تفيد الاحصاءات الرسمية ان ما لا يقل عن مائة الف جزائري لقوا حتفهم في اعمال العنف الدموية منذ بدئها في عام 1992 وحتى مطلع العام الحالي ومن بين هؤلاء القتلى 15 الف اسلامي متشدد.
ورغم هذا العدد الهائل من القتلى ودوامة العنف التي تكاد لا تنتهي فان احدا لم يقدم حتى الان تفسيرا واضحا لعمليات العنف هذه : دوافعها، والجهات التي تنفذها.
ويصر الجيش والحكومات الجزائرية على اتهام "المتشددين الإسلاميين" باعمال العنف ومع هذا فان الامر محمد سمراوي العقيد السابق في اجهزة الاستخبارات الجزائرية واللاجيء الان في المانيا ادلى بشهادة في باريس حول استخدام اجهزة الاستخبارات للاسلاميين في الجزائر، وهو الموضوع الذي يتناوله في كتابه "سجل سنوات الدم".
وقد تولى هذا الضابط (50 عاما) بالخصوص منصب مساعد مسؤول مديرية اجهزة مكافحة التجسس اسماعيل العماري من 1990 الى 1992 قبل ان يعين مسؤولا للامن العسكري في المانيا، حيث حصل على اللجوء السياسي بعد انفصاله عن الجيش في 1996.
ويحمل كتابه الذي صدر في دار "دينويل" للنشر الخميس في فرنسا عنوانا ثانيا وهو "كيف استخدمت اجهزة الاستخبارات المجموعات الاسلامية".
واكد العقيد الجزائري ان اجهزة الاستخبارات استخدمت المجموعات الاسلامية العنيفة قبل وقف المسار الانتخابي في كانون الثاني/يناير 1992 بكثير لبث الرعب في اوساط الشعب وابراز الجيش على انه الملاذ الوحيد.
يشار الى ان الجيش الجزائري قرر تعليق الانتخابات التشريعية بعد جولتها الاولى التي فازت بها الجبهة الاسلامية للانقاذ في كانون الاول/ديسمبر 1991.
وروى محمد سمراوي بشكل دقيق واستنادا الى تواريخ ووقائع ذكر فيها اسماء العسكريين المتورطين، كيف اصبح عدد من الرعاع "امراء" بين عشية وضحاها في المجموعات الاسلامية بمساعدة الجيش على غرار زعيم الجماعة الاسلامية المسلحة جمال زيتوني الذي اعتبره ارهابيا "يعمل لصالح الجنرالات".
واصبح جمال زيتوني الذي كان بائع دجاج أمي، "اميرا وطنيا" على الجماعة الاسلامية المسلحة من 1994 الى 1996 تاريخ مقتله، وتبنى بعض العمليات الاكثر اثارة للمجموعة مثل خطف طائرة ايرباص التابعة لشركة اير فرانس في 1994 واعتداءات باريس في 1995 واعدام رهبان قرية تيبهيرين المسيحيين.
واوضح سمراوي في مؤتمر صحافي "في الحقيقة كان هناك ثلاث جماعات اسلامية مسلحة، جماعة العاطلين عن العمل والمتطرفين والعناصر المعزولة للجبهة الاسلامية للانقاذ وجماعة قدماء مساجين المعسكرات الامنية التي اخترقتها عناصر من قسم الاستخبارات والامن وجماعة اسلامية مسلحة تشكلت بشكل مفتعل تماما".
واكد "هذا لا يعني غض النظر على جرائم الاسلاميين والصفح عنهم".
ولم يستثن العقيد الجزائري اجهزة الاستخبارات الفرنسية التي اتهمها ايضا بالتعامل المتسامح مع نظيرتها الجزائرية تاركة عناصر متورطين مع الاسلاميين ينشطون بكل حرية.
وقال سمراوي "كان هناك اتفاق بين مديرية الاستخبارات والامن (الجزائرية) و«دي.اس.تي» (مديرية امن الاراضي الفرنسية). كان للاجهزة الاولى عناصر تنشط في فرنسا وتخترق صفوف الاسلاميين. ان هذه العناصر كانت تخبر «دي.اس.تي» التي كانت في المقابل تحميها".
وهكذا تم ارسال علي توشنت الذي يتهمه سمراوي بانه من عناصر اجهزة الاستخبارات الجزائرية المعروف لدى السلطات الفرنسية، الى اوروبا لارتكاب اعتداءات لا سيما التي نفذت في باريس في 1995.
واكد سمراوي "لا يمكن ان ننسب هذه الاعتداءات لـ«دي.اس.تي» لكنها لو كانت اكثر يقضة لتمكنت من تفاديها".
وشدد العقيد الجزائري الذي كان ادلى بشهادته بمناسبة محاكمة العسكري الجزائري السابق الحبيب سوادية في باريس بناء على شكوى رفعها وزير الدفاع السابق خالد نزار في تموز/يوليو 2002، على انه لا ينتمي "الى اي حزب" سياسي.
وخلص الى القول "ان صدور هذا الكتاب يتزامن مع الحملة الانتخابية (الرئاسية ربيع 2004) المبكرة التي انطلقت مؤخرا ولكن ذلك محض صدفة".
ويشار الى ان الجماعة السلفية للدعوة والقتال والجماعة الاسلامية المسلحة وهما اكبر مجموعتين مسلحتين توجه اليهما اصابع الاتهام في تنفيذ عمليات القتل الاشد ضراوة.
ويرئس رشيد ابو تراب الجماعة الاسلامية المسلحة منذ مقتل زعيمها عنتر الزوابري في شباط/فبراير 2002 على ايدي القوات الامنية في بوفاريك قرب البليدة.
وهاتان المجموعتان المتنافستان تعارضان بشدة سياسة الوئام المدني التي اطلقها الرئيس الجزائري واتاحت استسلام حوالي ستة آلاف اسلامي مسلح، وتعتزمان متابعة الهجمات والمذابح الى حين اقامة دولة اسلامية تستند الى الشريعة.
والجماعة السلفية للدعوة والقتال تعتبر الاكثر عددا والافضل تنظيما بين المجموعات الاسلامية التي لا تزال ناشطة في الجزائر كما كشف رئيس هيئة اركان المنطقة العسكرية الاولى الجنرال معيزة خلال ندوة حول الارهاب عقدت بين 26 و 28 تشرين الاول/اكتوبر في الجزائر.
والجماعة السلفية التي تأسست في 1998 ويتزعمها حسن الحطاب تعد ما بين 350 و 380 رجلا من اصل 600 الى 650 اسلاميا مسلحا لا يزالون ينشطون في الجزائر على حد قول الجنرال. وتنشط هذه العناصر في الشرق الجزائري في مناطق تيزي وزو وبومرداس والبويرة (منطقة القبائل) وباتنة والاوراس وتيبازة (شرق).
اما الجماعة الاسلامية المسلحة، التي كانت وراء اعمال العنف الاكثر دموية منذ بدئها في الجزائر عام 1992 وتهاجم القوات الامنية والمدنيين، فيتزعمها رشيد ابو تراب منذ مقتل زعيمها عنتر الزوابري في شباط/فبراير الماضي وقد اضعفت من جراء كثرة الانشقاقات ولم تعد تضم سوى 60 رجلا في جنوب وغرب الجزائر كما قال هذا الضابط.
وكشف الجنرال ايضا عن وجود مجموعات "مستقلة" لكنها لا تزال مقربة من الجماعة الاسلامية المسلحة وتعتمد اساليبها الدموية وتنشط خصوصا في الغرب الجزائري.
وتعد مجموعة "حماة الدعوة السلفية" بزعامة محمد بن سليم الذي يعرف باسم سليم العباسي 70 عنصرا في مناطق عين دفلة وغليزان (260 و 300 كلم غرب العاصمة).
كما ان المجموعة السلفية للجهاد تضم 60 عنصرا يتبعون عبد القادر صوان تنشط في مناطق عين دفلة وتيسمسيلت (250 كلم جنوب غرب العاصمة).
اما المجموعة السلفية المحاربة بزعامة يحيى جوادي المعروف باسم ابو عمار فتعد 80 رجلا وهي مقربة من الجماعة السلفية للدعوة والقتال على حد قول الجنرال معيزة. وتنشط هذه المجموعة في مثلث شليف-تياريت-تيسمسيلت (غرب العاصمة).
ومنذ مطلع شهر كانون الثاني/يناير قتل 58 شخصا في الجزائر في اعمال عنف نسبت الى اسلاميين مسلحين حسب حصيلة اعدت استنادا الى البيانات الرسمية والصحافة.