دمشق - مثال عبد الرحمن
يعتبر أصلان عبد الكريم ، القيادي البارز في حزب العمال الشيوعي ( المكتب السياسي السابق ) والذي أمضى 20 عاما رهن الاعتقال في السجون السورية (1980 –2000) ، أن الإفراج عن السجناء السياسيين في سوريا لا يعني عدم عودتهم إلى السجون لاحقا، ويقول عبد الكريم في حوار مع "البوابة" إن هذه الخطوة هي خطوة جزئية وإعلامية، ولا تعبر عن متغير جوهري في الإيقاع السياسي للنظام في تعاطيه مع المتغير الدولي والإقليمي، أو استجابة لتحريك الحياة السياسية في البلاد. ويطالب بالإفراج عن الحياة السياسية والحزبية في سوريا، وهذا نص الحوار..
كيف تنظرون إلى قرار الإفراج عن المعتقلين السياسيين في سوريا والذي شمل 600 معتقل؟
- أعتقد أن أية ظاهرة اجتماعية – اقتصادية – سياسية ينبغي رؤيتها من خلال سياق عام ، فإذا أخذناها كبادرة منعزلة ( الإفراج )، فهي ليست أكثر من بادرة تقليدية، تلجأ إليها الأنظمة الديكتاتورية لتلميع وجهها قليلا، هذا إذا بقيت في هذه الحدود، مع ذلك نقف من قرار الإفراج عن المعتقلين السياسيين موقفا إيجابيا.
ما الذي كنتم تأملون به، ويتجاوز الإفراج عن المعتقلين السياسيين ؟
- أعتقد أن النشاط في الظروف الراهنة ينبغي أن يصب في اتجاه آخر.. أقول بتكثيف شديد، حتى لو لم يبق هنالك أي معتقل سياسي، فإن هذا أقل أهمية بكثير من أن يكون هنالك وضع ديمقراطي نسبي، مهما تكن نسبيته، فيما يتعلق بمناخ الحركة السياسية في سوريا، لأنه إذا استمرت الأوضاع كما هي، فما الذي يمنع من أن يعود السجناء إلى السجون من جديد، أو أن يكون هناك سجناء جدد، طالما يوجد هذا الجهاز الأمني المستشري كالسرطان في الجسم، والذي يستطيع أن يعتقل من يشاء، ودون قيود استنادا للطبيعة الشمولية للنظام؟ ما ينبغي أن تكون عليه الأمور هو محاولة تحقيق ديمقراطي نسبي على الأقل.. هذا الهامش لا أستطيع الآن أن أحدد ملامحه لأننا وبدون خجل، في مجتمع آسن، لا حراك سياسيا فيه، وفي ظل سلطة مغلقة، يتم فيها صنع القرارات من خلال مجموعة ضيقة جدا، وليس فيها أي قدر من الشفافية.. كيف يمكنني تصور ما ستحمله هذه السلطة غدا أو بعد غد أو لاحقا؟ نستطيع القول الآن أن هنالك وضعا يسمح بهامش من التعبير عن الرأي أو الانتقاد، سواء كان اقتصاديا أم لدرجة ما سياسيا، من قبل المجتمع نفسه وتعبيراته، كبيان المثقفين الـ 99، والمنتديات التي يتم الحديث فيها عن أمور كثيرة، وهذا الأمر من وجهة نظري اكثر إيجابية بكثير من إطلاق المساجين السياسيين، على الرغم من الأهمية الكبيرة له سياسيا والقيمة الإنسانية له بكل المعايير، ومع ذلك لا أحد يضمن أن يستمر هذا الوضع. هذا الوضع مستمر الآن عبر تغاضي السلطة أو تسامحها العابر، والمطلوب هو تأسيس هذه الممارسات على أساس من التشريع والقانون، وعبر مؤسسات وقوانين يصبح التراجع عنها صعبا، إن لم اقل مستحيلا.
ما هي مطالبكم إزاء هذا المأمول، وما هي بنود هذه المطالب؟
- ما هو مطلوب من السلطة، وببساطة تامة يمكن إجماله ببيان المثقفين الـ 99 ، وهنالك نقطة أساسية واحدة يمكن أن تبدأ وتشكل لبنة أساسية لحراك سياسي حقيقي في مجتمعنا، وهي أن يعمد هذا النظام إلى إلغاء حالة الطوارئ، ووقف العمل بقانون الأحكام العرفية، وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وحتى إذا لم يحصل ذلك، فتقييد قانون الطوارئ وتحديده وجعله يتجه بشكل أساسي نحو الخارج، وتحديد هامش حرية حركة أجهزة الأمن، يمكن أن يشكل خطوة على الطريق الصحيحة.
بتحديد أكثر..
- أن يحدد ويقيد قانون الطوارئ، وأن يحدد ويقيد هامش جهاز الأمن، وهذا أهم بكثير من إطلاق المساجين السياسيين، دون التقليل من أهمية هذا الإطلاق، ولو كان يخص سجينا سياسيا واحدا.
بعد إطلاق هذا العدد من السجناء السياسيين، وهو عدد كبير حسب مصادر بعضها من المعارضة السياسية السورية، هل تعتقد أن القوى السياسية المفرج عنها قادرة على إعادة تشكيل نفسها، والانطلاق إلى الحياة السياسية من جديد ؟
- في الاتجاه العام، أقول إن القوى السياسية في سوريا مدمرة من أقصى يمين الطيف السياسي حتى أقصى يساره ، بغض النظر أكانت متحالفة مع النظام، أم كانت في معارضته، أم بين بين، ومن الذين رفعوا البندقية كمعارضة الإخوان المسلمين، إلى الذين لم يتجاوزوا قيد شعرة النضال السلمي أيا كانت اتجاهاتهم السياسية، وإذا جئنا إلى جبهة النظام فببساطة يمكن القول إنها ليست أكثر من جبهة تصفيق وتصديق لما يفعله النظام وبهذا المعنى فقد تحولت هذه الجبهة إلى عوائل انتهازية مرتزقة لا أفق سياسيا لها في هذا البلد مادامت في شراكة مع النظام، إذن ثمة دمار سياسي للقوى السياسية التي تحالفت مع النظام ، أما الذين عارضوه، فقد دمروا أيضا سياسيا وتنظيميا من خلال المنافي والسجون، بغض النظر ما إذا كانوا قد رفعوا البندقية كالإخوان المسلمين، أم كانوا يناضلون سلميا ،أما اؤلئك الذين كانوا بين بين فقد دمروا في نهاية المطاف، وحتى الذين كانوا يناضلون على شكل موقف أو نضال موسمي، كالتجمع الوطني الديمقراطي فيما مضى وعلى رأسهم الاتحاد الاشتراكي العربي، فإنه يلاحظ أيضا أن لا نفوذ سياسيا لهم، وبهذا المعنى يمكن القول إنه أيا تكن التنظيمات وأيا تكن سياستها وأيا تكن مواقفها، فقد ذوت هذه التنظيمات عبر الثلاثين سنة الفائتة، ولم يبق إلا عوائل تنظيمية أو تنظيمات مدمرة سياسيا وتنظيميا وجسديا، أو تنظيمات دمرت سياسيا وإن لم تدمر تنظيميا، فمجموع الحركة السياسية المتحالفة مع النظام، أو المتصارعة معه، أو التي بين بين، أو التي تستخدم هذه الوسيلة أو تلك ، هي حركة عاجزة الآن نتيجة دمارها السياسي والجسدي عن فعل شئ نوعي في الحياة السياسية. أما أن تعيد إنتاج نفسها، سواء كانت خارجة من السجون، أو موجودة في الخارج، أو غير ذلك، فهنالك احتمالات لا تتعلق هذه المرة بشرط الواقع القمعي الذي وجدت فيه، لأن ثمة متغيرات هائلة في العالم، وثمة متغيرات في البلاد، وأزمات بنيوية على الصعيد الاجتماعي – الاقتصادي – السياسي، وعلى صعيد القانون والدستور، وبالتالي هنالك تعقيدات أكثر، ولو قلنا إن الأمر ناتج فقط عن القمع، وإن الكابوس رفع عن رقابنا، واستطعنا أن نصل إلى حالة من الديمقراطية النسبية، لكان الجواب سهلا، وهو أن هذه القوى التي دمرها القمع يمكن أن تعيد إنتاج نفسها – إذا رفع عنها القمع – طالما الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة لم يحصل عليها تغيير كبير، أما وقد حصل العكس تماما، وحدث الزلزال العالمي في السنوات العشر الأخيرة، فإن إعادة إنتاج هذه القوى لنفسها، أو ترميم نفسها، أو تجديد التنظيمات السياسية الراهنة، هو أمر بحاجة إلى شروط أخرى، فالتنظيمات بحاجة إلى تمثل هذه التغيرات العميقة التي حصلت، وتغيير طرائق العمل السياسي وأنماط التفكير بشكل جذري، أو على الأقل بما يجعلها مغايرة بشكل كبير لما ألفناه حتى هذه اللحظة، وإذا كان الأمر كذلك فمن الصعب الآن التنبؤ بهذه السهولة، ثم لماذا نحن مضطرون للتنبؤ؟ أنا افضل أن نبدأ الفعل، وأن نكف عن التنبؤ، وأن لا نجلس منتظرين فاغري الأشداق نرجو المن والسلوى من السماء، آملين بتحقق النبوءات، ولنقل إن الاحتمالات مفتوحة ولو بدرجات مختلفة، إن التنظيمات السياسية على الساحة السورية قد يعيد بعضها إنتاج نفسه، وقد يحتاج البعض إلى شروط اجتماعية سياسية وزمن أطول ليفعل ذلك، وقد لا يستطيع البعض أن يجدد نفسه، ومن ثم سيلغيه التاريخ، وقد تنشأ، وهذا هو الأهم، حركة سياسية جديدة أكثر شبابا وتطورا وأكثر قدرة على استيعاب المتغيرات العالمية والإقليمية والمحلية، ولا أستطيع القول في هذه اللحظة من هو الحزب الذي سيستطيع إعادة إنتاج نفسه، ومن هو الحزب الذي يفلح في هذه المهمة، لكنني أعتقد أن بعض هذه الأحزاب سوف يستطيع ذلك، وأن بعضها الآخر قد لا يستطيع، وأن ظواهر جديدة سوف تنشأ إذا توفر الحد الأدنى من الديمقراطية.
هل تربط كل الاحتمالات بالحد الأدنى للديمقراطية؟
- الموضوع الديمقراطي هو عقب آخيل، ومن اجل توفير هذا الهامش الديمقراطي على المجتمع السوري بكافة فئاته واتجاهاته، وعلى الحركة السياسية باتجاهاتها وتنظيماتها وأنماط تفكيرها أن تصب كل جهدها في البحث عن مناخ ديمقراطي في هذه المرحلة، ولا يجب إضاعة الوقت في قضايا أخرى 0
تتحدث عن تنازلات يقدمها النظام السياسي باتجاه المسألة الديمقراطية، هل تتصور أن بوسع النظام أن يقدم هذه التنازلات ؟
- سمعنا في الفترة الأخيرة ما يشجع، وهو أن النظام يريد أن يستجيب للمتغيرات العالمية، وأن يستجيب للحاجات الحيوية العميقة للمجتمع السوري، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ، وأنه بصدد الإصلاح والتغيير، ولا اعتقد أن أحدا يرغب بأن لا يصدق ذلك، فدوافعنا ومشاعرنا ورغباتنا تدفعنا إلى تصديق هذه الأطروحة، ولكن العقل لا يمكن الضحك عليه بسهولة، فهو يحتاج إلى وقائع عنيدة كي يبني عليها، من جهة أخرى لم نر بعد أي تجديد حقيقي يسمح بالقول بأن النظام يريد حقا ذلك، أو أنه يريد أن يتجاوز القول إلى ساحة الفعل ، وحتى إذا انطلقنا من خطاب القسم الذي يعتبره الكثيرون بمثابة المرجعية في التغيير المنشود وفككناه، سنجد أن الحديث عن الاعتراف بالآخر، ثم الحديث المناقض له عن خصوصية الديمقراطية لا يشكل طمأنينة كافية. أعتقد أن أي حديث عن خصوصية الديمقراطية الآن في العالم صار واضحا أن المقصود منه هو السماح للسلطة بأن تفرض وجودها تحت هذه اليافطة ، وبالتالي كله كلام حق يراد به باطل.. هنالك أشكال وصيغ سوف تظهر فيها الديمقراطية، ولكن لا أعتقد أن المبادئ الأساسية في العالم سواء كانت متعلقة بسيادة القانون، أو متعلقة بتداول السلطة، أو متعلقة بالحريات المنصوص عليها بميثاق حقوق الإنسان للأمم المتحدة وبنوده الثلاثين، أو بسيادة الشعب على مصيره وواقعه يمكن الالتفاف عليها أو تجاوزها، هذه مبادئ عامة، ولا أعتقد أن هنالك معنى للحديث عن خصوصية خارجها. إن الحديث عن الخصوصية هو محاولة لدفن الرأس في الرمال، والمقصود به تأكيد هذه الصيغة أو تلك من صيغ الديكتاتورية تحت يافطة الخصوصية الدينية، أو القومية، أو المحلية، أو الطبقية.. هل من المعقول أن تكون سوريا، وهي السباقة في تاريخها إلى النظام الديمقراطي بهذا القدر أو ذاك، متخلفة عن الأنظمة العربية الأخرى، بما فيها أنظمة مثل موريتانيا وجيبوتي واليمن؟ هل يعقل أن نظل نراوح في الحديث عن الخصوصيات دون الذهاب قدما للاعتراف بالمبادئ الأساسية للديمقراطية، التي تشكل محتوى العصر الراهن فيما يتعلق بالأنظمة السياسية؟
ينبغي القول بلسان واضح ساطع لا يقبل أي لف أو دوران أو لجلجلة بأن مبادئ الديمقراطية العامة لا مجال للالتفاف عليها، وهي مبادئ تجمع كل الأعراق والجنسيات والقوميات والديانات، وأية محاولة لقول غير ذلك تصب في خانة الديكتاتورية، إن لم تكن الديكتاتورية بعينها، وهي محاولة لوضع العصي في عجلة التطور الإنساني وبشكل خاص فيما يتعلق بالقيم الإنسانية النبيلة ؟
* تعتبر الديمقراطية هي المحدد لكل أفعال المستقبل السياسي في سوريا. ما هو حال القوى التي تطرح العنف باعتباره طريقا للتغيير، كالإخوان المسلمين على سبيل المثال، وعندما تطرح هذه القوى العنف باعتباره خيارها، ماذا لو مارس النظام السياسي خيار العنف بالمقابل؟
- أنا أعتقد أن الإسلاميين ليسوا كتلة واحدة، وهذا واضح، فهنالك اتجاهات متشددة، وهنالك اتجاهات معتدلة، وهنالك اتجاهات عنفية، وهنالك اتجاهات سلمية. أمامنا خريطة واسعة من التيارات الإسلامية في العالم، وأمامنا التجربة التركية، وأمامنا الغنوشي في تونس، ونحناح في الجزائر، وأمامنا أيضا في مصر برنامج الإخوان المسلمين الأخير، الذي دخلوا به الانتخابات، وهو برنامج متقدم نسبيا عما سبقه، وأمامنا أيضا وعلى العكس من ذلك طالبان، والجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر، وكذلك في مصر .. إذن الإسلاميون طيف واسع. فلماذا يجب أن نتصور أن من حقنا بوصفنا يساريين أن نوجد كطيف واسع من التيارات في برامجها وأفكارها وممارساتها وكذلك أيضا أن يكون هنالك طيف واسع من التيارات القومية ولا نقبل أن يكون هناك طيف واسع من التيارات الإسلامية؟ بغض النظر قبلنا أم لم نقبل فإن هذا الطيف موجود، وهو موجود رغم أنفي أولا ، كما لا ينبغي أن أتصور بصفتي يساريا، أو علمانيا، أو ديمقراطيا، أنني قادر على رصد المتغيرات العالمية وقادر على التأثر بها ، وقادر على إعطاء الديمقراطية الأهمية التي تستحقها بعد هذه المتغيرات، وبعد هذا الإلحاح في السنوات الأخيرة على حقوق الإنسان. لم يكن ينبغي تصور أنني أنا سأتأثر، وأيا كان ماضي السابق عنفيا أم غير عنفي، ديكتاتوريا أم غير ديكتاتوري لدرجة أن الإنسان أصبح يخجل من أن يرفع الشعارات القديمة المتعلقة بديكتاتورية البروليتاريا، ولا أستطيع أن أتصور أن التيار الإسلامي بشر مثلهم مثلي، وأنهم قادرون على التأثر بما فيهم تيار العنف ؟ ينبغي أن أتصور أن هذا التيار بصفته ليس خارج التاريخ سيتأثر، وواقعيا تأثر، وقد بدا ذلك واضحا في طروحات العديد منهم، ويمكن أن تبقى جماعات محدودة الأثر والفعل قد لا تتأثر على الإطلاق، بالتأكيد ينبغي القول إن تأثر أصحاب الأيديولوجيات الاحتكارية سواء كانت ماركسية أو قومية أو دينية أصعب بكثير من تأثر الآخرين بالمتغيرات، وبالتأكيد يجب أن نقول إن تأثر الأيديولوجية الدينية سيكون اكثر صعوبة على الإطلاق فيما يتعلق بالمتغيرات لأن نصوصها مقدسة وبصفتها أيديولوجية احتكارية تجتمع مع غيرها من الأيديولوجيات الماركسية والقومية، لكن بصفتها ذات نصوص مقدسة تتميز عنها، وبالتالي نستطيع أن نقول دون أن نجحف بحق أحد أن الماركسية والقومية وإن كانتا تقفان على أرض الأيديولوجيا فقدرتهما على التفاعل أقل صعوبة من قدرة التيارات الدينية، ولكن رغم هذا التحفظ فمن الضروري جدا القول كي لا نجعل كل الأطراف متساوية، إن الإسلاميين سيتأثرون، وقد تأثروا ومن الإنصاف أن لا نتحدث بصيغة استعلائية على الآخرين على أساس أننا نحن الذين نملك الحقيقة فقط، ونحن الذين نتغير فقط ، ونحن الديمقراطيون فقط ، أما الآخرون فقد صبوا في قالب وغير قادرين على التزحزح منه أو أن ينفذ أي شئ من المتغير إليهم؟ هذه الأحاديث هي أحاديث نرجسية، وفي أحسن الأحوال ليست حوارا وليست موقفا. إنها نجوى ذاتية، وهذه النجوى الذاتية هي سمة عامة للفكر العربي في هذه المرحلة، وبصورة عامة للتيارات المغلقة على نفسها والراضية عن ذاتها والتي تجد الخطأ في الآخرين وفي الآخرين فقط . إن ما يشكل أهمية قصوى في هذه المرحلة فيما يتعلق بالتيارات الدينية هو تشديد الضغط واستمراره بكافة الأشكال لإرغامها على تقديم برامجها السياسية، ونشرها على أوسع نطاق لأنه على أساس هذه البرامج فقط ينبغي النظر إليها سلبا أو إيجابا ، فمن الصعب القبول بسمك مازا ل في الماء، وسيكون من المهم لنا لدرجة تقارب الحياة أو الموت أن تعترف هذه التيارات الدينية من خلال برامجها بالآخر سواء كان دينيا أم علمانيا شيوعيا أم قوميا، وأن تعترف بحقه في الوجود والتعبير عن نفسه تحت سقف القانون وبتداول السلطة وبالتعددية السياسية والفكرية والدينية وبالحوار النقدي والصراع السلمي، وبكلمة بالأسس العامة لحقوق الإنسان وعلى رأسها الحق في نظام سياسي ديمقراطي.
* أنتم الآن أفراد، ولستم حزبا. هل راجعتم تجربتكم بعد الاعتقالات التي شهدتها صفوفكم وبعد المتغيرات التي تتحدث عنها؟
- من الصعب الحديث عن هذه المسألة من طرف واحد، ففي الأساس كنا حزبا متميزا بديناميته وحيويته الفكرية العالية، وهذا القول ليس غرورا، وأزعم أنه مطابق لواقع الحال، ولذا فان حزبا بهذه الحيوية والدينامية سوف يكون عرضة لكل المتغيرات، وسوف تنمو المتغيرات فيه دون أي جهد عسير. بكلمتين أستطيع القول إن هذا الحزب الذي لم يعد قائما الآن كان يعج بالتيارات والاتجاهات المتباينة والمختلفة، وقد استطاع أفراد من أعضائه السابقين أن يجروا مراجعة عميقة لكثير من الطروحات الفكرية والسياسية والتنظيمية على الصعيدين النظري والعملي.
* بعد هذه المراجعات هل تعتقد أنه من الممكن أن يعود حزبكم إلى التشكل من جديد فيما لو توفر عقب آخيل الذي هو المناخ الديمقراطي ؟
- قد يعود، وقد يصبح أحزابا كثيرة، والتيارات المتفككة قد تنشئ مفهوما مختلفا للتنظيم، وقد لا يكون هنالك إمكانية لعودة هذا الحزب بغض النظر إن كان حزبا واحدا، أو عدة أحزاب.. كل الاحتمالات مفتوحة، والأمر متوقف على قضية الهامش الديمقراطي، من خلال النضال المستمر للمجتمع السوري بكافة فئاته وأدواته ومنتدياته، ويتوقف أيضا على القدرة الذاتية لهذه المجموعات التي كانت سابقا تنتمي إلى هذا الحزب، ومع ذلك أزعم أن أي حزب سيعود إلى الحياة على أنقاض حزب العمال لن يكون نسخا لماضي هذا الحزب، لا تنظيميا ولا سياسيا، وقد يكون مغايرا لدرجة يصعب فيها التعرف عليه.
هل يشكل ما تقوله إطارا ذهنيا لكوادر حزب الأمس أم أنه رأيك أنت كسياسي؟
- ما قلته يعبر عن موقف شخصي صرف، بغض النظر عن اتفاقه أو اختلافه مع رفاق الأمس، وليس من حقي لا سياسيا ولا أخلاقيا ولا عمليا أن افتئت على حق الرفاق الآخرين، أو أن أتحدث باسمهم.—(البوابة)