أحزاب سياسية .. أين الحياة السياسية في سوريا؟

تاريخ النشر: 09 أغسطس 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق – نبيل الملحم 

ستة عشر حزباً سياسيا في سوريا.. سبعة منها تنضوي تحت لواء الجبهة الوطنية التقدمية، والباقي أحزاب خارج إطار الجبهة. 

والحساب الرقمي لهذه الأحزاب، يفترض به أن يعطي انطباعاً بأن الحياة السياسية في سوريا تتناسب طرداً مع هذا العدد من الأحزاب، ولكن الوقائع تشير إلى أن الحياة الحزبية هي غير ذلك، ونعني بأنها معطلة أو شبه معطلة، وما يجعل هذا الاستخلاص قابلاً للتصديق، مجموعة من التفاصيل والمؤشرات ، فالحياة الحزبية تعني البرامج السياسية ، والحوار السياسي والبحث عن الأنصار والشارع، كما تعني الصراع، بغض النظر عن آليات الصراع وأدواته ومناحيه ، ونضيف إلى ذلك البحث عن الشراكة في إدارة المجتمع والسلطة، وقد يكون التجلي الأهم للحياة الحزبية هو الحضور الحزبي في البرلمان باعتباره المساحة الأوسع لحوار البرامج الحزبية. 

عام 1970، كان عدد الأحزاب السورية خمسة أحزاب إضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وعام 2000 بلغ عدد الأحزاب 16 عشر حزباً هي: 

1 – حزبان شيوعيان في الجبهة الوطنية (خالد بكداش وامينته العامة وصال فرحة – ويوسف فيصل). 

2 – حزبان للاشتراكيين العرب في الجبهة الوطنية (عبد الغني قنوت وعبد العزيز عثمان) 

3 – حزبان للوحدويين الاشتراكيين (فايز إسماعيل واحمد الأسعد) 

4 – حزب الاتحاد الاشتراكي العربي (صفوان قدسي) 

5 – الحزب السوري القومي الاجتماعي (خارج الجبهة) 

6 – حزب الاتحاد العربي الاشتراكي (خارج الجبهة ) 

7 الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي (رياض الترك – خارج الجبهة) 

8 – حزب العمال الثوري (طارق أبو الحسن) 

9 – حزب البعث الديمقراطي (إبراهيم ماخوس – اصبح مجهولاً) 

10 حزب العمل الشيوعي - الرابطة (خارج الجبهة) 

11 حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي (جمال الأناسي – خارج الجبهة) 

12 – حركة الاشتراكيين العرب (عبد الغني عياش – خارج الجبهة) 

13 – الحزب العربي الناصري (خارج الجبهة) 

14 – الحزب الوطني الديمقراطي (كريم الشيباني – خارج الجبهة) 

15 – حزب الإخوان المسلمين (خارج الجبهة) 

16 – حزب البعث العربي الاشتراكي وهو الحزب الحاكم الذي يقود الجبهة. 

هذه الأحزاب تنتمي إلى ثلاثة تيارات رئيسية .. التيار القومي ، والتيار الماركسي ، التيار الإسلامي، وإذا عدنا إلى سبعينات سوريا فان هذه التشكيلة من الأحزاب كانت تجمعها أحزاب رئيسية، ثم تفككت هذه الأحزاب عبر مجموعة من الإنشقاقات ابتدأت على مستوى الحركة الشيوعية بانشقاق رياض الترك عن خالد بكداش ليعلن تنظيم المكتب السياسي، ثم تلاه انشقاق يوسف فيصل عن مجموعة المنشقين الأولى، ليظهر بعدهما تنظيم رابطة العمل الشيوعي، أما عن الأحزاب القومية فمعظمها يأتي من مواقع التيار الناصري. 

ما هي فاعلية هذه الأحزاب .. وما هو تأثيرها في الحياة السياسية السورية، إذا استثنينا منها حزب البعث الحاكم؟ 

ربطت هذه القوى والأحزاب نفسها وبرامجها بالسلطة السياسية وذلك عبر منحيين:  

فأما الاندماج بالسلطة إلى مرحلة التماهي، واما القطيعة مع السلطة إلى درجة حمل السلاح ، وكلا التيارين لم يؤسس لفعل اجتماعي يمنحه مشروعيته من المجتمع، والمثال الذي يمكن أن يرد بخصوص التيار الاول، هو انتخابات مجلس الشعب، فممثلو الحزب الشيوعي السوري في مجلس الشعب يصعدون إلى مقاعد المجلس عبر لوائح الجبهة الوطنية التقدمية، لا عبر التصويت المباشر، وربما يدرك الحزب وقيادته أنه من الصعب على الحزب فوز ممثليه عبر الانتخابات المباشرة، وكذلك حال أحزاب الجبهة الأخرى، وهذا تعبير عن العزلة الاجتماعية التي يعيشها الحزب، وقد سبق له ولأحزاب أخرى من أحزاب الجبهة محاولة تسريب مرشحين لهم عبر لوائح حرة ليواجهوا فشلاً فاضحاً في الفوز بأية مقاعد من مقاعد مجلس الشعب. 

والتيار الآخر وهو تيار القطيعة ربما ليس أقل عزلة في المجتمع من أحزاب الجبهة، وربما ينطبق ذلك على مجموع هذه القوى والأحزاب، بما فيها الأخوان المسلمين أعرق هذه الأحزاب تاريخا، وأكثرها تأثيراً بحكم الأيديولوجيا الدينية من جهة، وبحكم الإسناد الخارجي من جهة أخرى، ومع ذلك فان أحداث الإخوان المسلمين التي شهدتها مدينة حماة في الثمانينات أكدت عزلة هذا التنظيم عن الحياة المدنية رغم ما سبب للحياة المدنية في سوريا من ويلات ومآس، وهذا ينطبق على بقية القوى السياسية السورية، الأمر الذي يطرح الكثير من الأسئلة: 

هل عنف السلطة السياسية هو السبب في تغييب الأحزاب والفعل الحزبي في سوريا؟ هل تركيبة هذه الأحزاب هي التي أدت إلى هذا المآل؟ 

لنقل أن أية سلطة سياسية، تعمل على امتلاك القوة، وبالتالي على إضعاف الآخر، فاللعبة الديمقراطية هي ناتج توازن قوى، وليست ناتج رغبة أو موقف أخلاقي ، ومادام الحل كذلك ، فان قانون الأواني المستطرقة فيزيائياً، هو القانون الذي ينطبق على هكذا معادلة ، فكلما أضعفت قوة ، قوي من يقابلها، ولنقل أن جزءاً كبيراً من ضعف هذه القوى والأحزاب يعود إلى فعلها الذاتي، فمعظم هذه الأحزاب استثنت تداول السلطة من برامجها، مبررة ذلك بالظروف الذاتية لها، ومعظم هذه الأحزاب استثنت المجتمع من حوارها واكتفت بأن تكون مشروع سلطة مجهضا، ومعظمها كناتج عما سبق أضاعت تداول السلطة، وأضاعت المجتمع، وقررت العزلة السياسية دون أن تتنازل عن يافطاتها كأحزاب، والمثال الأكثر وضوحاً هو ما أصاب هذه الأحزاب بعد رحيل الرئيس الأسد، فقد ذهبت جميع هذه الأحزاب نحو الاعتقاد بأن أزمة ستواجهها السلطة، وأن هذه الأزمة قد تقود إلى تفكيكها، ليس ذلك فحسب، بل كان من الممكن لمس توقعات حرب أهلية في سوريا اعتقدت قيادات هذه الأحزاب وقواعدها بأنها موشكة .. أحزاب الجبهة أصيبت بحيرة عميقة في البحث عن إجابة لسؤال يقول: أين ستكون مواقعها ، وأحزاب المعارضة راهنت على تغيير يقاد بالفوضى، ولم تبادر أحزاب الجبهة، أو الأحزاب الأخرى طرح أية برامج إزاء احتمال كان من الممكن أن يكون الاحتمال الأكثر قسوة على سوريا، حتى أننا لو حاولنا جمع مجموع البيانات الصادرة، لما عثرنا بينها على بيان واحد يمكن أن يسمى برنامجاً أو مشروع برنامج لإدارة البلاد فيما لو وقعت الواقعة، وتجاوزت السلطة هذا الرهان ونجحت به، ووقفت مجموع هذه الأحزاب لتعيد خطاب ألامس، مع أن السلطة الجديدة قدمت نفسها للحياة السياسية، باعتبارها حاملة لمرحلة الانفتاح والرأي والرأي الآخر، وكان من الممكن امتحان النفس أو امتحان السلطة، لكن المشهد بقي كما هو :  

رقم فلكي لأعداد الأحزاب، وواقع فلكي لانعدام فعلها، وما تبقى هو الرهان على تغيير يأتي من السلطة السياسية، سواء عبر تبدل يحدث في مصالح السلطة نفسها، أو عبر تبدل يمليه شرط الخارج المتغير.