في الهواء الطلق او تحت الخيام التقليدية شهدت الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية والبلدية في نواكشوط نهاية على وقع الانغام والخطابات وشروحات الاحزاب التي تسعى لحشد اكبر عدد من الانصار ليوم الاقتراع.
وحين كانت اشعة شمس يوم حار تغيب لتترك مكانها لنسمات منعشة وجافة قادمة من الصحراء الجمعة، عقد التحالف الشعبي التقدمي (معارضة سابقة) والاسلاميون "المستقلون" اخر مهرجاناتهما لانتخابات الاحد.
ويشكل هذا الاقتراع بداية عملية ديموقراطية انتقالية بدأها المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا منذ 2005.
والبس التحالف الشعبي بضعة آلاف من مناضليه ازياء باللون الوردي وارتدى بعضهم "الدراعة" (لباس الرجال التقليدي).
وفي وسط المدينة اغرق الاسلاميون الذين ترشحوا ضمن لوائح مستقلة، بقعة ارض اختيرت لتجمعهم باللافتات والاعلام الزرقاء مع الحرص على منع اختلاط النساء والرجال.
وتوالى الخطباء في تجمع حزب التحالف الشعبي التقدمي بين كل اغنيتين على مخاطبة الحشود بلغات متعددة منها السوننكي وبولار والوولوف والفرنسية والعربية. وكان الحضور مزيجا من اعراق متعددة في تجمع هذا الحزب المعارض سابقا لنظام الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع.
وفي المقابل فضل الاسلاميون مخاطبة جمهورهم باللغة العربية.
ومع تنوع الشعارات الداعية الى "انهاء التمييز بين الاعراق والقبائل" عند التحالف الشعبي الى "حقيقة الاسلام ملك الجميع" عند الاسلاميين، فان التشكيلين حرصا على تفسير كيفية القيام "بشكل جيد" بعملية الانتخاب للحضور خاصة مع ارتفاع نسبة الامية في موريتانيا المقدرة بـ46 بالمئة.
ويشمل اقتراع الاحد ثلاثة انتخابات: البلدية والتشريعية الاقليمية والتشريعية الوطنية، وسيكون على الناخبين اختيار مرشحيهم في هذه الانتخابات من بين العديد من اللوائح المتنافسة التي تميزت كل منها بلون او رسم.
وشدد مسعود ولد بلخير زعيم التحالف الشعبي التقدمي وسط هتافات جمهور يرفع شارات النصر "ان الكثيرين يعولون على فوضى الالوان للحصول على اصوات اضافية. لذلك ادعوكم الى عدم الخطأ" في اختيار الالوان والبطاقات.
اما "مجموعة الاصلاحيين الوسطيين" التي تضم اسلاميين مستقلين، فاختارت ان تعرض بعد القاء كل كلمة فيلما قصيرا يفسر طريقة التصويت "الصحيح" وكانت تعلو هتافات "الله اكبر" عقب كل عرض.
وفي حي القصر القديم وحين كان يخيم الليل على شوارع المدينة، راح مناضلو الاحزاب السياسية يشرحون للمارة من خيامهم الفخمة التي نصبوها منذ بداية الحملة طريقة التصويت.
ونصبت على طرف خيمة تعج بالفوانيس الملونة تابعة للحزب الجمهوري من اجل الديموقراطية والتجديد (الحزب الحاكم سابقا) لوحة لتفسير طريقة التصويت يتولى من خلالها مسؤول في الحزب بانتظام شرح كيفية القيام بالواجب الانتخابي وسط زغاريد النسوة اللواتي ارتدين "الملحفة" اللباس التقليدي النسائي الموريتاني.
وظل ناشطو مختلف الحركات السياسية المشاركة في الانتخابات حتى منتصف الليل موعد نهاية الحملة الانتخابية يسعون الى اقناع المزيد من الانصار بالتصويت لهم ويوزعون القبعات والملصقات على جمهور الناخبين قبل ان يستقلوا سياراتهم او حافلات للعودة الى منازلهم.
المرأة الموريتانية
وفي السياق، قال محللون سياسيون موريتانيون ان منح المرأة في موريتانيا حصة 20 بالمئة من المقاعد في المجالس البلدية والبرلمان في انتخابات الاحد يمثل الانفصال عن تقاليد سياسية تقوم على هيمنة الرجل على الحياة السياسية.
ووافق المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا منذ 2005 على تبني آلية تهدف الى منح المرأة خمس المقاعد في الانتخابات التشريعية والبلدية في بادرة نادرة في العالم العربي والاسلامي.
وتندرج هذه الانتخابات في سياق عودة موريتانيا ذات الثلاثة ملايين نسمة الى الحياة المدنية وستليها محطتان انتخابيتان اخريان في كانون الثاني/يناير (مجلس الشيوخ) وآذار/مارس 2007 (رئاسية).
والزم قانون منح حصة للمرأة الذي صدر الصيف الماضي واصبح ساريا قبل تقديم الترشيحات في الانتخابات الحالية، التشكيلات السياسية الموريتانية بترشيح نساء على لوائحها الانتخابية خشية عدم قبولها.
وقالت جميلة بنت ايشيدو المحامية واحدى واضعات القانون "ان هذا القانون كان ضروريا في بلد لا تنال فيه المرأة اكثر من 3 بالمئة من المواقع الانتخابية وحيث لا توجد امرأة واحدة في منصب وال او قاض".
واضافت "تم اقتراح نسبة 20 بالمئة اثناء استشارة سياسية مع المجلس العسكري (في تشرين الاول/اكتوبر 2005) وقمنا مع برنامج الامم المتحدة الانمائي ب+الضغط+ الضروري على شركائنا الدوليين لحث السلطات" على اعتماده.
واوضحت ان "القانون ينص على تواجد المرأة في المرتبة الثانية والخامسة والسابعة بين لوائح مرشحي الانتخابات البلدية ولوائح يتناوب فيها رجل وامرأة على التوالي في الانتخابات التشريعية".
واضافت "في انتخابات مجلس الشيوخ نريد ان تكون المرأة على رأس اللوائح الانتخابية غير انه لم يتم حسم الامر بعد".
اما فاطمة مباي رئيسة الجمعية الموريتانية لحقوق الانسان، فاعتبرت ان هذه "الثورة الهادئة ضرورية لتطور البلاد".
وقالت "خلافا لما يعتقد، تحتل المرأة دورا مهما في المجتمع الموريتاني المستعد للتغيير باستثناء بعض المعاقل"، مشيرة الى ان "القدرات متوفرة سواء لجهة العدد او الكفاءة، والكثير من السيدات متعلمات".
من جانبه، اعتبر محمد عبد الله ولد بالليل المسؤول السابق في الحزب الجمهوري من اجل الديموقراطية والتجديد (الحاكم سابقا) ان "المرأة يجب ان تحتل المكانة التي تستحق وليس المكانة المخصصة لها".
واضاف "قبل ان تترشح يجب ان تتوفر لديها اربعة خصال هي الاهتمام بالسياسة والرغبة في الوصول الى مناصب والقدرة على تحمل المسؤولية واهليتها للمنصب الذي تطمح اليه".
وتقول فاتي ميتو بنت عبد الملك الموريتانية الوحيدة التي انتزعت منصب رئيس بلدية في 2001 في نواكشوط "لم يكن نظام الحصص واجبا. والمثالي هو ان ندع المرأة تنتزع المواقع بمفردها".
لكنها اقرت انها "ناضلت من اجلها (الحصص) بسبب غياب التقدم" الناجم عن "ثلاثة عوائق رئيسية وهي وعي المرأة والظروف الاجتماعية والثقافية ونقص الارادة السياسية".
واضافت "في حال توفرت الارادة السياسية ووعت المرأة بلدور الذي يمكنها القيام به، عندها سنصل الى مساواة" الفرص.
وفي اشارة الى تغيير ظاهر في الذهنيات على ما يبدو، قدم الاسلاميون المبعدون حتى الان عن السياسة في موريتانيا، لوائح "مستقلة" نصف المرشحين فيها من النساء.