ساقي الزجاجة، موزعها، منتجها، من الجنسين ذكر وأنثى، المدلك والمدلكة، بائعة الهوى، موظف «كباريه»، عارض الأزياء، صانع المايوهات وألبسة البحر، الفنان مغن وعازف، موظف البورصة، ضابط أمن الدولة، مهن قد تنقرض في المستقبل في حال طبق الاسلاميون أحكام الشرع التي لا تبرر هذه المهن. لكن اذا كان يهدد هذه المهن الزوال فهل من وظائف ستحل محلها وتعوض دورها؟ أم ان دورها سيبقى في «ظل المنكر» وينتقل الى الخفاء كما كان في عهود سابقة؟
كل هذه المهن يقول عنها بعض الفاعلين الاسلاميين في السياسية انها يمكن ألا تزول اذا حملت طابعا اسلاميا الا بعض المهن التي تتعارض كليا مع أحكام الشريعة، وعلى سبيل المثال انتشرت مهنة المنشد الاسلامي على طريق الفن المشروع، والوسيط المالي الشرعي للاستثمار الأموال بالحلال، والواعظ، وصانع الأزياء الاسلامية، والعامل في السياحة الحلال، وانتشرت هذه المفاهيم خصوصا في دول المغرب العربي. الى ذلك مهن أخرى ستطفو على السطح مستقبلا وستأخذ موقعها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بعض الدول العربية التي عرفت أنظمتها السابقة خصوصا بالعلمانية والمثال تونس ومصر.
المهن التي تثير جدلا لدى أوساط النخب الاسلامية الحاكمة في كل من مصر والمغرب وتونس على سبيل المثال تتعلق أغلبها بقطاع السياحة والترفيه. فقد اصابت تصريحات من مسؤولين مختلفين من هذه الدول الثلاث صميم هاجس بعض الشباب العربي الذي يعمل في هذه القطاعات ولا تزال ترواده مخاوف من اختفاء بعض المهن بدعوى مخالفتها للشريعة.
رئيس مجلس النواب المغربي أكد رغبة الحكومة المغربية التي يقودها حزب العدالة والتنمية الاسلامي في «تعزيز المظاهر الاسلامية والوصول الى سياحة محترم بعيدة عن الانحرافات الأخلاقية». وكانت حكومة بن كيران أعلنت أنها ماضية في سياسة التغيير وفق الشريعة تدريجيا وليس دفعة واحدة، في المقابل أشارت الى عدم السماح بفتح حانات جديدة في المغرب وعدم ترخيصها وذلك لمخالفتها الشرع.
ويذكر أن السياحة في المغرب تستقطب نسبة كبيرة من العاملين في ميادين مختلفة كالملاهي والحانات والحفلات ويجد الكثير من الشباب المغربي مورد رزق في هذه المجالات فتزدحم أماكن سياحية كثيرة بالنادلين والفنانين الشباب، كما تنشط خصوصا في المواسم السياحية صناعة أزياء السباحة للنساء ويختلط الحابل بالنابل في الشواطئ التي تجذب بائعين مختلفين.
الى ذلك امتدت حسب موقع «هيسبريس»، انتقادات الاسلاميين الى الجانب الفني، بعد أن هاجم وزير في الحكومة المغربية مهرجان «موازين». وكان قيادي في العدالة والتنمية حسب الصحافة المغربية استهجن عمل الفنانات.
ومن الطرافة في هذا المشهد، تحول بعض الفنانين الى غناء بعض الأناشيد الاسلامية والوطنية مثل فضل شاكر وتامر حسني ولطيفة وحتى نانسي عجرم. فما القصة هل الخوف من الاسلاميين من يمنع حنجرتهم للغناء والغزل بالحبيب، أمر يراه الاسلاميون مكروها ومثيرا للفتنة الأخلاقية، أم الخوف من السلفيين الذين نصب بعضهم نفسه آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر؟
وبالحديث عن الخمر والتصدي للعمل فيه، أكد واعظ مغربي يدعى جمال السعيدي، عضو لجنة الارشاد والتوجيه الفقهي بالمجلس العلمي المحلي للرباط عدم الاهتمام بتصريحات السياسيين، و اضاف أن ذلك وفق تصريح له في «صحيفة مغربية» ليس تهربا من الحديث في الموضوع، موضحا أن دور المجالس العلمية المحلية في المغرب يقتصر على ارشاد السائلين نحو الخير، أما الحديث في موضوع التصدي للخمر وحتى اصدار الفتاوى فهذا من تخصص المجلس الأعلى العلمي.
وكان تفجر جدل في المغرب بعد ورود أنباء عن تشكيل أهالي في بعض المناطق لما يطلق عليه «لجان شعبية لمحاربة الدعارة والنهي عن المنكر». وأكدت بعض التقارير التي تداولتها الصحافة المغربية أن أصحاب هذه الجماعات الداعين للنهي عن المنكر والأمر بالمعروف هم مواطنون تابعون لحزب اسلامي يستوقفون المارة ويطلبون منهم البطاقة الوطنية (الهوية)».
في تونس، المهن المذكورة والتي قد تصبح محظورة يوما ما تزايد انتقادها حتى بلغ الأمر بالتعدي على فنان تونسي يدعى قاسم الكافي. الى ذلك تقلص نشاط الفنانين والحفلات في خصوصا في تونس ومصر خلال مناسبات السنة الماضية وفقا لتقارير اعلامية، وتقلصت حفلات الأعياد ورأس السنة بخلاف ما كان متوقعا، في المقابل تعزز حضور المنشدين الدينيين مع دعوة جمعيات اسلامية لفنانين كـسامي يوسف لإقامة حفلات ملتزمة. في الوقت نفسه يندفع بعض السلفيين الى انتقاد بعض النساء في لباسهن مع استنكار واستهجان بائعات الهوى ومرتادي الحانات وموظفيها و«البوليس بالزي المدني» الذي ظل متهما باداء مهمة موظف أمن الدولة للتجسس على الناس.
لكن التخوف من حظر بعض المهن أو الأنشطة في تونس يبقى مؤجلا الى ما بعد الانتخابات الرسمية بعد سنة ونصف السنة تقريبا الى حين الانتهاء من صياغة الدستور والانتخابات التشريعية والرئاسية والتي يتوقع البعض أن يكون للتيارات الاسلامية حظ كبير فيها. الا أن مؤشر هذا الخوف لاح من خلال تصريحات سابقة لرئيس الحكومة التونسي محمد الجبالي أثناء زيارة سابقة للسعودية تفيد بأن اغلاق الخمارات في تونس مسألة وقت.
وكان الجبالي الأمين نقلا عن وكالة تونس افريقيا للأنباء أكد سابقا أن القطاع السياحي يعد من «المكتسبات التي لا مجال للمساس بها، مشيرا الى أن امكانية اصابة قطاع حيوي مثل السياحة بالشلل بمنع الخمور وارتداء لباس البحر وغيرها من الممارسات، مضيفا في الوقت نفسه أن «هذه حريات شخصية مكفولة للأجانب وللتونسيين أنفسهم».
من جهة أخرى، أكد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أن تونس اليوم تريد سياحة حلال والتركيز على الاستثمار الحلال أيضا، لكنه لم يعارض في المقابل نشاط البورصة الذي يصفه عموم الاسلاميين بالنشاط المضاربي. وتبدو حركة النهضة التي تقود الحكومة الانتقالية في تونس لينة الى حد كبير مع العديد من الأنشطة التي يستنكرها السلفيون في تونس. وكان الغنوشي قال في تصريح خاص لـ«الراي»: ليس لأي أحد الحق أن يصادر حرية الآخر لأي سبب يتعلق بفكر ديني يريد فرضه» مؤكدا التمسك بتوفير الحرية للجميع.
لكن هل يعني ذلك ممارسة كل الأنشطة والمهن أيضا بحرية؟ لم توضح حركة النهضة سياسة واضحة لرسم موقفها من العديد من المظاهر والمهن التي يعتبرها السلفيون حسب بياناتهم تنافي النمط الاسلامي المنشود في تونس. الا أن مسالة حظر أنشطة معينة مرتبطة مثلا بصناعة الخمر واقامة الحفلات، وممارسة أنشطة ربوية لا يمكن أن تفك رموزها في ظل حكومة انتقالية بل سيؤجل الأمر الى قدوم حكومة رسمية وغير موقتة.
المشهد السياحي الذي يربط اشكال كثيرة من الفنون والحرف التي يرى فيها الاسلاميون مخالفة للشريعة يغدق على المغرب كما على مصر وتونس الكثير من الأموال.
في مصر، نقلت «فايننشال تايمز» سابقا أن ثمة قلقا على بعض مجالات قطاع السياحة في مصر في ظل توقع قدوم حكومة اسلامية بقيادة الاخوان المسلمين وحزب النور السلفي المتشدد، خصوصا بعد هيمنة التيار الاسلامي على أغلب مقاعد مجلس الشعب فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث الخوف من اقدام حكومة اخوانية على حظر بيع وانتاج الكحول وحظر سياحة الشواطئ. وتشغل هذه القطاعات آلاف من المصريين، فان تم حظر هذه الأنشطة فهل يجدون حرفا أخرى ليعملوا فيها أم سيبقى الأمر معلقا أو الحال سيستمر كما عليه؟ لكن الذي انتخب الاسلاميين اختارهم على اساس ترسيخ مبادئ يريدها الاسلام ونبذ أخرى لم تنص عليها الشريعة، فهل سيختلف الحاكم الاسلامي مع قاعدته الشعبية أم سيعطي الشعب للحاكم الاسلامي رخصة عدم التعرض لهذه القطاعات التي توفر وظائف عمل كثيرة.
فحسب تقديرات «فايننشال تايمز» ووفقا للمجلس العالمي للسياحة والسفر المصري، يستحوذ قطاع السياحة على نسبة 17.5 في المئة من قيمة الناتج المحلي في مصر بما يعادل 39 مليار دولار ومن المرجح أن تتراجع نسبة مساهمة السياحة الى 16 في المئة في 2012.
وكان وزير السياحة المصري الدكتور منير فخري عبد النور اتهم الاسلاميين بأنهم يختزلون السياحة في ملابس البحر وزجاجة خمر، مؤكدا أن سياحة الشواطئ توفر للسائح القادم من المناطق الباردة في الشمال. لذلك فان النادل بأي مكان يوجد فيه خمر معرض للانتقاد والنبذ كما الحال مع أصحاب هذه الأماكن، لكن اذا تم اغلاق هذه الأماكن المخالفة للنمط العام الذي يريده الاسلام، فمن يعوض من خسروا وظائفهم؟
من جهته قال الاعلامى محمد مصطفى شردي، عضو الهيئة العليا بحزب الوفد، ان السياحة والمهن التي توفرها «حرام» سيضعف اقتصاد مصر المهلهل وسيتسبب في إلغاء دخل بنحو 80 مليار جنيه استرليني الذي يوفر دخلا لنحو 3 ملايين أسرة وفق احصاءات رسمية مصرية.
في المالديف، قام حزب اسلامي بإغلاق مراكز التدليك الصحي بسبب فتوى تفيد بمخالفته للشريعة الاسلامية. وتسعى حكومة المالديف الاسلامية الى تطبيق أحكام الشريعة ومنع الخمور من الجزيرة السياحية التي تكسب أكبر مداخيلها من السياحة.الرأي العام