويبدو هذا الأمر أكثر جلاء في المعركة الإعلامية التي تدور رحاها في المواجهات الإسرائيلية الفلسطينية حيث يوجه الاتهام للفلسطينيين بأنهم يرسلون أطفالهم للموت المحقق في المواجهات مع الجنود الإسرائيليين.
ولكن الأطفال بصورة عامة والأطفال الفلسطينيين بصورة خاصة ليسوا جنوداً على الإطلاق، وقد تأكدت هذه الحقيقة في دراسة أجرتها منظمة العفو الدولية- آمنستي انترناشيونال، وتقدر المنظمة مشاركة الأطفال الفلسطينيين في هذه المعركة العالمية بحوالي 300.000 "جندي طفل".
الأطفال الفلسطينيون ليسوا جنوداً على الإطلاق، فهم ليسوا مثل نظرائهم الأطفال المسلحين في مناطق أخرى من العالم تمتد من أوغنده إلى كمبوديا، إنهم باستثناء القليل منهم مجرد راشقين للحجارة.
الجدل حول أطفال الحرب الفلسطينية كثير.. فقد نقلت "رويتر" عن محقق في الأمم المتحدة أرسل إلى الأراضي الفلسطينية القول إن عدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا بفعل رصاص القوات الإسرائيلية وصل في فترة عشرين يوماً فقط في الخريف الماضي إلى رقم غير مسبوق.
وتشير الإحصاءات الأخيرة لهيئة الإذاعة البريطانية إلى استشهاد 513 مواطناً فلسطينياً مقارنة مع 88 إسرائيليا في نفس الفترة. وقد وصفت هيومان رايتس ووتش "منظمة تعني بحقوق الإنسان" الموقف "بأنه الاستخدام الإسرائيلي المتكرر والمفرط للقوة القاتلة عندما يتظاهر الفلسطينيون غير المسلحين والذين لا يشكلون خطر الموت أو الإصابة على الجنود الإسرائيليين أو غيرهم".
ولكن الجدل حول من سيتم توجيه اللوم له على هذه الحالات من الموت التي تنتشر يومياً على الإنترنت وفي المحطات التلفزيونية وعلى صفحات الجرائد نادراً ما يبحث ما إذا كان التاريخ والحقيقة ينسجمان مع تحريف الأحداث.
طفل الحرب: المواقف الإسرائيلية تجاه التاريخ
يندد الزعماء الإسرائيليون بأعدائهم من "أطفال الحرب". ولكنهم يترددون في الاعتراف بأن الجنود الأطفال ساعدوا في ظهور أمتهم على الخريطة.
تقول المكتبة اليهودية "إن حركات الشبيبة توفر فرصة للمراهقين لترجمة مشاعرهم ومثاليتهم إلى أفعال.
وتصف حركة الشبيبة الصهيونية Hehalutz بأنها "شكلت أساساً للمقاتلين في انتفاضة الجيتو ووحدات العصابات اليهودية بالإضافة إلى حركة المهاجرين إلى فلسطين "بريحا بعد الهولوكست".
إن هذا النوع من الإطراء على بطولة الشبيبة اليهود في ساحات المعارك لا تناله المنظمات. فغالباً ما نال صغار الإسرائيليين النساء لتواجدهم في الخنادق والاستحكامات. كتب المؤلف الإسرائيلي شولا ميت آلوني: "خلال حرب التحرير عام 48 كتب أحارب في المعركة من أجل مدينة القدس القديمة جنباً إلى جنب مع الرجال والنساء والفتيات والفتية".
إن العديد من مشاهير الجنود الإسرائيليين بدأوا حياتهم العسكرية كمراهقين بما في ذلك إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق والذي دخل الخدمة في الجيش الإسرائيلي وهو في السابعة عشرة من العمر.
كذلك فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أرييل شارون انضم إلى المنظمة العسكرية السرية "الهاغاناه" وهو في عامه الرابع عشر.
ووفقاً للمؤرخ العسكري، يوري ميلشتاين، فإن قوات الهاغاناه قامت بقتل 120 فلسطينياً من الرجال والنساء والأطفال في قرية دير ياسين عام 1948م.
ولكن عبارات شارون الأخيرة تشير إلى أنه غير أفكاره عما كانت عليه حينما كان جندياً طفلاً.
يقول روي جلعاد، المستشار الصحفي في السفارة الإسرائيلية لدى الأردن، إن "إسرائيل تحت حكم كل من باراك وشارون نددت باستخدام الأطفال في الخطوط الأمامية من المواجهات وذلك منذ اندلاعها في أيلول/سبتمبر الماضي". كما أن شارون نفسه وصف في مقابلة له مع صحيفة هاآرتس في 18 نيسان/أبريل الماضي دور ياسر عرفات في إرسال الأطفال إلى الخطوط الأمامية بأنه مثير للاشمئزاز.
من يكره أكثر؟
تدعي روايات إسرائيلية أن المبادئ المليئة بالحقد هي التي تدفع صغار الفلسطينيين إلى الشوارع، وتشدد هذه المصادر على أن صغار الإسرائيليين الذين يحملون السلاح هم أبطال. وعلى النقيض من ذلك يقول الإسرائيليون إن الأطفال الفلسطينيين ينزلون إلى الشوارع بدافع من ضغوط والديهم وبسبب أنهم تربوا على كره اليهود وتعظيم الاستشهاد في الإسلام ودعم إنشاء دولة فلسطينية.
إن هذا التحليل يتجاهل الإحباط العميق الذي ينتاب صغار الفلسطينيين بعد عقود من الاحتلال العسكري الإسرائيلي. كذلك فإنه يرفض الإصغاء إلى الغضب، حسب التغطية التي قامت بها CNN ، الذي تفجر بفعل الصورة التي التقطت للجنود الإسرائيليين وهم يطلقون النار ويقتلون الصبي محمد الدرة، 12 عاماً، بين ذراعي والده. الإسرائيليون أنفسهم تربوا على حضارة "الدفاع والحرب" منذ الصغر وهي ظاهرة موثقة في " Tsahal" حول القوات المسلحة في الدولة اليهودية.
وكما جاء في مقالة لـ جوزيف بيركوفسكي في النشرة اليهودية لشمالي كاليفورنيا فإن كلمة "Tsahal " التي هي اختصار بالعبرية للقوات المسلحة الإسرائيلية تبحث في التأثير الكبير الذي يحدثه الجيش الإسرائيلي على المجتمع الإسرائيلي وخاصة على صغار السن. وتلاحظ المقالة أن الفتيان الإسرائيليين يبدأون بالبحث عن أماكن لهم في "الوحدات الخاصة" بدءاً من سن السابعة عشرة. في غضون ذلك تقول الفتيات الإسرائيليات إن الاستعداد للحرب عمل مستمر. أما فيما يتعلق بالأيدولوجية فإن العديد من أبرز الزعماء الإسرائيليين يهاجمون العرب بطريقة تتفوق على يشنه العلماء المسلمون من خطب ضد اليهود.
ولقد أصبح الراباي عوفاديا يوسف، الزعيم الروحي لحزب شاس الديني السياسي، معروفاً بعد وصفه العرب كالأفاعي السامة الذي أسف الله لخلقهم والذين يجب قصفهم بالصواريخ. وقد شبه زعماء إسرائيليون آخرون العرب بالصراصير والجنادب والحشرات الأخرى.
إن هذه العبارات التي يتفوه بها زعماء إسرائيليون تثير التساؤل: من هو المذنب الحقيقي بغرس عقائد العنف في صغار الناس؟
التاريخ يسجل
وبإدارة الجدل حول الأطفال الذين لهم الحق في الخروج إلى ساحة المعركة وبأية حوافز فإن هذا السؤال يطرح نفسه بشده على الإسرائيليين منذ خروج الأطفال الفلسطينيين إلى الشوارع لأول مرة عام 1987 في انتفاضتهم الأولى.
ولكن الحاجة للإجابة على هذا السؤال أصبحت أكثر إلحاحاً منذ تزايد سقوط الأطفال الفلسطينيين شهداء على أيادي الجنود الإسرائيليين قبل عدة شهور.
في ضوء عمليات القتل هذه، وعلى النقيض من الثناء الإسرائيلي على الأبطال الإسرائيليين في ساحة المعركة، فإن مقالة للسفارة الإسرائيلية نشرت على موقع aish.com تندد باستخدام الفلسطينيين "المتعمد للأطفال في المواجهات المسلحة" كعمل "ضد القانون الدولي بصورة تامة".
إن مقالة السفارة الإسرائيلية التي تشير الى موت الأطفال الفلسطينيين "بشفقة مخادعة" تؤكد استهزاء الرئيس الفلسطيني أمام العالم أجمع بأن القوات الإسرائيلية بمدافعها وطائراتها تخوض حرباً مع الأطفال الذين يحملون حجارة صغيرة.
وتضيف المقالة "أنه فيما يتعلق بالمدنيين الأطفال، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي يحترم القانون الدولي الذي ينظم معاملة المدنيين (بمن فيهم الأطفال بالطبع) أثناء الحرب. هذه المبادئ الأساسية تقلل الإصابات وتفرق بين السكان المدنيين وأولئك المحاربين وتمنع الانتقام من المدنيين".
في مشكلة تعكس جدلاً أوسع وتفرق بين الجنود والمدنيين هي فعلاً قضية في المقالة الإسرائيلية بحد ذاتها، حيث كان عنوان المقالة "الجنود الأطفال" وصور لطفل فلسطيني يلوح بلعبة على شكل بندقية. وعلى الرغم من العنوان والصورة اللذين يجذبان الانتباه، فإنه لم يذكر في أي جزء من المقالة عن أطفال فلسطينيين مسلحين.
يظهر أن الناطقين الرسميين يقيسون مدى نجاحهم بالدرجة التي تبدأ فيها الحياة بالدوران. وفي هذا المجال، فإن من الجدير ملاحظته تقرير أخباري عالمي من راديو أوستراليا نسب إلى شبكة ABC على الإنترنت "يروي كيف أن الجنود الإسرائيليين أطلقوا النار على صبي فلسطيني في التاسعة من عمره وأردوه قتيلاً في بلدة البيرة بالضفة الغربية بعد أن فتحوا النار على مجموعة من الأطفال الفلسطينيين كانوا يلعبون بدمى على شكل بنادق.
وبينما يدور الجدل، تقول منظمة العفو الدولية إن الجنود الإسرائيليين قتلوا حوالي 100 طفل فلسطيني منذ أيلول/سبتمبر الماضي—(البوابة)