دمشق: نبيل الملحم
أحدثت الليلة الأخيرة من شاشات مونديال 2006، طفرة كبيرة في فرح مؤجل للشباب السوري، ففيما غابت ومنذ زمن طويل الاحتفالات الشبابية بكرتهم الوطنية، تنافس الفرنسيون والطليان على طبول الشباب السوري، بما سمح لجيل يمثل ثلث سكان البلاد بأن يفرغ الكثير من احتفالية مكبوتة في شوارع العاصمة الرئيسية وأزقة ضواحيها، كما في مناطق المخالفات التي تلف المدينة بحزام بائس يستحيل فيه ممارسة كرة القدم كنتيجة طبيعية لضيق الأزقة واستحالة عبور لاعبين يناوران لادخال الكرة في نافذة مفتوحة بمارس ساكنيها النوم تحت مراوح سقف تأكلهم بضجيجها.
مئات السيارات في الشوارع..سيارات تحمل العلم الطلياني، وعشرات الآلاف من الناس في الشرفات كما الأرصفة، ومعظم الآلاف كانوا بداية من مشجعي الأرجنتين ومن ثم البرازيل، وحين أنهزم عالمهم الثالث، ذهبوا إلى المتوسط الأقرب فشجعوا لطليان بمواجهة الفرنسيين ربما لأن الطليان أكثر (عالمثالثية) من الفرنسيين الذين طالما أصروا بأننا حديقتهم الخلفية ولسنا من سكان معمور تهم.
الشباب السوريون، أثبتوا أن لديهم من هواجس كرة القدم ما يسمح لهم برفع سوية فرقهم الوطنية إن توفرت هذه الفرق، كما أثبتوا أنهم جزءا من هموم العولمة، فكرة القدم تجاوزت الوطنية الضيقة، كما القومية الضيقة، إلى كونية هذه الكرة وقد أخذت شكل الكرة الأرضية، بما فيها تشابها ربما من السهل إدراكه وقد باتت (الثانية) تشاط كما الأولى، وكليهما يأخذا شكل الجنين بصفته الشكل الهندسي الأكثر عبقرية في كوننا هذا.
سامر كبول (وهو مشجع متقلب المزاج) كان واحدا من المحمولين على الأكتاف في نادي النبيل بضاحية جرمانا المحاذية للعاصمة والمتصلة بها، سامر كبول يقول بعد أ يهدأ ضجيجه أنه تعاطف منذ البدء مع الأرجنتينيين، ثم انقلب باتجاه البرازيل، وبفي مزاجه مترددا إزاء مع من سيقف: مع الفرنسيين أم مع الطليان؟ ولكنه قرر وهو ينتظر ضربات الجزاء الترجيحية أنه سيقف مع من سينتصر،ولذلك فقد كان يتنقل بين مشجعي الفريقين، هتف هنا ويهتف هناك،فيرضي الذوق الأبيض كما يرضي الذوق الأزرق وفي الحالين لن يكون خاسرا، فهو إلى صف الرابح،وهذا ما يسمح لأصحابه القليلين الذين اكتشفوا (قلق مواقفه المبدئية) بالاعتقاد أنه سيكون شخصية ذات شأن في ما سيأتي من الأيام، أما (كنان) وهو طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، فمازال يظن أنه حزين جدا لأن نادي المجد الكروي السوري لن يصل إلى المونديال إن لم:" تتحسن تغذية لاعبيه" فيما يضيف:" إن نادي حطين بوسعه أن يصل إلى المونديال ان استثمر الثروة السمكية في الساحل لسوري" ، ولكن (سولاف) وهي بنت التحقت متأخرة بمشجعي كرة القدم فهي تهتف حيث يهتف (فادي) الشاب الوسيم الذي يبحث عن غرفة ضيقة في امتلاء العاصمة ليعانق (سولاف) احتفالا بفوز فريقه الطلياني، والكثير من( سولاف – فادي) يبحثون عن ذات الغرفة، فشرطة الآداب في سوريا، تشكل مصدا خصما لعناق عاشقين أججت عشقهما الكرة الذهبية في الكأس الذهبي.
الشباب السوريون، وقد غابت عنهم التنظيمات الطلابية، كما غرقت فرقهم الكشفية الى غير عودة بعد ظهور اتحاد شبيبة الثورة، كما وصلت البطالة في صفوفهم إلى أرقام مدهشة، عثروا في كرة القدم على صندوق أحلامهم، صندوقا ممتلئا بالحماسة، حماسة لن يجدوها في نظم التدريس الجامعي.. لن يجدوها في الحياة السياسية أو في ثنايا المجتمع الأهلي، لن يجدوها في الحب الممنوع بعد مئات التدخلات من رجال الدين الذين يثابرون على منع لاختلاط في المدارس والجامعات.. الشباب السوري يقف فريقا واحدا مع كرة القدم، فيما يقف واحد من شيوخ الحزب الشيوعي السوري متذمرا مذكرا بجيله... هو يقول:" كنا جيل الأدب الملتزم ويعدد أدباءه الملتزمين: بابلو نيرودا .. ماياكوفسكي.. نبيه رشيدات ولا بأس إن أكد على خالد بكداش بصفته أديبا ملتزما لم يكتب قصيدة منذ ولادته إلى موته وقد جاوز التسعين عاما من العمر". . الرفيق الشيوعي يتذمر من احتفالات الشباب ثم يلعن الزمن الامبريالي فيما تظهر حدبة كبيرة فوق أكتافه.. سولاف البنت الشقية العاقة تعلق على (الرفيق) بالقول: حدبته ملتزمة.