أسود وكلاب

تاريخ النشر: 05 يونيو 2015 - 11:30 GMT
اسد وكلب
اسد وكلب

خالد أبو الخير

 حظي الأسد بمكانة كبيرة في الأدب العربي وذكره جل الشعراء في معرض التبجيل واستعظام شأنه، كونه المفترس الأسمي، له مخالب وأنياب أشبه بالخناجر، وقدرة على التسلل والفتك، فضلا عن قوة طاغية وشجاعة نادرة، فهو رمز للسمو والعظمة، وعنوان للقوة والبطش والسيطرة. ومن ذلك قول المتنبي:

ورد إذا ورد البحيرة شاربا.. ورد الفرات زئيره والنيلا.

والورد من أسماء الأسد، وقيل إن للأسد خمسمائة اسم وصفة، أشهرها: الهزبر، أسامة، الحرث، الغضنفر، الضيغم، المتأنس، حيدرة والضرغام وغيرها، ومن كناه: أبو الابطال، أبو الاخياف، ابو الزعفران وأبو العباس.

ولا أريد ان أغادر قصيدة المتنبي التي مطلعها

أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا

وَقَعَت عَلى الأُردُنِّ مِنهُ بَلِيَّةٌ نُضِدَت بِها هامُ الرِفاقِ تُلولا

قبل أن أضعكم في صورة بعض الابيات العبقرية التي رسم بها الشاعر ذلك الاسد، بريشة الرسام وأروع منه اتقانا:

مُتَخَضِّبٌ بِدَمِ الفَوارِسِ لابِسٌ في غيلِهِ مِن لِبدَتَيهِ غيلا

في وَحدَةِ الرُهبانِ إِلّا أَنَّهُ لا يَعرِفُ التَحريمَ وَالتَحليلا

يَطَأ الثَرى مُتَرَفِّقاً مِن تيهِهِ فَكَأَنَّهُ آسٍ يَجُسُّ عَليلا

وَيَرُدُّ عُفرَتَهُ إِلى يافوخِهِ حَتّى تَصيرَ لِرَأسِهِ إِكليلا

ويروى عن الأسد أن له صبر على الجوع، لا يعود إلى فريسته إذا أكل منها بل يعافها ويتركها لباقي الحيوانات والنسور. ولا يأكل من فريسة غيره، اذا أكل نهش نهشا، مقدام لا يكترث بأعدائه، لا يقترب من أنثاه اذا كانت حائضاً، ولا يتعرض للمرأة الحائض وكذلك الأطفال مهما كان جائعاً.

أما ما يجمع الأسد والكلب في الأدب فلأن الأسد، كما قيل، لا يشرب من ماء شرب منه كلب، وفي ذلك يقول الشاعر:

وأترك حبها من غير بغض *** وذاك لكثرة الشــركاء فيه

إذا وقع الذباب على طعـام*** رفعت يدي ونفسـي تشتهيه

تتجنب الأسود ورود مــاء*** إذا كان الكــلاب ولغن فيه.

وعلى الرغم من صفات للكلاب الحسنة عموماً، كالوفاء، الا ان الشاعر العربي أنف من ذلتها واستكانتها ونجاستها خصوصا عند مقارنتها بملك الغابة.

وتنسب الى الامام الشافعي هذه الابيات بنفس المعنى السابق:

لا تأسفن على غدر الزمان لطالما رقصت على جثث الأسود كلاب

لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب

تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب

وللبحتري قصيدة في منازلة القائد الفتح بن خاقان مع أسد أيام الخليفة المتوكل، منها قوله:

فلم أرَ ضرغامين أصدقَ منكما

عراكاً، إذا الهيّابةُ النُّكسُ كَذّبا!

هزبرٌ مشى يبغي هزبراً، وأغلبٌ

من القوم يغشى باسلَ القوم أغلبا

فأحجمَ لَمّا لم يجد فيك مَطمَعاً

وأقدمَ لما لم يجد عنك مهربـا

فلم يُغنِهِ أنْ كَـرّ نحوك مقبلاً

ولم يُنجه أن حـاد عنك منكّبا

حملت عليه السيفَ، لا عزمكَ انثنى

ولا يدُك ارتدّت، ولا حدُّه نَبـا

وهكذا.. سقط الاسد مضرجا بدمائه وانتصر القائد الممدوح.. تماما كما يحدث في كل العصور.