تشكو معظم دور النشر العربية من تراجع ملحوظ في سوق الكتاب العربي، بحيث تناقص عدد النسخ المطبوعة من 3000 إلى 1500 إلى 1000 إلى 500نسخة لحوالي 250 مليون عربي.
ما هي أسباب هذه الأزمة.. ؟
ما هي الكتب الأقل توزيعاً،والأكثر توزيعاً؟
وهل هناك من حلول ؟
توجهت "البوابة" بأسئلتها إلى عدد من مسؤولي دور النشر العربية، فكانت هذه الأجوبة:
فتحي البس/دار الشروق: مكمن الأزمة في انهيار مشاريعنا الفكرية
يعاني الناشرون العرب من تراجع خطير في توزيع الكتاب العربي، تفاقم منذ حرب الخليج الثانية وخروج العراق من السوق، إضافة إلى الجزائر، والسودان بسبب الحرب الأهلية فيها، واشتداد الأزمة الاقتصادية في معظم الدول العربية من المغرب إلى اليمن، الأمر الذي جعل المواطن العربي يعطي الأولوية لتأمين لقمة العيش والبحث عن المعرفة أو المتعة التي كان يحصل عليها من الكتاب في وسائل إعلامية منافسة ومهمة ورخيصة بالنسبة له، كالتلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات اليومية، ولعل الانتشار السريع للمحطات الفضائية وتنافسها الشديد لتقديم الممتع والمفيد أدى إلى تراجع توزيع الكتاب، ويتحدث المثقفون الآن عن أن عددا كبيرا بدأ ينحاز للإنترنت، هذا العالم الجديد سريع التطور والنمو وهو المنافس الحقيقي.
ورغم كل ما ذكرته أعلاه، فأنني أرى أن الأزمة الحقيقية التي أدت إلى تراجع شديد في توزيع الكتاب والى العزوف عن القراءة هي هزيمة المشاريع الفكرية الكبرى التي كانت تدفع المنخرطين في العمل الفكري السياسي والثقافي والحزبي والاجتماعي للقراءة لزيادة المعرفة والتسلح للمواجهة والجدل والدفاع عن وجهات النظر واثبات المشروعية، فنظرة سريعة إلى واقع الحال تكشف عن الإحباط الذي يعيشه المواطنون العرب وحالة انعدام الوزن والتشويش التي تسيطر عليهم، ومدى تأثير ذلك على الرغبة في القراءة والمعرفة والبحث أو التأليف.
بالتأكيد لا بد من الإشارة إلى المشاكل التقليدية التي تعاني منها صناعة النشر وخاصة القيود على حرية النشر التعبير والرقابة التقليدية التي تحول دون الانتقال العادي والطبيعي للكتاب بين الدول العربية الأمر الذي يؤدي إلى تقطيع أوصال السوق وتصغيره ليصبح محدودا بالرقعة الجغرافية الضيّقة التي يطبع الكتاب في عاصمتها.
ومن بين المشاكل الكبرى الأخرى، الاعتداء المستمر على حقوق التأليف والنشر والتعاون العابر للحدود بين مافيات التزوير، والتي لا تتدخل لمنعهم السلطات بحجة أنها معنية فقط بجانب الإجازة أو المنع الأمني لمحتويات الكتاب، ويختار هؤلاء القراصنة الكتب الأكثر مبيعا من كل دور النشر العربية ويتاجرون بها بشكل فاجر يدّعي الحرص على توفير الكتاب بسعر رخيص بينما هم يدمرون صناعة النشر ويسرقون حقوق المؤلفين.
ولا بد من الإشارة إلى أن النظام التعليمي في كل مراحل الدراسة في الدول العربية متخلف يعتمد التلقين ويدفع الطلاب للدراسة بواسطة كتب رديئة التأليف والإخراج أو دوسيات مشوهة، بحيث أصبح هم بعض المدرسين وخاصة في المستوى الجامعي أن يبيع إنتاجه الفردي لطلابه دعما لوضعه المادي.
كل ما ذكر، انعكس سلبا على صناعة النشر العربية، وجعل بعض الناشرين يلجأون إلى طباعة الكميات المحدودة التي تتناسب مع قدرتهم المحدودة على التوزيع والمنافسة ضمن الرقعة الجغرافية مقطعة الأوصال، بحيث بات الرقم 500 نسخة متداولا لدى كثير من دور النشر على أنه رقم مقبول للطبعة الأولى.
أما بالنسبة للكتب الأقل توزيعاً فهي باختصار شديد كتب الإبداع وبالأخص الشعر والقصة القصيرة، والنقد، وتحافظ الرواية الجيدة على حضور مقبول حتى الآن، رغم التراجع الكبير في عدد النسخ التي يتم توزيعها.
أما أكثر الكتب مبيعا أو توزيعا فهي الكتب المتعلقة بالعقيدة وتلك التي تعالج القضايا السياسية الساخنة والتحولات الكبرى في مجالات العولمة والمعلوماتية وتكنولوجيا المستقبل.
وبالطبع فإن الكتب الخفيفة ككتب الطبخ والأبراج والتسلية تحظى بنسبة مقبولة للتوزيع.
ما هو الحل لأزمة الكتاب؟
لا توجد حلول سحرية وإنما لا بد من البحث عن حلول استراتيجية، ولكنها ستظل متعثرة إذا لم يحصل المواطن العربي على حقوقه الأساسية بالعيش الكريم وحقه في التعبير والاختلاف بالرأي والحصول على المعلومة من مصادرها دون تدخل السلطات، وحقه في نشر أفكاره دون معوقات، وباختصار لا ازدهار لصناعة النشر وحركة التأليف بدون أن تسود الديمقراطية والتعددية.
ومن بين الحلول الاستراتيجية، النشر المشترك وإنشاء شركات توزيع عابرة للحدود المحلية تحسن المواجهة مع الرقابات المختلفة، ومع المزورين والمعتدين على حقوق الملكية، وتقنع الطفيليين الذين يعيشون على هامش هذه الصناعة أن لا مكان لهم في هذا العالم سريع التغير والذي تشكل المعلومة والمعرفة أساسه.
ماهر الكيالي /المؤسسة العربية: أزمة اقتصاد وأزمة رقابة
أسباب الأزمة منها اقتصادي مثل تدني مستويات الدخل وحالة تدهور أسعار صرف العملات العربية المحلية قياساً بالدولار إلى جانب الركود الاقتصادي العام. كذلك يلعب وجود العوائق في النقل وارتفاع سعر الكتاب دوراً في الأزمة. وهنا ندور في حلقة خبيثة بين ارتفاع السعر وتدني الكمية المطبوعة، ومنها أيضاً ما هو ثقافي وله علاقة بالبنية الفكرية للمجتمع وعدم دخول الكتاب في صلب الاهتمام الحياتي للمواطن. إضافة إلى بعض العوامل مثل تشدد الرقابة أحياناً.
الكتب الأقل توزيعاً هي كتب الشعر والإبداع عموماً أما الأكثر توزيعاً فهو الكتاب السياسي والفكري لا سيما إذا كان يعالج موضوعاً ساخناً.
الحلول تكمن في تشجيع الكتاب بكل الوسائل الممكنة سواء عن طريق رفع الحواجز الرقابية وإعطاء التسهيلات للناشرين كي ينهضوا بصناعة الكتاب ونشره وتوزيعه.
الياس فركوح/أزمنة للنشر: الإحباط العام مصدر الأزمة
هناك عدة أسباب متشابكة ومتلازمة ذات علاقة ببنية المجتمع العربي في العقد الأخير في القرن الماضي تحديدا، إذ تراجعت جملة الاهتمامات الجدلية فيما يتعلق بالثقافة على وجه الخصوص من حياة الإنسان العربي وذلك لسببين :
الأول: وهو حالة الإحباط العام التي نتجت عن حرب الخليج الثانية وتداعياتها والسبب الثاني: ضمور القدرة الشرائية لدى المواطن العربي.
بحيث باتت الأولويات في حياته تجبره على وضع الكتاب ضمن الدرجات السفلى من هذه الأولويات.
ناهيك عن تخلف المناهج التربوية والتعليمية التي أدت إلى نفور الأجيال الجديدة من الكتاب بوجه عام.
بالنسبة للكتب الأكثر توزيعا فهي الكتب التي تتناول ما هو سهل ولا يحتاج الى إمعان وتفكير من حيث التوصيف الخارجي للموضوع.
وإذا أردنا المحصل فأعتقد أن أكثر الكتب مبيعا هي ذات العلاقة بالغيبيات بغض النظر عن علمية التناول أو عدم علميته.
أما الحلول… فأعتقد أن حل مشكلة الكتاب يكمن في معالجة أسباب الأزمة التي يحيا بها الإنسان العربي والمجتمع العربي وهي بالتالي متعددة ومتشابكة في آن واحد وتشتمل على مناحي الحياة المختلفة.
خليل السواحري/ الكرمل:العلاج يبدأ من المدرسة
الأسباب تاريخية تعود جذورها إلى قرون من الجهل والتجهيل عاشها الوطن تحت الحكم العثماني، فالقراءة عندنا لم تكن عادة يمارسها الإنسان، وقد عجزت مناهج التعليم القاصرة في الوطن العربي عن تحويلها إلى عادة، كما عجز الواقع الاقتصادي المتردي وتفشي الأمية (تصل في بعض مناطق الوطن العربي إلى 70%) والعادات الحياتية الرديئة عن خلق قطاع مثقف يهتم بالكتاب ويقتنيه ويقرأه، العادات الاجتماعية كلها بدءاً من الأسرة وطرق المواصلات والمناهج التربوية تحالفت لتجعل القطاع القارئ ضيقا إلى حد الكارثة.
وعليه فان للأزمة جذوراً بعيدة تتجاوز الراهن الحضاري، التلفزيون والسينما والفيديو ومحطات التلفزة الفضائية والإنترنت وكل هذه العوامل المعاصرة أدت إلى تراجع الكتاب، أي الانتقال، عربياً، من السيئ إلى الأسوأ مقارنة بالشعوب القارئة.
إن أرقام طباعة الكتاب عندنا تصل في أحسن الحالات إلى عشرة آلاف نسخة، ولكنها في المعدل الطبيعي تتراوح ما بين 1000-3000 نسخة وهو رقم متواضع جداً إذا أخذنا في الاعتبار أن عدد سكان الوطن العربي يناهز الآن 250 مليون نسمة.
في الولايات المتحدة وأوروبا تصل عدد النسخ المطبوعة من الكتاب (الرواية مثلاً) إلى مليون نسخة وفي الحالات الدنيا لا تقل عن مائة ألف نسخة. وحين يتحول الكتاب إلى "الأكثر مبيعاً" تعاد طباعته ويوزع بملايين النسخ. ومع ذلك فإن ثمة تراجعا عالميا في عدد النسخ المطبوعة، وهناك دواوين من الشعر لا تصل كمية النسخ المطبوعة منها إلى 500 نسخة حتى في باريس ولندن.
الأقل توزيعاً عندنا هو الكتب الأدبية، الشعر والنقد والقصة، أما الرواية فهي الأكثر توزيعاً في الأنواع الأدبية.
بشكل عام فإن الأكثر توزيعاً الآن هو الكتب المنهجية وكتب المعالجات العلمية كالحاسوب وغيره، ويليها الكتب الدينية وكتب التراث وكتب السياسة وكتب الجاسوسية وأبراج الحظ وغير ذلك.
لا سبيل إلى حل هذه المشكلة إلا بانقلاب جذري في المناهج التدريسية، وانقلاب جذري في طقوس الحياة، وأنظمة المواصلات وأنظمة الحياة الاجتماعية وطرق المعيشة داخل البيت وخارجه، وما لم تتحول القراءة إلى عادة اجتماعية فسيظل الفرد رهن الفراغ والبرامج التلفزيونية والمحطات الفضائية وأخيراً شبكات الانترنت.
غازي السعدي /دار الجليل:العودة الى البيت والمدرسة
الأزمة التي يمر بها الكتاب، ونقصد توزيعه وحجم الإقبال عليه والقوة الشرائية للمواطن وتأثير ذلك على صناعة الكتاب أدت إلى تخفيض عدد العناوين السنوية التي تصدرها هذه الدور وبالتالي تدني كمية طباعة العنوان من ثلاثة آلاف إلى ألف إن لم يكن أقل، كما أدت إلى وضع دور النشر في أزمات متواصلة.
ولا بد لتفسير سبب الأزمة أن نأخذ بعين الاعتبار أن مواطننا العربي لم يثقف على القراءة من صغره على مقاعد الدراسة، على عكس الغرب حيث يلتهمون الكتب التهاما مع أن هذا الالتهام ـ وفقا للمصادر الصحفية العالمية ـ أخذ بالتراجع لأسباب لا نعرفها بالضبط.
أما عندنا، فإضافة إلى أن المواطن العربي ليس قارئاً بطبيعته، فهناك مجموعة من الأسباب سنحاول سردها فيما يلي: التلفاز، الفيديو، الستالايت، باتت تأخذ أوقاتا طويلة من المواطن على حساب وقت المطالعة والقراءة، كما أن الأوضاع الاقتصادية للمواطن لها تأثير على اقتنائه للكتاب، وهناك الإحباط السياسي الذي أصيب به مواطنونا، حتى أنهم يكادون لا يقرأون سوى عناوين الصحف لا أكثر.
وهناك قضايا أخرى تتعلق بتوزيع الكتاب على الصعيد العربي، فلا وجود لشركات توزيع محترمة، قادرة على إيصال الكتاب لجميع الأقطار العربية، كما أنه وللأسف، فإن لكل دولة رقابة على الكتاب خاص بها، من هنا نجد أن كتابا ما، مسموح إدخاله لدولة عربية وممنوع في دولة أخرى، كذلك فإن القدرة الشرائية للمواطن العربي ضعيفة، فالشعب العراقي مثلا يعتبر في طليعة الشعوب العربية القارئة، لكنه اليوم يحتاج إلى رغيف الخبز قبل الكتاب، ومثال آخر، هو الشعب السوداني الذي يعتبر من الشعوب القارئة، لكن انخفاض قيمة العملة المحلية لديهم، بالنسبة للدولار، يؤثر تأثيراً كبيرا على قدرة المواطن السوداني شراء الكتاب الذي يرغب به.
من جهة أخرى، فإن معظم الدول العربية تقيم معارض سنوية للكتاب، وهذه المعارض تكلف الناشر مصاريف كثيرة، تفوق ما يجنيه من عوائد، وإن سوق الكتاب حتى الإسلامي الذي كان رائجاً أخذ بالتراجع، أما الكتب الأكثر توزيعا، فهي الكتب الرخيصة التافهة، مثل الأبراج وتفسير الأحلام وعذاب القبور وما شابهها إضافة إلى الكتب الجنسية وكتب الطبخ.
إن الحلول المطلوبة، تبدأ من إلغاء الضريبة المفروضة على الورق لصناعة الكتاب، كما أن المطلوب من الوزارات والمؤسسات المعنية، شراء كمية معقولة من الإصدارات، وهناك أيضا حاجة لإقامة شركة توزيع للكتاب على صعيد العالم العربي، ورفع الرقابة عن الكتاب في عهد الستالايت والإنترنت--(البوابة)