دار نشر الجامعة الأميركيّة في بيروت تصدر "كتاب الشُّبهات" في مساهمة بارزة في الفكر الإسلاميّ
أعلنت دار نشر الجامعة الأميركيّة في بيروت عن صدور "كتاب الشُّبهات: طبعة محقّقة ودراسة نقديّة" بتحقيق ودراسة الدكتور بلال الأرفه لي والدكتور رضوان السيّد. ويأتي هذا الإصدار الجديد ضمن سلسلة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للنصوص والدراسات العربيّة والإسلاميّة، ليمثّل مساهمة مهمّة في تاريخ الفكر الإسلاميّ والفكر العربيّ الكلاسيكيّ. ويقدّم الإصدار للجمهور المعاصر تحفة مفقودة من الروحانيّة الإسلاميّة المبكرة، إذ يجمع في مجلّد واحد بين نصّ عربي مُحقَّق بعناية ودراسة تحليليّة رصينة من إعداد المحقّقَين.
يعود أصل كتاب الشُّبهات إلى القرن التاسع الميلاديّ، وهو من مؤلَّفات المفكّر الإسلاميّ الشهير الحارث بن أسد المحاسبي (ت 857م)، وهو عمل فريد من نوعه صيغ في هيئة حوار تفاعلي بأسلوب "السؤال والجواب". ويدخل المحاسبي في هذا النصّ في حوار مع تلميذه أحمد بن عاصم الأنطاكيّ، حيث يستكشفان معًا أسئلة أخلاقيّة ووجوديّة عميقة شكّلت تحدّيًا للباحثين عن السموّ الروحيّ في زمانهما. ويقود هذا الحوار القرّاءَ من الشكّ والحيرة إلى اليقين والطمأنينة، بما يعكس الطابعَين الفكريّ والروحيّ للتصوّف الإسلاميّ المبكر.
وبإحياء هذا النصّ بعد أن بقي طيّ النسيان لقرون، يسدّ هذا الإصدار فجوة معرفيّة وجوهريّة في أدبيّات التصوّف المبكر والفكر الزهديّ، مسلّطًا ضوءًا جديدًا على كيفيّة معالجة علماء المسلمين الأوائل لمسائل الإيمان والشكّ والوعي الأخلاقيّ الذاتيّ.
اعتمدت هذه الطبعة المحقّقة على منهجيّة دقيقة في دراسة المخطوطات، مرتكزةً على النسخة الخطّيّة الوحيدة المعروفة من الكتاب، وهي نسخة تعود إلى العصر الفاطميّ (القرن الخامس الهجريّ/الحادي عشر الميلاديّ) ومحفوظة في أرشيف الجامعة الأميركيّة في بيروت. ويضيف تاريخ اكتشاف المخطوط بُعدًا تاريخيًّا شيّقًا؛ فقد ظلّ مخفيًا ضمن مقتنيات الجامعة إلى أن تعرّف عليه الدكتور الأرفه لي عام 2009، لتبدأ رحلة بحثيّة استمرّت ستّة عشر عامًا تُوِّجت بهذا الإصدار.
وبالإضافة إلى تحقيق نصّ عربيّ موثوق انطلاقًا من تلك النسخة النادرة، قدّم المحقّقان مقدّمة علميّة مطوّلة ووافية تتناول حياة المحاسبي وعصره، وتفصّل موضوعات الكتاب وخصائص أسلوبه، وتضع النصّ في سياقه التاريخيّ الأوسع ضمن الفكر الإسلاميّ. والنتيجة مجلّد يوفّر في آن معًا طبعة معتمدة من النصّ الأصليّ وتحليلًا شاملًا لأهمّيّته، ممّا يؤكّد على ضرورة الحفاظ على المخطوطات الأصليّة ودراستها نقديًّا لتعميق فهمنا للتراث الإسلاميّ.
ولا تقلُّ مكانةُ القائمين على تحقيق هذا الكتاب عن قيمة الكتاب ذاتِه؛ إذ شارك في إصداره عالمان بارزان من أعلام البحث الأكاديميّ. فالدكتور بلال الأرفه لي، أستاذ كرسي الشيخ زايد للدراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت، يُعَدّ من أبرز الباحثين والمتخصّصين في الأدب العربيّ الكلاسيكيّ ودراسة المخطوطات. أمّا الدكتور رضوان السيّد، فهو أستاذ مرموق وأحد الأسماء الرائدة في حقل تاريخ الفكر الإسلاميّ في العالم العربيّ، وقد عُرف بإسهاماته البحثيّة الواسعة في دراسة تطوّر الفكر الدينيّ والسياسيّ في الإسلام. وقد أفضى تكامل خبرات المحقّقَين في التحليل النصّيّ والتفسير التاريخيّ إلى إصدار طبعة محقّقة وفق أعلى المعايير الأكاديميّة. ويجسّد تعاونهما النهج الصارم متعدّد التخصّصات الذي تتبنّاه دار نشر الجامعة الأميركيّة في بيروت في تحقيق التراث الإسلامي وصونه وإيضاحه.
يتزامن صدور كتاب الشُّبهات مع تجدّد الاهتمام الأكاديميّ بالدراسات الإسلاميّة وتاريخ الفكر وتحقيق النصوص. ومع إعادة الباحثين حول العالم النظر في النصوص التأسيسيّة سعيًا لفهم أعمق لتطوّر الفكر الإسلاميّ، يأتي هذا الإصدار في الوقت المناسب ليشكّل مرجعًا قيّمًا لهذه الجهود.
ويتطرّق الكتاب، بصورة مباشرة ومنهجيّة، إلى قضايا محوريّة في النقاشات المعاصرة، من بينها التصوّف الإسلاميّ المبكر وعلم الكلام الإسلاميّ، وآليّات نقل المعرفة عبر المخطوطات، فضلًا عن التفسير الحديث للأعمال الكلاسيكّية. وبفضل مزجه بين العمق التاريخيّ والأسلوب التحليليّ الدقيق، فإنه مهيّأ لاستقطاب طيف واسع من القرّاء يشمل الأوساط الأكاديميّة والمؤسّسات الثقافيّة والمكتبات، إلى جانب القراء العامّين من ذوي الاطلاع المهتمّين بالتراث الغنيّ للفكر العربيّ الكلاسيكيّ.
ومن خلال هذا العمل العلميّ الرصين، تؤكّد دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت مجدّدًا التزامها بإثراء الخطاب العالميّ عبر إصدار طبعات محقّقة تربط الماضي بالحاضر، بما يضمن استمرار الأعمال المفصليّة في التراث الفكريّ الإسلاميّ في تعليم وإلهام الأجيال القادمة.
خلفية عامة
الجامعة الأمريكية في بيروت
الجامعة الأمريكية في بيروت هي جامعة لبنانية خاصة تأسست في 18 نوفمبر 1866، وتقع في منطقة رأس بيروت في العاصمة اللبنانية، وبدأت الكلية العمل بموجب ميثاق منحها إعترافا حصل عليه الدكتور دانيال بليس من ولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية. افتتحت الجامعة أبوابها في 3 ديسمبر عام 1866 لتمارس نشاطها في منزل مستأجر في أحد مناطق بيروت.
تعتمد الجامعة معايير أكاديمية عالية وتلتزم مبادىء التفكير النقدي والنقاش المفتوح والمتنوع. وهي مؤسسة تعليمية مفتوحة لجميع الطلاب دون تمييز في الأعراق أو المعتقد الديني أو الوضع الاقتصادي أو الانتماء السياسي، وهذا ما أرساه مؤسسها الداعية الليبيرالي دانيال بليس.