أمل دنقل والسياب تحت القصف في البصرة

تاريخ النشر: 16 أغسطس 2014 - 09:55 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

خالد أبو الخير

  لم أكن اكتشفت أمل دنقل في مراهقتي حتى قيض لي أن أقرأ قصيدة له بعنوان»لا غالب إلا الله» في مجلة الأسبوع العربي اللبنانية ذائعة الصيت آنذاك، ثم تعرفت عليه من خلال ديوانه «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» وقصيدته الأشهر»لا تصالح»..

يعيدني تذكار أمل دنقل إلى يوم بعيد في مدينة البصرة العراقية الجنوبية من العام 1983، إبان كانت تتعرض لقصف مدفعي شرس، في إطار ما سمي «بحرب المدن» أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

يومها انتهزت فرصة هدوء القصف قليلاً، وذهبت برفقة أصدقاء مصريين لشرب الشاي العراقي الشهي، من أحد محلات بيع الشاي على الواقف، في شارع «الوطن».. ولفت انتباهي حديث دار بين طالبين يدرسان الأدب في جامعة البصرة عن أمل دنقل، فاستسمحتهما عذراً أن أشاركهما الحديث، وتبادلنا تذكر بعض قصائده، والعراقيون شغوفون بالثقافة بطبعهم لدرجة أن قيل أن»القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، لحظتها أخبراني بالخبر الفاجعة: أمل دنقل توفي.

حين غادراني إلى شأنيهما، مع بدء سقوط القذائف على المدينة التي حولها العراقيون إلى ثكنة عسكرية، التفت إلى أصدقائي المصريين وسألاني، ونحن نحث الخطى إلى أقرب ملجأ، وقد لاحظا مبلغ تأثري بخبر وفاته، قائلين: مين أمل دنقل دي..؟.

أصدقائي المصريون لم يكونوا جهلة بل خريجي جامعات، وثمة فرقٌ طبعا بين التعليم والثقافة، فضلاً عن أن الشاعر الراحل كان معتماً عليه طيلة عهد الرئيس أنور السادات ومطالع عهد حسني مبارك، بسبب مواقفه السياسية ومعاداته لكامب ديفيد، ولعل شهرته خارج مصر كانت أكبر بكثير من شهرته داخلها.

ونشر أيامها ان النظام ضن على دنقل بالعلاج، بعد اصابته بمرض السرطان، وأمضى آخر أربع سنوات من حياته في الغرفة رقم 8، بالمعهد القومي للاورام، وسجل معاناته مع المرض في ديوانه الذي حمل عنوان «أوراق الغرفة 8».

والحق أن تجربة دنقل الحياتية لطالما اختلطت بتجربة ابن البصرة، أو ناحية «أبي الخصيب» على وجه الدقة بدر شاكر السياب، الذي قضى هو الآخر على سرير المرض، وما تزال قصيدته «خليج يا خليج.. يا واهب المحار والردى» تنتصب على خليج البصرة، مثلما ابتسامة أمل دنقل الكئيبة وواحدة من قصائده الأخيرة:

في غُرَفِ العمليات

كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ

لونُ المعاطفِ أبيض

تاجُ الحكيماتِ أبيضَ أرديةُ الراهبات

الملاءاتُ

لونُ الأسرّةِ أربطةُ الشاشِ والقُطْن

قرصُ المنوِّمِ أُنبوبةُ المَصْلِ

كوبُ اللَّبن

كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.

كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!

.. لكن البصرة، مدينة العشار والنخيل والشناشيل والشعر والألوان كلها.. لم تعد تتسع لكليهما..