أسامة بن لادن.. القصة الكاملة: كيف أسهمت الـ ''CIA'' في إحياء تطرف القرون الوسطى

تاريخ النشر: 01 أكتوبر 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان – محمد عمر 

منذ مقتل الثائر الأرجنتيني تشي غيفارا في غابات بوليفيا لم يحظ شخص آخر بالاهتمام العالمي مثلما حظي أسامة بن لادن الذي تكاد "الميديا" الغربية أن تحوله إلى أسطورة، كما كانت "الميديا" الشرقية حولت الثائر البسيط الـ"تشي" إلى أسطورة رغم تواضع إمكانياته وقصر حياته "النضالية".  

وربما تحتاج الولايات المتحدة إلى هذا "الشبح – الأسطورة"، أو هي تغذيه لتنفيذ مخططاتها الرامية إلى إعادة تثبيت هيمنتها على العالم، وربما بات "شبح بن لادن" جزءا من استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة. 

حياة مضطربة  

أسامة بن لادن الذي وضعت الولايات المتحدة 25 مليون دولار ثمنا لرأسه المطلوب "حيا أو ميتا"، ما هي قصته، وكيف تحول الفتى السعودي الخجول واليتيم إلى أسطورة. 

ولد أسامة بن محمد بن عوض بن لادن في حي الملز في العاصمة السعودية الرياض في العاشر من آذار/مارس 1957، وهو الابن الحادي والعشرين بين الذكور والثالث والأربعين بين إخوته.  

أما والده محمد عوض بن لادن، فهو من أصل حضرمي، حضرموت (اليمن)، كان وصل إلى السعودية حوالي العام 1930 بحثا عن عمل، وعمل حمالا في ميناء جدة. 

وكأغلب أهل حضرموت كان مثابرا وعصاميا، فاستطاع بما وفره من أموال أثناء عمله حمالا أن يتحول إلى مقاول بناء بسيط ثم إلى صاحب أكبر شركات المقاولات في السعودية. 

وبحسب الروايات المنقولة عن والده فقد استطاع أن يقيم علاقات طيبة مع العائلة الحاكمة خاصة مع الملك فيصل، ووقف إلى جانبه في خلافه الشهير مع الملك سعود بن عبدالعزيز، وقدم له دعما كبيرا بما في ذلك دفع رواتب العاملين بالدولة لأكثر من 6 أشهر عندما تسلم الملك فيصل الحكم وكانت خزينة الدولة تعاني ضائقة مالية. 

وكان أن رد له الملك فيصل الجميل فاصدر أمرا بإحالة جميع عطاءات البناء في المملكة على شركته والتي كان أهمها توسعة الحرمين ما جعل شركته الأكبر بين شركات المقاولات في السعودية. 

توفي والده في حادث سقوط طائرة منتصف عام 1970، بينما كان يتفقد طريق "الهدا" أحد مشاريع الشركة وكان عمر أسامة تسع سنين ونصف. 

ورغم أنه لم يفتح أي تحقيق في حادث سقوط الطائرة الذي ظهر في حينها وكأنه حادث عرضي، شاءت الأقدار أن يتوفى أخوه البكر سالم في حادث مماثل بعد عدة سنوات. 

بعد وفاة والده، تزوجت أمه التي تنحدر من أسرة دمشقية، من رجل يمني من عائلة العطاس المعروفة. 

أنهى أسامة بن لادن دراسته الابتدائية والثانوية في جدة وتخرج في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة في تخصص "الإدارة العامة"، وكان أسامة قد تزوج زوجته الأولى وهو في السابعة عشرة من فتاة شامية تربطها صلة قرابة بعائلة والدته. ثم أتبعها بثلاث زيجات من نسوة سعوديات. 

نشا أسامة في أسرة متدينة، وتفخر أسرته بأنها أعادت إعمار المسجد الأقصى عام 1969، وتوسيع الحرمين الشريفين، كما كان والده يستضيف سنويا عددا من الحجاج على نفقته الخاصة. 

وخلال دراسته الجامعية تعرف على الدكتور محمد قطب وهو نجل الداعية الإسلامي المعروف ومؤسس حركة الإخوان المسلمين سيد قطب الذي كانت قتلته المخابرات المصرية إبان حكم عبدالناصر. كما تعرف على الداعية الإسلامي الدكتور عبدالله عزام، وهو أردني من أصل فلسطيني قاتل القوات السوفياتية في أفغانستان إلى أن قتل هو وولداه الاثنان في حادث تفجير سيارة في بيشاور عام 1989، اتهم بتدبيرها أسامة بن لادن نظرا للخلافات بين الطرفين، رغم أن أسامة ينفي ذلك بشدة. 

ويبدو أن علاقته بأستاذه عبدالله عزام، الذي كان متحمسا لقتال السوفيات، قد أثرت به جدا فقرر السفر إلى أفغانستان، وكانت زيارته الأولى لمجرد الاطلاع على أوضاع "الجهاد" هناك، وتكررت زياراته إلى الباكستان أكثر من مرة إلى أن دخل إلى أفغانستان للمرة الأولى عام 1982. 

الحرب ضد الاتحاد السوفياتي  

بعد أربع سنوات، في عام 1986، قرر رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية الـ CIA وليام كيسي تصعيد الحرب ضد الاتحاد السوفياتي السابق وذلك باتخاذ ثلاثة إجراءات مهمة بقيت في حينها سرية للغاية.  

فقد أقنع كيسي الكونغرس الأميركي بتزويد المجاهدين الأفغان بصواريخ ستينغر،أميركية الصنع، المضادة للطائرات، وذلك من أجل إسقاط الطائرات السوفياتية، وكذلك أرسل مستشارين أميركيين لتدريب المقاتلين. ومنذ ذلك الحين، لم تقدم أية أسلحة أميركية أو خبراء للمشاركة في الحرب الأفغانية.  

كذلك اتفقت الـ CIA والمخابرات البريطانية M16 والمخابرات الباكستانية ISI على تنفيذ خطة استفزازية لشن حرب عصابات في جمهوريتي طاجكستان وأوزباكستان الإسلاميتين التابعتين للاتحاد السوفياتي آنذاك واللتين كانتا تستخدمان كممر للمؤن السوفياتية الذاهبة إلى أفغانستان. وقد عهد بالمهمة إلى الزعيم الأفغاني قلب الدين حكمتيار الذي كان مفضلا لدى المخابرات الباكستانية.  

وفي آذار / مارس عام 1987 عبرت وحدات صغيرة نهر آمو داريا من قواعد في شمال أفغانستان وشنت هجمات صاروخية ضد قرى في طاجكستان.  

وقد سر وليام كيسي للأخبار وقام أثناء رحلته التالية إلى باكستان بعبور الحدود إلى أفغانستان مع الرئيس الباكستاني ضياء الحق لاستعراض جماعات المجاهدين.  

أما الإجراء الثالث فقد تمثل في التزام كيسي بدعم الـ CIA للمخابرات الباكستانية باجتذاب مسلمين متطرفين من جميع أنحاء العالم للمجيء إلى باكستان والقتال إلى جانب المجاهدين، وقد شجعت المخابرات الباكستانية ذلك منذ عام 1982. وهو العام الذي دخل فيه بن لادن إلى أفغانستان للمرة الأولى.  

كان ضياء الحق يهدف من ذلك تمتين الوحدة الإسلامية وتحويل باكستان إلى زعيمة للعالم الإسلامي وتقوية المعارضة الإسلامية في آسيا الوسطى. بينما أرادت واشنطن إظهار أن العالم الإسلامي برمته يحارب السوفيات جنباً إلى جنب مع الأفغانيين و"المحسنين" الأميركيين.  

ورأت السعودية في ذلك فرصة لترويج الوهابية والتخلص من المتطرفين لديها.  

ولم يدرك أي من اللاعبين هؤلاء، في حينها، أن للمتطرفين أجنداتهم الخاصة والتي من شأنها تحويل عدائهم للسوفيات باتجاه حكوماتهم والأميركيين.  

وعلى الأثر، انضم حوالي 35000 مسلم متطرف من 43 دولة إسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى للقتال بجانب المجاهدين الأفغان.  

كذلك التحق عشرات الألوف من المتطرفين الإسلاميين الأجانب بالمدارس التي أنشأتها ومولتها حكومة ضياء الحق العسكرية في باكستان وعلى الحدود مع أفغانستان.  

وفي نهاية الأمر أصبح حوالي 100000 مسلم متطرف ذوي علاقة مع باكستان وأفغانستان تأثروا بالجهاد المقدس.  

تجمع هؤلاء المتطرفون في مخيمات في مدينة بيشاور الباكستانية وفي أفغانستان حيث التقوا مع بعضهم البعض لأول مرة ودرسوا وتدربوا وخاضوا غمار الحرب معاً.  

وكانت تلك الفرصة الأولى التي تتاح لمعظمهم الاطلاع على الحركات الإسلامية في بلدان غير بلدانهم وتبادل هؤلاء المفاهيم التكتيكية والعقائد التي يمكن أن تخدمهم في المستقبل. وأصبحت هذه المعسكرات جامعات افتراضية للتطرف الإسلامي مستقبلا، ولم تشأ أي من وكالات المخابرات المعنية التفكير بالعواقب التي قد تجلبها مسألة جمع آلاف المتطرفين الإسلاميين من جميع أنحاء العالم، وكان من بين هؤلاء الطالب السعودي الشاب أسامة بن لادن. 

وقد كانت المخابرات الباكستانية تواقة منذ فترة طويلة أن يقوم الأمير تركي بن فيصل، مدير الاستخبارات السعودية سابقا، قام الملك فهد بإزاحته من منصبه أواخر الشهر الماضي، بإرسال أمير سعودي ليقود الفرقة السعودية لإظهار التزام العائلة المالكة السعودية بالجهاد، لكن فقراء سعوديين أغلبهم من الطلاب وسائقي سيارات الأجرة وبدو القبائل فقط وصلوا للقتال، ولم يكن أي من الأمراء السعوديين على استعداد لتحمل المشقة في جبال أفغانستان، ولذا فقد كان بن لادن، على الرغم من أنه ليس أميرا، بل كانت عائلته مقربة من العائلة المالكة، غنياً بدرجة كافية ليقود الفريق السعودي في القتال، وقد أصبح بن لادن والأمير تركي والجنرال جوت أصدقاء وحلفاء في قضية مشتركة.  

كان مركز تجمع الأفغان العرب في مكاتب رابطة العالم الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين في مدينة بيشاور شمالي باكستان الذي كان يديره الدكتور عبدالله عزام.  

قام عزام خلال الثمانينات ببناء صلات وثيقة بـ حكمتيار وعبدالرسول سياف، وأرسل السعوديون أحد علماء الدين الأفغان إلى بيشاور للترويج للوهابية.  

وتدفقت الأموال السعودية إلى عزام ومكتب الخدمات الذي أسس عام 1984 لخدمة المجندين الجدد وتسلم التبرعات من المحسنين المسلمين. وقد أرسلت كافة التبرعات من مختلف المنظمات الخيرية السعودية إلى أفغانستان عن طريق المكتب، وبعد عقد من الزمن ظهر المكتب كمركز لشبكة من المنظمات المتطرفة ساعدت على تفجير مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة وسفارات الولايات المتحدة في أفريقيا عام 1998.  

وكان بن لادن لأب من بين الأثرياء السعوديين الذين قدموا الدعم المالي للمجاهدين الأفغان، ولذا فعندما قرر أسامة الانضمام إليهم، استجابت أسرته بحماس.  

وسافر أسامة أولا إلى بيشاور عام 1980 والتقى قادة المجاهدين وكان دائما يذهب للسعودية ويعود بتبرعات مالية كبيرة إلى أن قرر عام 1982 الاستقرار في بيشاور، وأحضر معه مهندسين ومعدات إنشائية ثقيلة من شركته للمساعدة في بناء الطرق والمهاجع للمجاهدين، وفي عام 1986 ساعد في بناء مجمع نفق خوست الذي كانت الـ CIA تموله كمخزن رئيسي للأسلحة وموقع للتدريب ومركز طبي للمجاهدين الأفغان، وكان النفق تحت الجبال وقريباً من الحدود مع باكستان.  

في وقت لاحق، ادعى بن لادن أنه اشترك في كمائن ضد الجيش السوفياتي ولكنه على الأغلب استخدم ثروته والتبرعات السعودية لبناء مشاريع للمجاهدين ونشر الوهابية بين الأفغان.  

منظمة القاعدة  

بعد مقتل عزام عام 1989، تسلم بن لادن زمام الأمور في منظمة عزام وأنشأ منظمة "القاعدة". وقد بدأت فكرة "القاعدة" في البداية بشكل بسيط هدف من خلالها بن لادن ترتيب أوضاع المجاهدين الأفغان العرب خاصة وأنه لم يكن لديه أي سجلات أو أي توثيق بأعدادهم وأسمائهم وأسماء القتلى والجرحى والمفقودين. 

ويقول المقربون من بن لادن إن نقص هذه المعلومات سبب حرجا لأسامة في أحايين كثيرة مع بعض العوائل التي تسأل عن أبنائها للتعرف على مصيرهم، وأن بن لادن "أحس أن نقص هذه المعلومات أمر مخجل فضلا عن أنه خطأ إداري مبدئي". من هنا قرر أسامة ترتيب سجلات للأخوة المجاهدين العرب".  

ووسعت فكرة السجلات لتشمل تفاصيل كاملة عن كل من وصل أفغانستان بترتيب مع جماعة الشيخ عبدالله عزام. ورتبت السجلات بحيث تتضمن تاريخ وصول الشخص والتحاقه ببيت الأنصار ثم تفاصيل التحاقه بمعسكرات التدريب ومن ثم التحاقه بالجبهة. وأصبحت السجلات مثل الإدارة المستقلة وكان لا بد من إطلاق اسم عليها لتعريفها داخليا، واتفق بن لادن مع معاونيه على تسميتها لاحقا "سجل القاعدة"، على أساس أن القاعدة تتضمن كل التركيبة المؤلفة من بيت الأنصار ومعسكرات التدريب والجبهات. 

وبمساعدة بن لادن تمكن آلاف من الميليشيا العرب بإنشاء قواعد لهم في مقاطعات كونار ونورستان وباداخستان، ولكن ممارساتهم الوهابية، جعلت غالبية الأفغان يمقتونهم.  

بن لادن منزعج من تدخل واشنطن في الخليج  

بحلول عام 1990، أصاب بن لادن الإحباط بسبب النزاع الداخلي بين "المجاهدين" مما حدا به للعودة إلى السعودية لينخرط في أعمال عائلته، فقام بإنشاء منظمة للإنعاش الاجتماعي للمحاربين العرب الأفغان الذين استقر حوالي 4000 منهم في مكة والمدينة، وقام بن لادن بتقديم الأموال لعائلات من قتل من المجاهدين هؤلاء.  

وبدأ بن لادن أثناء فترة وجوده في السعودية التخطيط لجبهة ضد اليمن الجنوبي بحركة تنطلق من السعودية واليمن الشمالي. وهو ما أثار حفيظة الحكومة السعودية في حينه وبدأت بالشعور أن الرجل استأنس مسألة الجهاد، وبدأ يشكل خطرا على وضع السعودية وعلاقاتها، فوضع تحت مراقبة شديدة كما منع من السفر.  

وبعد غزو العراق للكويت قام بن لادن بالضغط على العائلة المالكة لتنظيم دفاع شعبي عن المملكة.  

وجمع قوة من المحاربين الأفغان لمقاتلة العراقيين، ولكن بدلا من ذلك قام الملك فهد باستدعاء الأميركيين وكان ذلك بمثابة صدمة كبيرة لـ بن لادن، فعندما بدأت طلائع القوات الأميركية (وصلت إلى 540000 جندي) بالوصول، انتقد بن لادن العائلة الحاكمة جهارا، ودعا العلماء لإصدار فتاوى ضد استخدام الأجانب قواعد لهم في البلاد. 

ويتحدث بن لادن واصفا لحظة سماعه خبر قرار استدعاء القوات الأميركية بأنها أكبر صدمة في حياته، لأنها بتقديره المرة الأولى منذ البعثة النبوية التي يهيمن فيها الكفار على جزيرة العرب بقواتهم العسكرية. وصدم كذلك لأن القوات الأميركية لم تدخل باحتلال أو رغم أنف الحكام بل دخلت بطلب منهم بعد أن هرعوا مستنجدين بالأميركيين. 

وأدت انتقادات بن لادن للحكومة السعودية إلى تشديد القيود عليه ووضعه في شبه إقامة جبرية، ما اضطره إلى الهرب متخفيا إلى السودان. 

بن لادن في السودان 

غادر بن لادن السعودية نهاية عام 1991 إلى السودان، على متن طائرة خاصة وفي رحلة نظمت بسرية كاملة للاشتراك في الثورة السودانية بقيادة الشيخ حسن الترابي.  

عندها تمكن بن لادن بفضل ثروته من جمع المقاتلين القدامى من العرب الأفغان الذين ساءهم الانتصار الأميركي على العراق وموقف البلدان العربية التي تحالفت مع الولايات المتحدة ضد العراق.  

وظن بن لادن أنه يستطيع في مقابل سماح السلطات السودانية له بتأسيس مشروعه الجهادي الجديد تقديم مساعدات للسودان من خلال ثروته وقدراته التجارية والإنشائية وعلاقاته في السعودية والخليج.  

وتمكن بن لادن من نقل جزء من أرصدته ومعداته من السعودية إلى السودان.  

وساهم أسامة في مشاريع طرق وإنشاءات ومزارع وغيرها وكان أشهرها طريق التحدي الذي يربط الخرطوم ببور سودان.  

وقد واظب بن لادن على انتقاد الحكومة والعائلة المالكة في السعودية إلى أن جرد وفي خطوة غير مسبوقة من جنسيته السعودية أوائل عام 1994، وقد أصدر بن لادن في حينها أول بيان بتوقيعه ينتقد فيه بشدة الحكومة السعودية.  

وردا على الحملة التي شنت عليه أسس بن لادن أثناء إقامته في السودان هيئة سماها "هيئة النصيحة والإصلاح". واظبت على نشر بيانات معارضة للسعودية. وافتتح لها مكتبا في لندن عين له خالد الفواز مسؤولا.  

خلال إقامته في السودان وقعت أحداث الصومال وانفجار الرياض، ورغم نفي أسامة بن لادن لعلاقته بهذه التطورات إلا أن كل المؤشرات كانت تدلل على وجود علاقة ما بينه وبين منفذي هذه العمليات سواء في الصومال ضد القوات الأميركية، خاصة أن هذه العمليات نفذتها مجموعة من "الأفغان العرب"، أو انفجار الرياض. 

بعد هذه الأحداث بدأت الحكومة السودانية تتعرض لضغوط عربية ودولية لإخراج أسامة بن لادن أو تسليمه. 

ورغم أن الحكومة السودانية لم تطلب منه مغادرة البلاد مباشرة إلا انه فهم أن السلطات السودانية لم تعد ترغب في بقائه مما دفعه إلى التفكير بالمغادرة. 

العودة إلى أفغانستان  

في هذه الأثناء بدأ بن لادن الإعداد لمغادرة السودان والعودة الى أفغانستان مرة أخرى، فاتصل برفاقه القدامى الجدد الشيخ يونس خالص والشيخ جلال الدين حقاني الذين كان لهما نفوذ قوي في منطقة جلال آباد وكان ذلك قبل أن يمتد نفوذ طالبان خارج قندهار حين كانت مناطق أفغانستان موزعة بين الفصائل الأفغانية.  

وفي أيار / مايو عام 1996 عاد بن لادن إلى أفغانستان حيث وصل إلى مدينة جلال آباد على متن طائرة مستأجرة وفي عملية سرية للغاية أيضا، مع بضع عشرات من الميليشيا العرب وحراسه وأعضاء عائلته بمن فيهم ثلاث نساء، حيث بقيت زوجته الرابعة في السعودية، وثلاثة عشر من الأطفال.  

وهناك عاش تحت حماية مجلس شورى جلال آباد إلى أن استطاعت حركة طالبان احتلال كابول في أيلول / سبتمبر عام 1996م.  

ومنذ أن وصل إلى جلال آباد بدأت الأحداث تتتابع مرة أخرى بشكل دراماتيكي من انفجار الخبر إلى استيلاء الطالبان على جلال آباد إلى محاولة خطفه لأسامة إلى بيان الجهاد ضد الأميركيين الذي أصدره في تشرين الثاني/نوفمبر 1996.  

في حزيران/يونيو من عام 1996 هز مدينة الخبر انفجار كبير أودى بحياة عشرين من العسكريين الأميركيين وجرح مئات آخرون.  

لم يعلن أسامة أي مسؤولية له عن انفجار الخبر لكنه استخدم أسلوبا شبيها بتعليقه على انفجار الرياض وانفجارات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من الشهر الجاري فهو يؤيد الانفجار دون أن يتبناه.  

في آب / أغسطس 1996 قام بن لادن بإصدار "إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب". وصدر البيان هذه المرة باسمه الشخصي. 

جاء البيان في اثنتي عشرة صفحة، معتبرا "وضع الجزيرة العربية بوجود القوات الكافرة فيه أنه وضع لم يمر على الجزيرة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم". وزع البيان بالفاكس وعلى شكل كتيب كما حظي باهتمام من قبل بعض الصحف ووكالات الأنباء.  

في عام 1997 انتقل أسامة بن لادن إلى قندهار في أفغانستان بعد أن أرسى عرى صداقته مع الملا محمد عمر فأصبح تحت حماية طالبان.  

منذ ذلك الحين أنشأت الـ CIA خليه خاصة لمراقبة نشاطات بن لادن وصلاته مع الميليشيات الإسلامية الأخرى، وأشار تقرير لوزارة الخارجية الأميركية في آب / أغسطس عام 1996 إلى أن بن لادن "كان أكبر ممول للأنشطة الإسلامية المتطرفة في العالم".  

وذكر التقرير أن بن لادن كان يمول الجماعات الإرهابية في الصومال ومصر والسودان واليمن وأفغانستان.  

وفي نيسان / أبريل 1996 قام الرئيس كلينتون بالتوقيع على قانون لمكافحة الإرهاب يسمح للولايات المتحدة بمصادرة أموال المنظمات الإرهابية، وقد استخدم القانون لأول مرة في منع بن لادن من الاستفادة من ثروته المقدرة بـ 250 – 300 مليون دولار. 

وفي هذا السياق، تدعي وسائل الإعلام الغربية أن تجارة الأفيون هي أكبر مصادر تمويل بن لادن، فقد نشرت صحيفة "سكوتسمان" في العشرين من أيلول/ سبتمبر مقالا حللت فيه مصادر الثروة الخاصة به.  

وكتبت الصحيفة أن بن لادن يحصل على المال من عدة مصادر بينها تجارة الأفيون المنتشرة في أفغانستان .  

وحسب المقال، يجني بن لادن نسبة 10% من مبيعات الأفيون الأفغاني وتقدر هذه الثروة بحوالي 8 مليارات دولار، أي أن الرجل وحسب الصحيفة، يحصل على أرباح بقيمة 800 مليون دولار بالسنة فقط من تجارة الأفيون. وتضيف الصحيفة أن حركة طالبان تقوم بتحويل هذه الحصة لـ بن لادن نظرا لقيامه بالمساعدة في تسويق الأفيون في الخارج.  

بعد تجميد أمواله بعدة شهور أعلنت المخابرات المصرية أن بن لادن كان يدرب 1000 رجل من الميليشيا هم عبارة عن جيل ثان من الأفغان العرب وذلك للإطاحة بالأنظمة العربية.  

الـ CIA تحاول خطفه  

في مطلع عام 1997 شكلت الـ CIA مجموعة وصلت إلى بيشاور لخطف بن لادن من أفغانستان، ولكن العملية أجهضت.  

أقتنع بن لادن بعد العملية بضرورة الاستقرار في قندهار كملاذ آمن. 

حرب عالمية على "الكفر"  

وفي 23 شباط / فبراير عام 1998 أصدرت الجماعات المشاركة في تنظيم القاعدة في اجتماع لها في معسكر خوست فتوى مفادها "إن قتل الأميركيين وحلفائهم سواء كانوا مدنيين أم عسكريين هو واجب على كل فرد مسلم يستطيع القيام به في أي بلد". 

زاعمين أنها تحتل شبه الجزيرة العربية منذ سبع سنوات وتسلب خيراتها وتأمر حكامها وتذل شعوبها وتخيف جيرانها وتحول قواعدها في شبة الجزيرة إلى رؤوس حراب لمحاربة الشعوب الإسلامية المجاورة.  

أصدر الاجتماع ووقع البيان مع بن لادن عن جماعة الجهاد المصرية الدكتور أيمن الظواهري ورفاعي طه أحد مسؤولي الجماعة الإسلامية المصرية كما وقعه رئيس أحد الفصائل الكشميرية وأحد القيادات الباكستانية المشهورة. وزع البيان ونشرته الصحافة. 

ويعتبر مقربون من بن لادن أن الإعلان كان بمثابة "علامة تحول كبيرة بالنسبة لأسامة من عدة نواح.  

أولاً: مثل هذا البيان القفز إلى مشروع عالمي بدلا من التركيز على قضية القوات الأميركية في جزيرة العرب.  

ثانياً: مثل هذا البيان ما اعتبره البعض تخليا عن الحذر الذي كان يحرص عليه أسامة في الموقف الشرعي والإصرار على توسيع دائرة إباحة الدم.  

ثالثاً: دخول أسامة لأول مرة كطرف في ما يشبه تحالف إسلامي من الجماعات الجهادية بعد أن كان يعمل مع مجموعته ويرفض التحالفات المعلنة مع إقراره لفكرة التعاون والتنسيق دون حلف معلن".  

في آب/أغسطس 1998 تم تفجير سفاراتي الولايات المتحدة في كل من كينيا وتنزانيا وقتل فيها 220 شخصاً، وبعدها تحول أسامة بن لادن إلى أسطورة في العالم الإسلامي والغرب.  

بعد 13 يوماً من التفجيرات، قامت الولايات المتحدة برد انتقامي بإطلاق 70 صاروخ كروز على معسكرات بن لادن في خوست وجلال آباد، وقد دمرت بعض المعسكرات وقتل سبعة أشخاص خارجها منهم ثلاثة يمنيين ومصريان وسعودي واحد وتركي واحد، كذلك قتل 7 باكستانيون وجرح 20 أفغانيا.  

وفي تشرين الثاني / نوفمبر عام 1998 عرضت الولايات المتحدة مبلغ 5 ملايين دولار كجائزة لمن يلقي القبض على بن لادن، رفعتها الى 25 مليون دولار بعد التفجيرات والهجمات على مركز التجارة العالمي ومقر البنتاغون في الحادي عشر من الشهر الجاري، ومما أثار حفيظة الأميركيين أن بن لادن ادعى أن من واجبه كمسلم الحصول على أسلحة كيماوية ونووية لاستخدامها ضد الولايات المتحدة.  

بعد التفجيرات في أفريقيا، شنت الولايات المتحدة حملة عالمية بكل معنى الكلمة، فقد تم اعتقال أكثر من 80 من الإسلاميين في أكثر من عشرة بلدان مختلفة.  

وفي كانون الأول / ديسمبر عام 1998 أوقفت الهند مسلحين من بنغلاديش متهمين بمؤامرة لتفجير القنصلية الأميركية في كالكوتا بالهند، واعتقل سبعة مواطنين أفغان كانوا يستخدمون جوازات سفر إيطالية مزورة في ماليزيا ووجهت لهم تهم بمحاولة البدء بحملة تفجيرية.  

ووفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالية، فإن المسلحين في اليمن الذين اختطفوا 16 سائحاً غربياً في كانون الأول / ديسمبر 1998 كانوا يتلقون تمويلا من بن لادن، وفي شباط/فبراير من عام 1999 قالت السلطات البنغالية إن بن لادن أرسل مليون دولار إلى حركة الجهاد في داكا ببنغلادش كان أعضاء منها تدربوا وحاربوا في أفغانستان، وقال زعماء حركة الجهاد إنهم أرادوا تحويل بنغلادش إلى دولة إسلامية على نمط طالبان.  

كذلك اعتقل العديد من المسلحين في نواكشوط عاصمة موريتانيا كانوا أيضاً قد تدربوا على يدي بن لادن في أفغانستان وكانوا متهمين بالتخطيط لمؤامرة تفجيرات، في غضون ذلك، وأثناء محاكمة 107 من أعضاء حركة الجهاد من قبل محكمة عسكرية في القاهرة أدلى ضباط مخابرات مصريون بشهادات بأن بن لادن كان الممول لحركة الجهاد، وفي شباط/فبراير عام 1999 زعمت الـ CIA أنها من خلال مراقبة شبكة الاتصالات التابعة لـ بن لادن بواسطة الأقمار الصناعية، حالوا دون قيام مؤيديه بشن سبع هجمات بالقنابل ضد المنشآت الأميركية في السعودية وألبانيا وأذربيجان وطاجسكتان وأوغندة وأوراغواي وساحل العاج… مؤكدين وصول المحاربين الأفغان إلى هناك.  

القتال في كشمير ضد الهند  

بتشجيع من الباكستان، اشتركت طالبان وبن لادن والعرب الأفغان في حزب حركة الأنصار الباكستاني للقتال في كشمير ضد القوات الهندية. وشعر المقاتلون الكشميريون بالإهانة من جراء تجنيد العرب الذي أدخلوا التعاليم الوهابية معهم إلى وادي كشمير. وأعلنت الولايات المتحدة "حركة الأنصار" منظمة إرهابية عام 1996 ولذلك غيرت اسمها إلى حركة المجاهدين، وكان كافة ضحايا الصواريخ الأميركية التي أطلقت على خوست من الباكستانيين الأنصار، وفي عام 1999 قالت حركة الأنصار إنها ستفرض الزي الوهابي في وادي كشمير ومنعت لباس الجينز والجاكيتات. وقامت الحركة في 15 شباط / فبراير عام 1999 بقتل ثلاثة من العاملين الكشميريين لتشغيلهم محطة فضائية غربية.  

واجهت الحكومة الباكستانية مشكلة حينما حثت الحكومة الأميركية رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف بالمساعدة على اعتقال بن لادن، وبسبب علاقات بن لادن الوطيدة بالمخابرات الباكستانية ودعمه وتدريبه للمقاتلين الكشميريين الذين كانوا يستخدمون معسكرات خوست، فإن طلب واشنطن سبب مأزقاً لنواز شريف حينما زار واشنطن في كانون الأول/ديسمبر عام 1998.  

تجنب شريف القضية ولكن مسؤولين باكستانيين آخرين كانوا أكثر فظاظة حين ذكروا نظراءهم الأميركيين بأنهم ساعدوا على إيجاد بن لادن في الثمانينات وطالبان في التسعينات. أما بن لادن نفسه فأشار إلى الدعم المستمر من بعض عناصر الاستخبارات الباكستانية، في إحدى المقابلات معه، يقول أسامة بن لادن "بالنسبة لباكستان هناك بعض الدوائر الحكومية التي بفضل الله تستجيب لتوجيهات الناس الإسلامية في باكستان، وينعكس هذا في تعاطفهم وتعاونهم، ومن ناحية أخرى، فإن بعض الدوائر الحكومية الأخرى، وقعت في المصيدة ونرجو من الله أن يعيدهم إلى سواء السبيل".  

أسرار العلاقات الخفية  

شكل الدعم الذي تلقاه بن لادن من عناصر داخل المؤسسة الباكستانية تناقضا آخر في سياسة باكستان تجاه أفغانستان، كانت الولايات المتحدة الحليف الأقرب لباكستان ذات صلات عميقة بالقوات المسلحة والاستخبارات الباكستانية، ولكن كلا من طالبان وبن لادن كانا يقدمان تسهيلات تدريبية ومأوى للمقاتلين الكشميريين الذين تدعهم باكستان التي كانت حريصة على عدم توقف هذا الدعم، وعلى الرغم من أن الأميركيين حاولوا مراراً إقناع المخابرات الباكستانية بالتعاون معهم لتسليم بن لادن فإن المخابرات الباكستانية رفضت ذلك على الرغم من أنها ساعدت الولايات المتحدة في اعتقال عدد من أتباع بن لادن.  

وبدون مساعدة من باكستان، لم تكن الولايات المتحدة قادرة على شن حملة كوماندوز لاختطاف بن لادن أو حتى إنزال ضربات لأنها كانت بحاجة إلى أراض باكستانية لشن مثل هذه الغارات.  

وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة لم تجرؤ على كشف دعم باكستان لطالبان لأنها كانت تأمل بالتعاون مع المخابرات الباكستانية لإلقاء القبض على بن لادن.  

أما اللغز السعودي فكان أسوأ، ففي تموز/ يوليو عام 1998 زار الأمير تركي قندهار وبعدها بعدة أسابيع وصلت 400 شاحنة جديدة إلى قندهار تحمل لوحات دبي وقدم السعوديون كذلك مساعدات مالية لطالبان لقهر تحالف الشمال في خريف تلك السنة.  

وعلى الرغم من الضغط الأميركي لإنهاء مساعدة السعودية لطالبان، إلا أن السعوديين لزموا الصمت إزاء الحاجة لتسليم بن لادن.  

والحقيقة حول الصمت السعودي كانت معقدة بدرجة أكبر، فقد فضل السعوديون ترك بن لادن وحده في أفغانستان لأن اعتقاله ومحاكمته من قبل الأميركيين يمكن أن يكشف عن العلاقات الوثيقة لـ بن لادن مع أعضاء في العائلة المالكة السعودية وخاصة المخابرات السعودية والذي من شأنه أن يشكل إحراجاً كبيراً لهم.  

أصبح لـ بن لادن تأثير قوي على طالبان كما كان عليه الحال دوماً، وكانت علاقات طالبان مع العرب الأفغان غير موجودة قبل احتلال طالبان لكابول عام 1996، واشتركت باكستان في تقديم بن لادن لزعماء طالبان في قندهار لأنها كانت تريد الاحتفاظ بمعسكرات خوست للتدريب من أجل المقاتلين الكشميريين.  

الحياة مع طالبان في قندهار  

نقلت طالبان بن لان إلى قندهار عام 1997 وذلك من أجل سلامته وللسيطرة عليه أيضاً، وفي البداية عاش بن لادن كضيف يدفع ثمن إقامة، وبنى منزلاً لعائلة الملا محمد عمر وقام بتمويل عدد من زعماء طالبان، ووعد كذلك بتعبيد الطريق من مطار قندهار إلى المدينة وبناء المساجد والمدارس والسدود ولكن مشاريعه لم تبدأ أبداً بسبب تجميد أمواله وفي الوقت الذي كان بن لادن يعيش مع عائلته في قندهار- ومع خدمة وزملائه المسلحين، فإن التصرفات الرعناء من العرب الأفغان وعدم قيام بن لادن بتنفيذ مشاريعه التي وعد بها، أثارت حفيظة السكان المحليين.  

ونظر هؤلاء إلى أن قادة طالبان هم المستفيدون الوحيدون من بن لادن وليس الشعب.  

تقرب بن لادن أكثر من طالبان حينما أرسل المئات من الأفغان العرب للقتال إلى جانب طالبان ضد تحالف الشمال الأفغاني في عامي 1997 و 1998 وساعد هؤلاء الوهابيون طالبان على ارتكاب مجازر ضد العداء للولايات المتحدة أو الغرب قبل مجيء بن لادن وكان كل ما يطلبه قادة طالبان هو الاعتراف بحكومتهم، لكن طالبان أصبحت أكثر عداء للولايات المتحدة بعد تفجيرات كينيا وتانزانيا وكذلك ضد الأمم المتحدة والسعودية والحكام المسلمين في جميع أنحاء العالم، أصبحت بياناتهم تعكس الخطاب الذي تبناه بن لادن والذي لم يكن من صفات طالبان من ذي قبل ازداد الضغط الأميركي على طالبان لطرد بن لادن ولكن طالبان ذكروا أنه ضيف وإن طرده يتناقض مع التقاليد الأفغانية بطرد الضيوف، وعندما بدا أن واشنطن كانت تخطط لحملة أخرى لضرب بن لادن، حاولت طالبان عقد صفقة مع الولايات المتحدة تتمثل باعتراف الولايات المتحدة بطالبان لذا فإنه حتى شتاء عام 1998 كانت طالبان ترى في بن لادن أداه للمقايضة مع الولايات المتحدة.  

افتتحت الولايات المتحدة خطا هاتفياً عن طريق الأقمار الصناعية للتحدث مع زعيم طالبان الملا محمد عمر، وقد استخدم المترجمون الباشتون للمساعدة على المحادثات الهاتفية المطولة بين الطرفين ولكن دون جدوى.  

وفي مطلع عام 1999 بدأ لطالبان أن بن لادن أصبح يشكل مسؤولية عليها، وقد حددت الولايات المتحدة شباط / فبراير 1999م كموعد نهائي لطالبان: إما أن تسلم بن لادن أو تواجه العواقب بما حمل طالبان على جعل بن لادن يختفي من قندهار وقد أعطى هذا الإجراء لطالبان بعض المتنفس من الوقت ولكن القضية لا تزال بعيدة عن الحل.  

عام 1982 قرر أسامة اجتياز الحدود والدخول إلى أفغانستان والمشاركة في الجهاد. رأى أسامة الطبيعة الجبلية الصعبة لأفغانستان فقرر الاستفادة من تجربته في المقاولات وجلب عددا هائلا من المعدات والجرارات والحفارات لمساعدة المجاهدين على تمهيد الجبال و شق الطرق وأنشأ المعسكرات. وتكررت زيارة أسامة إلى أفغانستان وإشرافه على نقل الأموال والسلاح والمعدات ومساهمته بعض الأحيان في بعض المعارك لكن بشكل غير منتظم. وكان بعض أهل الجزيرة قد تأثروا بزيارات أسامة وبدأوا يتقاطرون على أفغانستان لكن بأعداد قليلة حيث لم تتحول القضية بعد إلى حملة شعبية وتنتظم في مؤسسات ومكاتب ومعسكرات.  

في عام 1984 ظهر أول نموذج لعمل مؤسسي لجهاد العرب في أفغانستان وهو بيت الأنصار في بيشاور. أسس بيت الأنصار كمحطة نزل أولي أو استقبال مؤقت للقادمين للجهاد قبل توجههم للتدريب ومن ثم للمساهمة في الجهاد. ورغم تأسيس بيت الأنصار فلم يكن عند أسامة جهازه الخاص أو بنية تحتية من معسكرات ومخازن وإمداد واتصال، ولم تكن له جبهة خاصة به، بل كان يرسل الشباب القادمين إلى أحد الأحزاب المقاتلة مثل حكمتيار وسياف أو رباني. 

بعد انفجارات نيويورك وواشنطن عزز بن لادن الأسطورة وتحول إلى بطل في عيون المتطرفين وزعيم الشر في عيون العالم الغربي. 

الأسطورة مستمرة  

في كانون الأول/ديسمبر كشفت السلطات الأردنية عن شبكة تخريب مكونة من 28 أصوليا وقدمتهم إلى المحكمة بتهمة الانتماء إلى تنظيم "القاعدة" بزعامة بن لادن، واتهمتهم بالتخطيط لضرب مصالح أميركية وإسرائيلية في الأردن. 

مطلع العام 2000 قامت قوات الأمن اللبناني بمهاجمة أصوليين مسلمين من الطائفة السنية، تحصنوا في جرود الضنية (شمال – شرق) ويتزعمهم الملقب بـ"ابن عائشة" الذي عاش فترة في أفغانستان، وقالت السلطات اللبنانية في حينها إن الجماعة وزعيمها ينتميان إلى بن لادن وأسفرت المواجهة عن مقتل 45 شخصا من بينهم "ابن عائشة" وأحد عشر عسكريا.  

وكانت الجماعة قد بدأت نشاطها في لبنان أواخر العام 1999. 

في تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 تم تفجير المدمرة الأميركية "كول" في ميناء عدن جنوب اليمن، ما أوقع 17 قتيلا في صفوف "المارينز"، واتهمت واشنطن جماعة أسامة بن لادن على الفور، رغم أن فريقا من المحققين الأميركيين ما زالوا يواصلون تحرياتهم في اليمن حتى اللحظة. 

وفي حزيران /يونيو 2001 اتخذت الولايات المتحدة إجراءات أمنية مكثفة بعد تهديدات أطلقها أحد مساعدي بن لادن بتوجيه ضربة مؤلمة لمصالحها. 

وتوقعت الولايات المتحدة أن يقوم بن لادن بإحياء الذكرى الخامسة لاعتداء الظهران الذي وقع في 25 حزيران /يونيو 1996 بطريقته الخاصة. 

وقد اتخذت هذه الإجراءات بعد 24 ساعة على توجيه الاتهام في الولايات المتحدة إلى 13 سعوديا ولبناني بتهمة التورط في اعتداء الظهران الذي أوقع 19 قتيلا و372 جريحا في صفوف القوات الأميركية المتمركزة في السعودية.  

في تموز/يوليو عام 2001 قالت الصحف الكويتية نقلا عن مصادر أمنية إن الكويت ترصد مجموعة من المتدينين الكويتيين يعملون على تشكيل جبهة معارضة مقرها في أفغانستان، وأشارت بعض الصحف علانية إلى ارتباط المجموعة بتنظيم "القاعدة" الذي يشرف عليه أسامة بن لادن. 

في أيار/ مايو 2001 قال تقرير لوزارة الخارجية الأميركية إن الأعمال الإرهابية خلال العام 2000 ازدادت بنسبة 8% مقارنة بالعام 1999 حيث وقع في العام 2000، 423 عملا إرهابيا "مقابل 392 عام 99" كما ازداد عدد ضحايا الأعمال الإرهابية حيث قتل 405 وجرح 791، مقارنة بالعام الذي سبقه "233 قتيلا و706 جرحى".  

وقال إن الأعمال الإرهابية ضد الولايات المتحدة ازدادت أيضا من 169 عملا إرهابيا ضدها خلال 99 إلى 200 خلال عام 2000.  

وكان تنظيم "القاعدة" من بين أبرز المنظمات الإرهابية المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط التي ذكرها التقرير. 

هذه بعض وليس كل ما عند بن لادن، او ما اتهم بتدبيره. 

بعد تسلم حركة طالبان الحكم قال زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الامن القومي الاميركي السابق "ما هو الاكثر أهمية بالنسبة للتاريخ العالمي؟ طالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفياتية؟ صعود بعض المتطرفين الإسلاميين أم تحرير وسط أوروبا ونهاية الحرب الباردة".  

اليوم فقط وبعد 11 أيلول/سبتمبر، تكتشف واشنطن ما هو الحدث الأكثر أهمية، وأي مارد أطلقته من القمقم.—(البوابة)