وسط تعاطف شعبي، ومحاولات احتواء حكومي، استقبلت مدينة حمص السورية، الواقعة في منطقة الوسط السوري،مايزيد عن مائة ألف نازح لبناني، حسب تقديرات الأهالي، وصلوا مدينة حمص خلال الأسبوع الأول من اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، ففيما استنفرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إداراتها لاستقبال النازحين وتأمين الحدود الدنيا من الإقامة في مبان عائدة لوزارة التربية والتعليم ومعظمها من المباني المدرسية، فان ظروف النازحين اللبنانيين هي مزيج من الأسى وترقب وقف إطلاق النار للعودة بعدها إلى تأمل ماسيؤول إليه حالهم، بعد أن تدفقوا إلى مدينة حمص وضواحيها، منهم كان قد أضاع أوراقه الثبوتية، فيما أضاع معظمهم أية آمال بالعودة إلى بيته، خصوصا القادمين من قرى الجنوب الحدودية عن طريق منطقة العريضة اللبنانية بعد ضرب منطقة المصنع وتحول طريق دمشق-بيروت إلى طريق محفوف بالمخاطر.
حال مدينة دمشق، قد يماثل مدينة حمص، فالنازحون اللبنانيون إلى العاصمة دمشق توزعوا مابين الفنادق، والمراكز التي أحدثتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وفي معظمهم لجأوا الى عائلات قريبة باعتبارهم نازحون مؤقتين، بدأت أسئلتهم تعيد إلى الذاكرة السؤال الفلسطيني، المتصل بالمفتاح والعودة، وهؤلاء دون شك ينتمون الى مناطق الحزام الحدودي المرشحة لتحويلها إلى مناطق خالية من السكان ومدى أمني لإسرائيل.
عائلة عباس، لجأت إلى منزل أحد قريبها الصحفي السوري مصطفى المقداد الذي اعتبر نفسه شريكا في المأساة و:" جاهزا لتقاسم الرغيف مع دمه" معتبرا أن الحالة تستدعي تقاسم اللقمة واللحظة والهم، فاستقبل في بيته الصغير ثمانية أفراد أضيفوا إلى عائلته الصغيرة، أما منطقة السيدة زينب، والتي استقبلت عشرات الآلاف من النازحين جراء الحرب على العراق، فهاهي تستقبل اليوم الآلاف من النازحين للبنانيين الذين توزعوا مابين الغرف المخصصة للإيجار وبيوت الأقارب وسؤال:
متى تكون العودة؟
عائلة "الزين" القادمة من النبطية، وصلت السيدة زينب بجميع أفراد عائلتها، تاركة في لبنان فردا واحدا من العائلة هي البنت الثانية المتطوعة في الجيش الرسمي، وقلقها يتركز بين انشغالها على مصير البنت المنتمية الى المؤسسة العسكرية اللبنانية، ومواقع الجيش تقصف في أكثر من مكان، وبين استمرار العيش في هامش مدينة دمشق وأعباء النزوح،وبين سؤال متى ستكون العودة، مع أخذهم بالاعتبار أن قراهم قد أصبحت شبه مدمرة، ومخاوف الاجتياح البري مازالت قائمة مايسمح لهم بالاعتقاد أنهم قد يفقدون الغد بعد فقدان ممتلكاتهم وبيوتهم والعودة الى صفر لا أفق نحو معرفة بأي اتجاه سيتجه؟ وهاهو فريد البرجي القادم من منطقة النبي شيت، يشارك هموم الجنوبيين النزوح معتبرا أن العرب يخذلون اللبنانيين، وأن على العالم العربي:" تحمل قضية جديدة تضاف الى قضية قديمة هي :" حق العودة"،وفي شكلها الجديد ستأخذ شكلها القديم المتمثل بحق العودة للشعب الفلسطيني الذي بنى مخيماته في سوريا ولبنان والاردن، وانتقل المخيم المؤقت إلى وطن دائم بعد أن ضاعت آمال الفلسطينيين في العودة وبقي منها بعدها الرمزي المتمثل في المفتاح وقد علق على لوحة للفنان الراحل ناجي العلي.
السؤال ذاته سيبدو خجولا أو صريحا لدى النازحين اللبنانيين، وحين يكون صريحا، تقول السيدة أم على أن السيد حسن نصر الله وعدهم بإعادة أعمار بيوتهم وإعادتهم إليها، وهي مصممة على تصديق ما يقوله السيد حتى آخر قطرة من دمها، أما (هنية فضل) فهي تعتقد أن:" ماانهدم لن بعود ثانية وعليهم بداية حياتهم من جديد فالإسرائيليون لن يتركوا بشرا أو حجرا من الجنوب".
دمشق الرسمية تواجه مشكلة قد تتحول إلى مشكلة بالغة الصعوبة، فالتقديرات الأولية تشير الى مايزيد عن مائتي ألف لبناني دخلوا سوريا خلال أيام الحرب، ولهؤلاء استحقاقات تتصل بالإقامة والخدمات وربما العمل في الأيام المقبلة، ونهايات الحرب لم تحدد ملامحها حتى اللحظة.