احتدمت المواجهات بين فتح الاسلام والجيش في مخيم نهر البارد شمال لبنان، والذي غطته سحب كثيفة من الدخان مع استئناف الجيش دكه بقذائف الدبابات موقعا المزيد من الضحايا المدنيين، فيما حذرت الامم المتحدة من "انهيار تام" للموقف جراء هذه المواجهات.
وسمعت بعد الظهر اصوات تبادل كثيف لاطلاق النار من اسلحة رشاشة عند مداخل المخيم، وقالت مصادر امنية ان ذلك جاء بعدما فتح عناصر فتح الاسلام النار على مواقع تمركزت فيها قوات من الجيش اللبناني.
وترافقت الاشتباكات مع قصف عنيف شنته الدبابات اللبنانية على مواقع لفتح الاسلام في المخيم الذي يعد معقلها ويضم اكثر من اربعين الف لاجئ فلسطيني.
وقالت مصادر في المخيم ان تسعة مدنيين قتلوا وجرح 70 اخرون في القصف، ما يرفع الى 71 عدد القتلى خلال المواجهات المستمرة منذ صباح الاحد بين الجيش ومجموعة فتح الاسلام السنية التي ظهرت على الساحة أواخر العام الماضي.
ولا يتجاوز عدد مقاتلي المجموعة بضع مئات وهي لا تحظى بتأييد سياسي كبير في لبنان لكن يبدو أنها مسلحة ومنظمة جيدا.
ومن غير المسموح ان يقتحم الجيش اللبناني مخيمات اللاجئين لمطاردة المسلحين تمشيا مع اتفاقية تعود الى عام 1969 مما خلف فراغا أمنيا ملاته فصائل فلسطينية. ولم تستجب هذه الفصائل لقرار أصدره مجلس الامن في العام 2004 ويطالب بنزع سلاح كل الميليشيات في لبنان.
ويلقى القرار رفضا أيضا من جماعة حزب الله التي تحظى بدعم ايران وسوريا.
وكانت المواجهات توقفت في وقت سابق الاثنين اثر الاعلان عن التوصل الى هدنة بين الجانبين لتمكين الصليب الاحمر وهيئات الاغاثة من اخلاء الجرحى والقتلى وايصال المعونات الى المدنيين المحاصرين.
لكن هذه الهدنة لم تستمر طويلا حيث اندلعت الاشتباكات مجددا، وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن انهيارها، حيث قال الجيش ان عناصر المجموعة فتحوا النار على قواته، وقالت المجموعة ان الجيش هو من كسر الهدنة.
وترددت تحليلات حول ان طرفا ثالثا "طابور خامس" ربما كان وراء عمليات اطلاق للنار من داخل المخيم ما ادى الى انهيار تلك الهدنة.
وخلال الوقت القصير الذي استمر فيه وقف النار أمكن إجلاء تسعة جرحى من المدنيين.
ووصفت المواجهات بانها الأسوأ منذ الحرب الاهلية التي استمرت من عام 1975 الى عام 1990.
وتسببت المعارك التي دارت الاحد في المخيم وفي مدينة طرابلس القريبة في مقتل 27 جنديا على الاقل و15 متشددا و15 مدنيا.
ومن بين القتلى الاسلاميين اثنان من المتهمين في عمليات ارهابية وقعت في لبنان والمانيا. واوضح مصدر امني "ان المدعو ابو يزن المسؤول المباشر عن تفجير عين علق (الذي اوقع ثلاثة قتلى في 13 شباط/فبراير شمال بيروت) من بين القتلى".
ومن بين القتلى ايضا "صدام الحاج ديب المطلوب في المانيا بتهمة المشاركة في الاعتداء المزدوج الفاشل ضد قطارات في المانيا في 2006".
بالمقابل عاد الهدوء الى طرابلس ثاني مدن شمال لبنان بعد نهار شهد مواجهات عنيفة في عدة احياء بين الطرفين. وفتحت المحال التجارية ابوابها ونشر الجيش حواجز تفتيش على الطرقات حيث المدارس والجامعات اقفلت بقرار وزراي.
توسيع المعركة
وفي غمرة تصاعد الاشتباكات الاثنين، هدد متحدث باسم مجموعة فتح الاسلام بالرد "خارج طرابلس" اذا استمر قصف الجيش اللبناني لمخيم نهر البارد.
وقال ابو سليم طه ان "الوضع بالنسبة للمدنيين لا يحتمل. القصف يستهدف المنازل. اصابت القذائف مسجدين التجأ اليهما المدنيون كما سقطت اسقف المنازل على ساكنيها". واضاف بدون ان يعطي تفاصيل "الجيش لا يستهدفنا فقط انما يقوم بقصف عشوائي.اذا استمر الحال كذلك سننقل المعركة خارج طرابلس".
وقال عباس زكي ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان انه لا يريد "ان يكون الفلسطيني عنوان تفجير ولا مخيمنا يكون هو الشرارة التي تنطلق منها حرب أهلية في البلد."
وأضاف زكي عقب محادثات اجراها مع رئيس الوزراء فؤاد السنيورة "نحن أعلنا التعاون المشترك لانهاء هذه الظاهرة (فتح الاسلام) شرط ان لا تكون تكلفتها عالية جدا على الابرياء الفلسطينيين."
ورفض اسامة حمدان ممثل حركة حماس في لبنان الذي رافق عباس الحديث عن تفاصيل الاجتماع وقال للصحافيين "لسنا بصدد الحديث عن الخطوات التي سنقوم بها او على ما اتفقنا عليه للتداول مع السنيورة (...) ذلك قد يؤدي بالمحصلة الى افشال ما نسعى اليه".
واكتفى بان يضيف "ثمة مسألتين واضحتين: الفلسطينيون غير مسؤولين عما جرى وعن تداعياته والكل معني بتجاوز المعاناة الانسانية لاهالي مخيم البارد بشكل سريع".
ومن المقرر ان يجتمع اليوم الاثنين مجلس الوزراء الذي يعاني هو نفسه من أزمة سياسية طويلة لمناقشة الوضع في المخيمات الفلسطينية في لبنان حيث يعيش نحو 400 الف فلسطيني.
ويقول وزراء في الحكومة اللبنانية ان سوريا تستخدم فتح الاسلام لزعزعة الاستقرار في مسعى لعرقلة خطوات إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة المشتبه بهم في مقتل رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري في العام 2005.
وقال مروان حمادة وزير الاتصالات اللبناني "انفجار الاشرفية هو معاودة للمسلسل القديم الجديد... فتش عن المجرم هو نفسه من يحمي ويزود ويرعى فتح الاسلام وهو نفسه من اغتال رفيق الحريري ورفاقة." ولم يسم الجهة التي يقصدها.
تحذير اممي
وقد حذر الموفد الخاص للامم المتحدة الى لبنان تيري رود لارسن الاثنين من "انهيار تام" للموقف في لبنان ما لم تتصرف جميع الاطراف الدولية بشكل "مسؤول".
وقال لارسن للصحفيين بعد لقاء مع الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى في القاهرة "نيابة عن الامين العام للامم المتحدة (بان كي مون) أدعو من هنا جميع الاطراف اللبنانية الى التصرف بشكل مسؤول حتى لا ينهار الموقف في لبنان تماما".
واضاف لارسن الذي التقى كذلك الرئيس المصري حسني مبارك ووزير خارجيته احمد ابو الغيط ان هناك اتفاقا في الرؤية بين الامم المتحدة والجامعة العربية على ان التطورات التي شهدها لبنان الاحد والاثنين "تدعو للقلق" مشددا على ضرورة تصرف الاطراف اللبنانية "بمسؤولية من اجل لبنان".
واوضح مصدر في الجامعة العربية ان موسى ناقش مع لارسن "الوضع السياسي والامني في لبنان نظرا لخطورة وتدهور الاوضاع جراء الاحداث الحالية في الشمال وتاثيراتها السلبية على الامن والاستقرار والتي تتزامن مع طرح قضية المحكمة ذات الطابع الدولي في مجلس الامن الدولي بهدف اتخاذ قرار بشانها".
من جهته اكد موسى للصحفيين "ادانته بكل قوة لما يجري في لبنان والمساس بالجيش اللبناني".
وقال ان "الجيش اللبناني باعتباره احدى المؤسسات الرئيسية التي تعبر عن السيادة اللبنانية يجب ان يكون بمنأى عن هذه المناورات والاحداث الاجرامية التي لا يمكن قبولها تحت اي مسمى".
وعبر موسى عن استنكاره لاتخاذ الاسلام كشعار للعدوان وتساءل "ما معنى فتح الاسلام (..) هل المراد ادخال الاسلام في مثل هذه الاعمال الاجرامية التي يذهب ضحيتها مدنيون وابرياء وتشكل مساسا بالسلطة في لبنان؟".
—(البوابة)—(مصادر متعددة)