أولى حروب القرن : هل توقظ الجلبة التنين في مخدعه

تاريخ النشر: 08 أكتوبر 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

*سيف ديموقليس الأمريكي من الشاطئ الشرقي للأطلسي إلى "سقف العالم"  

*القصف سيستمر لأسابيع والعمليات الأرضية ستوكل للتحالف الشمالي.. والنصر أمريكي! 

*استراتيجية طالبان تقوم على الإفلات من الشرك وإجبار القوات الأمريكية على خوض معارك في مناطق مغلقة . 

*القوات الأمريكية قد تستخدم الأسلحة الكيماوية لإجبار الأفغان على الخروج من الكهوف في المناطق الجبلية الوعرة  

البوابة-خالد ابوالخير 

بدأت ليل الأحد بتوقيت افغانستان أكبر عملية عسكرية أمريكية ضد "الأرهاب" تترافق مع تحضيرات لمستقبل أفغانستان ما بعد طالبان بمشاركة بريطانيا وأطراف أخرى . 

ما هي ماهية هذه الحرب ؟ وكيف تجري ؟ وما هي الأسلحة التي ستستخدم فيها؟ وإلى أي جهة ستميل كفة النصر ؟ .. وأخيراً ما هي تأثيراتها على الأوضاع الجيو- سياسية في منطقة وسط آسيا ؟ وبكلمة أخرى هل ستوقظ الجلبة التنين في مخدعه ، فينهض نافثاً ناره في كل اتجاه ؟! .  

 

سيف ديموقليس  

لم تكن الأنفجارات التي أحدثتها الصواريخ وقذائف الطائرات الأمريكية وهي تعبر سماء " كابل " سوى الوميض البعيد للسيف الذي استله البيت الأبيض مهدداً بإغماده في قلب آسيا .. وهو ذات السيف الذي يحرص مخططو السياسة الأمريكية على إبقائه مسلطاً فوق رقاب الإرهابيين "ومن يثبت أنهم ليسوا مع واشنطن لأنهم بالتالي مع اعدائها " على حد تعبير الرئيس الأمريكي., في مسافة تمتد من الشاطئين الجنوبي والشرقي للمحيط الأطلسي وحتى سقف العالم " التبت " . مستلهمين الأسطورة اليونانية عن ديموقليس الجالس على كرسي عرشه وفوق راسه سيف معلق بشعرة رقيقة ، يهدده في كل لحظة بالسقوط والإطاحة بعنقه ، إن بقي جالسا أو تحرك أو نهض ؟! .  

 

وبهذا المعنى لم يجد الجنرال برويز مشرف خياراً أمامه سوى تلبية الطلبات الأمريكية بحذافيرها ، بدعوى الحفاظ على أمن باكستان وحماية برنامجها النووي، فالسيف .. إن سقط لا سمح الله لن يطيح برقبته فقط وإنما بالمفاعل النووي وربما بالقنبلة النووية الإسلامية أيضاً وبباكستان حتماً . وتعين عليه أن يواجه ردة فعل شعبية عارمة قد تتطور الى معارضة مسلحة في حال طالت الحرب. الأمر الذي يجعل من الأزمة باكستانية حتى الصميم . 

وبتعاون أوزبكستان أيضاً ، بإيعاز من موسكو . التي تحرص على أخذ حصتها من الكعكة كاملة وربما تأمل كما يأمل الضعفاء أن تغوص أرجل العملاق الأمريكي في مستنقع الرمال الأفغاني التي غاصت أرجلها فيها أيام كان لها أرجل !؟ابان الأتحاد السوفيتي السابق.إضافة إلى تعاون أطراف عربية على الشاطئ الغربي للخليج العربي.. تكون الحلقة اكتملت . 

 

غير أن سيف ديموقليس الأمريكي أبى إلاّ أن يظل مسلطاً أيضاً على رقاب العرب ، فالتصريحات التي صدرت عن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد زيارته الأخيرة لواشنطن ، بخصوص وعد الرئيس بوش بأن العراق لن يضرب أو أي دولة عربية تبعها نفي أمريكي . والهدف كما يبدو هو إبقاء هذا السيف الرهيب مسلطاً سعياً وراء دفع العرب لتعاون أكبر وشروط أقل في التحالف الدولي المزمع إقامته ضد الإرهاب . 

 

شعب ليبلوت 

 

 

أحدثت هجمات 11 أيلول/سبتمبر ارتباكاً شاملاً في النظام السياسي الأمريكي والغربي وكشفت ضعف مخيلة السياسيين الذين يتحركون ببزاتهم المتأنقة في أروقة المباني الرسمية في واشنطن ولندن وحتى .. روما . 

فبعد زلة لسان الرئيس الأمريكي التي اعتذر عنها عن الحرب الصليبية ، ووقاحة وجهل رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني في تصريحاته عن تفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية تبين أن البريطانيين المشهورين بالصلف الذين اطلقوا على مناورات حشودهم في عمان بالأشتراك مع الجيوش السلطانية إسم " سويفت سورد 2 " يرون، فيما يبدو أن المعركة التي تشارك بها حشودهم لن تعدو مواجهة بين " جيلفر " وشعب " ليبلوت " -أي الأقزام -في رواية جوناتان سويفت الشهيرة .. وربما عكست هذه الرؤية التصور الغربي لسيناريوهات الحرب القادمة . 

ورغم النفي البريطاني المتكرر بأن حشودهم في عمان لن تشارك في الحرب، وهو موقف يعكس دهاء الأسد العجوز، لضمان مرور هذه القوات بسلام في الممرات المائية العربية، شاركت قطعهم البحرية في القصف الصاروخي لأفغانستان، واعلن توني بلير، رئيس الوزراء،أنه أعطى الضوء الأخضر لتقديم المساعدة العسكرية التي طلبتها الولايات المتحدة. 

وعلى الرغم من أن حتى شعب " ليبلوت " تمكن من تقييد جيلفر العملاق وسامه صفوف العذاب إلاّ أن السؤال يبرز : هل حقاً أن طالبان لا تعدو شعباً من الأقزام في مواجهة أضخم قوة عسكرية عرفها العالم ؟. 

 

لاشك أن هذا التصور لا يجافي الحقيقة كثيراً ، لكن التاريخ يقدم لنا مئات الأمثلة على قوى صغيرة العدد متواضعة العدة تمكنت بإيمانها وعزيمتها من دحر قوى تفوقها كثيراً ، بدءاً من عصابات الفلاحين الصينيين التي تمكنت في الألف الأول قبل الميلاد من الانتصار على الجيوش الإمبراطورية الجرارة ، إلى قوات الفيتكونغ كونغ الفتنامية التي دحرت القوات الأمريكية نفسها وأجبرتها على الفرار من سايغون وهي تلعق جراحها . 

 

أضرب .. وأهرب ! 

ولا مناص أمام قوات طالبان من استخدام أسلوب حرب العصابات التي لخصها الاستراتيجي الصيني صن - فو ، الذي عاش في عهد سلالات الربيع والخريف (الألف الأولى قبل الميلاد)بكلمتين : "أضرب وأهرب . و"عليك أن تفاجئ عدوك وتضربه بسرعة كما تسقط الحجر على البيضة" . وطورها كل من ماو تسي تونغ وارنستو تشي جيفارا والأمير عبد الكريم الخطابي وغيرهم، لأن فرصها بالصمود أمام القوات الأمريكية والبريطانية في معركة واضحة المعالم بميدان مكشوف تساوي صفراً ، نظراً للتفوق الهائل الذي يميل لصالح هذه القوات . 

 

وفي هذا الصدد ، يجمع خبراء استراتيجيون منهم الفريق سعد الدين الشاذلي واللواء طلعت مسلم  

 

 

 

 

 

على ان لا مجال للمقارنة بين قوات طالبان والقوات الأمريكية التي تحوز كل أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية ذات المستوى التكنلوجي المتقدم . 

 

لكنهم يلفتون، إلى أن هذا الميزان في وزن الأمور ليس دائماً صائباً ، ففي أحوال كثيرة استطاعت قوة أقل عدداً وعدة أن تتسبب بإيقاع خسائر في قوة متقدمة لدرجة تجعلها تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية . 

 

ولعل الميزة الأهم التي تمتلكها قوات حركة طالبان هي أنها قوات مدربة ومجربة سبق لها أن خاضت حروباً بأسلوب حرب العصابات وقتال المدن ، وكفائتها العسكريةأفضل من الكفاءة العسكرية للصوماليين مثلاً ، الذين أوقعوا خسائر كبيرة في القوات الأمريكية ، مطلع التسعينات .  

 

توابيت بـ 52  

ما تقدم يقودنا لهذا السؤال : هل ستصمد طالبان أمام الحملة العسكرية الأمريكية لدرجة أن تحرفها عن هدفها الاستراتيجي ؟ لاشك أن الإجابة بنعم أو لا عن هذا التساؤل متسرعة بالتأكيد .خصوصاً أن الطوفان الأمريكي الذي سيجتاح أفغانستان يختلف عن سابقه السوفياتي ، بأنه متقدم جداً تكنلوجياً ، واستفاد كثيراً من دراسته للتاريخ واستوعبه ، لذلك سيكون حريصاً على ان لا يقع في أخطاء الماضي ، فأخر ما يريده الرئيس بوش أن تعود طائرات الـ ب52 ، بعد أن تلقي بحمولاتها من القنابل ، محملة بتوابيت الجنود الذين قضوا في ساحة المعركة .وعبر توني بلير بوضوح عن أن استراتيجية الحرب صيغت بشكل يعكس "التصميم على بذل كل ما في وسعنا لتجنب الخسائر البشرية" . 

 

الاستراتيجية الأمريكية ستنصب في حربها ضد طالبان ، بإجماع المحللين السياسيين على توجيه ضربات جوية مركزة لقواعد التدريب وعقد المواصلات ومراكز القيادة يتبعها إنزال لقوات محدودة من القوات الخاصة. بهدف القبض على عناصر قيادية في تنظيم القاعدة وطالبان ، ربما تشارك بها قوات من المعارضة الشمالية أو قوات باكستانية . 

 

ولأنها حرب غير نظامية يحطم فيها التفوق الأمريكي التقني الجيوش التي تواجهه ثم يتم الاحتفال بالنصر ودعوة قادة الأعداء لتوقيع اتفاقية استسلام ، يخشى الخبراء الاستراتيجيون من أن لا مندوحة أمام الولايات المتحدة من إنزال جنودها على الأرض لخوض معارك وجهاً لوجه ، بدعم من القوات الجوية، لكن هذا الشكل من الحرب ، على الرغم من التفوق الأمريكي ، يعطي الفرصة لطالبان للنيل من الجنود الأمريكيين . 

 

وستركز الاستراتيجية الأمريكية على إجبار قوات طالبان على خوض معارك في ميادين مفتوحة ، فيما ستتركز استراتيجية طالبان على الإفلات من هذا الشرك ، ودفع القوات الأمريكية إلى مناطق وعرة وميادين محدودة مستفيدة من معرفتها بالممرات الجبلية الوعرة والطبيعة التضاريسية لأفغانستان . 

 

ونظراً لأن خوض القوات الأمريكية لمعارك على الأرض يعرض أفرادها للقتل أو الأسر ، مما يعطي لقوات طالبان الفرصة لخوض حرب حقيقية مع القوات الأمريكية التي لم تصمد في اختبار مماثل .  

 

المطلوب نصر أمريكي  

ولأنها حرب المفاجآت .. تتطلب فيما تتطلبه توسيع الخيال العسكري وإعطاء الأولوية للابتكار والمبادرة . 

 

ليس مستبعداً أن تركز القيادة الأمريكية على القصف الجوي لأسابيع بهدف ضعضعة الأوضاع في افغانستان والنيل من الروح المعنوية لمقاتليها فيما تركز ثقلها الأرضي على قوات التحالف الشمالي الذي شن بالفعل منذ بدء الهجمات هجوما على طالبان، وتكتفي بإنزال الجنود على الأرض في أماكن محددة وضمن ظروف خاصة ، كأن تكون في قاعدة يشك بوجود أسامة بن لادن فيها .. فالمطلوب أولاً وأخيراً نصر أمريكي . 

وهذا النصر لا تستطيع الإدارة الأمريكية التنازل عنه مهما بلغت فداحة الثمن الذي قد تدفعه ، وحتى لو اضطرت لاستخدام أسلحة غير تقليدية ، فالخبراء الأستراتيجيون لا يستبعدون " احتمال أن تلجأ القوات الأمريكية لاستخدام أسلحة كيماوية في المناطق الجبلية الوعرة لإجبار قوات طالبان على الخروج من الكهوف التي يمكن أن يحتموا بها والتي توفر لها القدرة على المناورة وخوض حرب عصابات طويلة الأمد ". 

إذن القوات الأمريكية ستستخدم اكثر أنواع الأسلحة تقدماً التي يلاحظ اللواء مسلم أيضاً أن درجة استيعابها لها لا تتجاوز الـ 50% ومع ذلك فان الآلة العسكرية التقليدية وغير التقليدية للبنتاغون لا شك أقوى من أن تستطيع أي قوة الصمود في وجهها ، وستكون لها السيطرة التامة على الأجواء الأفغانية باستخدام طائرات ف15 و ف16 وقاذفات ب52 وبـ 2 انطلاقاً من القواعد الجوية في جزيرة دييغو غارسيا وأوزبكستان وباكستان وحاملات الطائرات في المحيط الهندي ، وربما تتمكن بعد أن تنهك قوات طالبان ، من اجتياح أفغانستان مستخدمة قوات التحالف الشمالي كراس حربة في الطريق إلى كابل .. وهو الطريق الذي لا يبدو حتى الآن معبداً تماماً . 

 

فرص طالبان 

ولا يعني ذلك أن فرص طالبان في الصمود أمام القوات الأمريكية كبيرة ، لكنها .. على الأصح فرص شبه معدومة ، ربما يحييها عاملان : قدرة طالبان على امتصاص الضربة وأدامة الحرب ، وحدوث تغيرات دراماتيكية في الدول المجاورة قد تقلب الكثير من المعادلات.