من بر الياس إلى حي الوطى : ما حال السوريين قبل تبادل السفراء؟

تاريخ النشر: 24 يونيو 2006 - 11:17 GMT

بيروت : البوابة

حين تتوقف أمام صياح أبو الدهن، وهو واحد من العمال السوريين الساكنين في (وطى المصيطبة) وسط العاصمة اللبنانية بيروت، سيقول لك وهو يتأملك بفائض من الارتباك والشك:

لقد أديت الخدمة العسكرية الإلزامية في سوريا" وسيضيف وبذات الارتباك :" إنني لم أرتكب جريمة.. لم أخل بالقوانين" ، وحين تؤكد له أنك لست من أجهزة الأمن السورية المتبقية سرا في لبنان سيأخذ وقتا طويلا ليقتنع، فيما ستكون بطاقتك الصحفية غير مجدية في إقناعه بأنك تسأل عن أحوال العاملين السوريين في لبنان.. مرتباتهم.. فرص العمل المتوفرة لهم.. أنواع العمل والمهن التي يمارسونها.. صلتهم بقوانين العمل في لبنان.. علاقاتهم بعائلاتهم في الوطن الأم، ولماذا اختاروا لبنان كموطن للعمل.

صياح أبو الدهن هذا، هو واحد من قرابة مئة ألف عامل سوري يعيشون في وطى المصيطبة ، عند تقاطع منطقة الكولا في بيروت، وحين تقول وطى المصيطبة سيكون من العسير عليك توصيف هذه المنطقة، أو مقارنتها بأية منطقة أخرى من مناطق أحزمة البؤس في أي من عواصم الشرق الأوسط

حين تستكمل قطع الشارع الرئيسي لمنطقة (وطى المصيطبة)، ستجد منفذا مجهولا يقود إلى سلم منحدر، وحين تأخذ طريقك نحو هذا السلم، ستتأكد من أنك تدخل عالما مختلفا عن العالم الذي تركته توا خلف ظهرك.. في البداية ستعثر أنك أمام مكب نفايات واسع ربما تصل مساحته إلى ألف متر مربع.. مكب ملون بكل الألوان التي راكتمها ذاكرتك البصرية .. مكب يتسع بالإضافة إلى عبث الألوان ذاك، الكثير مما خلفته ابتكارات معامل التعليب وإطارات السيارات وقطع الأثاث المستخدم إلى الدرجة التي لا تسمح بإعادة استخدامه مطلقا..

تحت هذا المزيج الملون.. المزيج الذي يكشف ما تخلى عنه مزاج المدينة الصاخبة، ستعثر على بشر آخرين.. بشر يذهبون بعيدا في العراء.. ريفيون غادروا أريافهم.. قوميات واثنيات متنوعة.. أكراد سوريون.. علويون.. دروز.. حوارنة.. الجميع يعبث بالجميع فيما تعبث بالجميع آلة الاقتصاد اللبناني المضيف، بعد أن لفظتهم آلة الاقتصاد السوري الذي غادروه قسرا..

مهن واطئة هذا هو العنوان الذي يمكن أن يتقاسمونه:

باعة عرانيس ذرة.. باعة فول .. باعة خضار متجولين.. خدم بيوت .. نواطير عمارات، والبعض الماهر منهم يعمل في السباكة وقطاع البناء، فيما بوسعك أن تجد مهندسا معماريا واسمه نبيل رزق وقد تنازل عن علوم الهندسة ليعمل بمحاذاة صخرة الروشة :" بائع عرانيس".. نبيل رزق هذا هو الذي يقول أن الحكومة السورية تخلت عن التوظيف الإلزامي للمهندسين، فيما تضاءلت فرص العمل أمام المهندسين السوريين فدفعته الحاجة الماسة ليعمل في أية مهنة وقد اختار العمل في بيروت" .. نبيل المهندس بائع العرانيس يؤكد أنه بحث عن فرصة عمل في دول مجلس التعاون الخليجي ولكنها، أي تلك الدول :

" دفعت منذ أوائل التسعينات بأعداد كبيرة من العمالة السورية والوافدة إلى العودة إلى أوطانهم بسبب سياسات الخلجنة، والتغيرات التي طرأت على سياسات الطلب، فأسواق العمل في تلك الدول لم تعد بحاجة إلى الكثير من المهن فقد انحصر الطلب بحملة الشهادات العليا في تخصصات علمية محددة ومن بينها التخصصات الدقيقة في مجال الاتصالات والحوسبة وعمالة متخصصة في مجال البحث والتطوير للتكنولوجيات الحديثة" وهذا واحد من الأسباب التي وضعته أمام اللاخيار.

نبيل رزق يعيش مع مجموعة من أبناء قريته، في غرفة واحدة من غرف الحي، وللحياة المشتركة هذه نظام دقيق.. نظام عنوانه الرئيسي:

جدول للنوم

جدول لإعداد الطعام

جدول النوم يخضع لمواعيد :

في الغرفة يسكن ستة أشخاص، والمساحة تتسع لثلاثة أسرّة، والمطلوب توزيع ساعات اليوم على النائمين، ولكل منهم ستة ساعات نوم، والطبيعي أن يبتكر كل واحد من هؤلاء زمنا شخصيا، زمن مختلف عن الزمن العام.. زمن تحدده الساعات الداخلية لكل من سكان هذه الغرفة بحيث يخضع الزمن الموضوعي إلى الزمن الشخصي ويحصل تصالحا صعبا مابين الزمنين

على مقربة من سكن نبيل، سكن أكثر بحبوبة لواحد من شباب هذا الحي، وهو الأكثر فطنة من بقية السكن، فقد استطاع هذا الشاب استئجار (cable) موصلا خداماته إلى مجموعة من بيوت الحي مقابل 5 $ شهريا لكل مشترك، مما أعطاه فرصة لدخل يسمح له بأن يعيش مع زوجته غير المنجبة في غرفة واحدة لايشاركهما أحد، وبذلك يتمايزا عن بقية السكان، فقد تعثر في حي (الوطى) على عائلتين يتقاسمان غرفة واحدة ، غرفة تفصلها ستارة، ليكون الجميع مكشوفا على الجميع، وبين الغرفة التي تقيم فيها العائلتين، والغرفتين المتصلتين بها من الجهتين، ثقوبا تملأ حوائط الزنك، ليأخذ شباب الغرف المجاورة بالتلصص على الحياة الحميمة للأزواج الشباب، حيث ستنتشر في اليوم التالي حكاية ليلة يمضيها شابين متزوجين، مع إضافات يطلقها الخيال الجنسي لشرق انفتح فجأة على منوعات الأفلام الجنسية التي تبث من الكيبل المملوك للشاب الفطين.

صخرة الروشة، هي الصخرة الأكثر إعلانا عن العلاقات السورية – اللبنانية، بعد ربع قرن من دخول القوات السورية إلى لبنان، فعلى امتداد هذه الصخرة، باعة فول وعرانيس وفطائر، والصراع مابين العمال اللبنانيين والعمال السوريين، يصل في أحيان كثيرة إلى حوار السكاكين، فالعمال اللبنانيون، باتوا في صراع مكشوف مع العمال السوريين، صراع ابتدأ على صخرة الروشة وانتقل مبرمجا إلى مؤسسات سياسية، ربما أخذ واحدة من تجلياته في ما قام به تنظيم "شباب لبنان الحر"، حين أقدموا على بيع الخضار والفواكه على امتداد شارع الروشة حاملين العلم اللبناني ومثبتينه فوق عربات البيع، وكأنهم سيؤكدون عبر هذه التظاهرة شعار لبنان للبنانيين، وهو شعار ثبّت فوق الكثير من عربات البيع، لتطرح تلك التظاهرة الأسئلة المؤجلة ، المتصلة بالعمالة السورية في لبنان.. وبعد أحداث نالت من العمال السوريين في لبنان؟

في منطقة برالياس، ستختلف أحوال العمال السوريين عنهم في (وطى المصيطبة) ومنطقة (الفاكهاني) المنطقتين اللتين يسكنهما عمال وعائلات سورية تعيش وتعمل في لبنان، والاختلاف بالإضافة إلى كونه يتصل بنظام العمل، كذلك يتصل إلى حد بعيد بالنظام الأخلاقي الذي يعيشه تجمع العمال السوريين في بر الياس.. في حي الوطى والفاكهاني، يعيش العمال السوريين على حزام المدينة، وفي بر الياس يعيشون في تخوم الريف.. في الأولى يعملون في بيع الفول والعرانيس والخدمة المنزلية، وفي المنطقة الثانية يعملون في حقول الزراعة.. في قطاف البطاطا.. قطاف الليمون ومزارع الدخان، ولكل مجموعة من هؤلاء العمال السوريين، وسيط يؤمن فرص العمل مقابل نسبة من دخلهم يتقاسمها مع العاملين، وفي هذه المنطقة ستعثر على عائلات تعمل مجتمعة في الحقول:

-الأب / الأم / الأطفال، فتعيش العائلة برمتها خلال مواسم محددة في الريف

عمال برالياس ، يعيشون في الخيام صيفا، وفي تلك الخيام سيعثرون على مساحة للنوم لا تتنافى والنظام الطبيعي العام.. نظام نوم لا يفرض على الجسد توقيتا مختلفا عن توقيت الليل والنهار، غير أن لهؤلاء حزمة من الأوجاع :

-يتقاضى العامل من هؤلاء 10 آلاف ليرة لبنانية عن 10 ساعات عمل شاق في اليوم، 2000 ليرة منها تذهب للوسيط ، وهذه الأجرة تبلغ نصف أجرة العامل اللبناني الذي يعمل في ذات العمل وساعاته، مع ذلك سيجد العامل السوري تقبلا لهذه الظروف، ما يسمح لسيدة وصلت برالياس من منطقة إدلب السورية بالقول:

:" أننا نعمل هنا محاولين طيلة المواسم التي نطلب فيها.. أن لا نشتري شيئا من لبنان.. فوارق الأسعار في السلع مابين سوريا ولبنان يؤمن لنا فرصة للادخار"

السيدة التي تبحث وزوجها عن فرصة للادخار ، تتأسف كثيرا لأنها انتزعت أطفالها من مدارسهم وألحقتهم مبكرا بالعمل الزراعي، غير أنها ستواسي نفسها بعد قليل بالقول:

" وماذا ستفعل الدراسة والشهادات العليا لهم؟ ما نفع الشهادات؟

المسافة مابين برالياس وحي الوطى، تتطلب المرور في منطقة شتورا وعلى سلسلة من القرى الصغيرة وصولا إلى بيروت، والفوارق قد تبدو شديدة مابين سكان الأولى من العمال السوريين وسكان الثانية، فبينما سيصطف العشرات فجرا بانتظار دورهم لدخول المرحاض في حي الوطى، لن يعاني المقيم في برالياس من استخدام الفضاء المكشوف للريف في تلبية احتياج ضروري تتقاسمه الكائنات الفقرية وصولا إلى الإنسان، غير أن المسافة إياها، وهي المسافة الفاصلة مابين دمشق وبيروت تستلزم الكثير من البحث في العلاقة مابين:

- بلدين

نموذجين اقتصاديين وسياسيين مختلفين

الأول ونقصد اللبناني، كان قد انتهج ومنذ تكوينه اقتصاد السوق والثاني ونقصد سوريا انتهج منذ استلام حزب البعث للسلطة عام 1963 سياسة الاقتصاد الشمولي، ليصل مطلع القرن الواحد والعشرين الى حيرة في الخيارات الاقتصادية ، كما حيرة في الخيارات السياسية، حيرة تعبيراتها في :

نحو أي اقتصاد ستذهب البلاد؟ وكيف بالوسع وضع حلول لمشاكل البطالة في سوريا؟ وماهي الحلول لمشاكل العمال السوريين في لبنان؟ وما الذي سيترتب فيما لو أخرجوا من لبنان؟ وماهي تداعيات ذلك على العمالة السورية في لبنان؟

واحدة من أكبر المشاكل التي تواجهها الحكومة السورية تتمثل في كون قطاع الدولة في سوريا هو القطاع الأوسع في البلاد، ففي هذا القطاع يبلغ عدد العاملين: (1,168،811 ) عامل، وهو قطاع خاسر بمعظم مؤسساته كناتج مجموعة عوامل منها سياسات الفساد والنهب وبطئ إيقاع هذا القطاع وانعدام مرونته وضعف الكفاءات في إداراته، ما يهدد هذا القطاع بالإفلاس، وبالتالي ما سيزيد من حجم البطالة في البلاد خاصة وأن معدلات النمو السكاني تتطلب حسب الإحصاءات الرسمية السورية (وهي إحصاءات غير دقيقة كالعادة) تتطلب خلق وظائف للقوى العاملة المتزايدة بمعدل 3,3% سنويا، كما تتطلب رفع مستوى الأجور ، إذ لا تزال الأجور الحقيقية راكدة عند مستويات عام 1970 ، فيما يرتفع حجم الإنفاق العسكري، ويعاق نمو بنى رأسمالية طيبة تعمل خارج التوكيلات ، لتعود بفرص عمل جديدة على الشباب السوريين، وكل ذلك يأتي بعد الإغلاق النسبي لبوابات العمل في دول الخليج العربي، وقد كانت نافذة هامة لاستيعاب العمالة السورية اذ بلغت 400 مليون $ خلال الفترة 1979/1989 سنويا، ونحو 500 مليون $ خلال الفترة 1990/2000 سنويا عدا التحويلات العينية (السلع) والمبالغ النقدية التي يتم إدخالها

إلى البلاد بطرق غير قانونية (لا يصرح عنها) وهي مبالغ تفوق بكثير حجم المبالغ التي يتم إدخالها بصورة قانونية الى سوريا، وهذه النافذة باتت على وشك الانغلاق، ما سيساهم في تفاقم مشكلة البطالة في سوريا، بصفتها عنصر سيجاور العناصر الأخرى من عناصر الإحباط التي يواجهها الاقتصاد السوري، فإلى أين سيعود العمال السوريين العاملين في لبنان؟

هذا السؤال سيتقاسمه العمال السوريون مع العمال اللبنانيين في لبنان.. العمال السوريين ومنهم عامل رخام يقول:

" إنني أعمل هنا بنصف أجرة عامل لبناني، وفرص العمل بالنسبة لي في سوريا ضئيلة، ولن أغادر لبنان بإرادتي" ، والعامل اللبناني طاهر ملاعب من قرية بيصور يقول:

" العامل السوري يأخذ فرصتي في العمل بسبب انخفاض أجره"

وسياسي لبناني محترف ينتمي إلى تيار ميشيل عون يقول:

" في سوريا تعدد هائل لمصادر الثروة.. نفط.. غاز طبيعي.. زراعات متنوعة.. بيئة صالحة للمنشآت السياحية.. وبحر متوسط.. فلتحل الحكومة السورية مشكلاتها مع أبنائها.. الحل ليس باحتلال فرص عمل اللبنانيين".

في حي الوطى، سيكون على العمال السوريين مغادرة هذا الحي إذا ما طبق قرار 1559، وإذا ما غادر هؤلاء فمالا شك فيه أن مجموعة كبيرة من العقاريين اللبنانيين ستشيد سلسلة من الفنادق فوق هذا الحي القريب من فندق السمرلاند والفندق الباذخ ( فور سيزينس ) للأمير السعودي الوليد بن طلال.

إذا ما أخلي هذا الحي من العمال السوريين، لن تجد طابورا من المصطفين لقضاء حاجة الصباح أمام المرحاض المفرد لسكان الحي.

وآخر الأسئلة ماهو حال العمال السوريين في لبنان فيما لو تبادل البلدين السفارات؟ هل سيجد العامل السوري في بيروت مكانا لقضاء حاجته تحت ظلال الدبلوماسيات الأنيقة؟