معلمو الأردن: ثورة الهندام

تاريخ النشر: 25 مارس 2010 - 01:06 GMT
تقرير- محمد الفضيلات

يقطع أستاذ الأحياء (ي .أ) ما يزيد على 60 كيلو متراً يومياً للوصول إلى المدرسة التي يدرّس بها في منطقة غور الأردن، ومثلها للعودة إلى مكان سكنه على حدود العاصمة.

يصف المعلم البالغ من العمر 26 عاماً تلك المسافة برحلة العذاب اليومية، التي لا تعود عليه نهاية الشهر سوى بـ "الحد الأدنى الذي يمكنه من الحياة" حسبما يقول معلم الأحياء الذي مضى على عمله في مجال التعليم ثلاث سنوات، ويتقاضى 304 دنانير( 420) دولار شاملة جميع العلاوات.

يبلغ عدد المعلمين في المملكة قرابة 120 ألف معلم ومعلمة حسب إحصاءات وزارة التربية؛ يتوزعون بين 80 ألفاً في المدارس الحكومية، و40 ألفاً في المدارس الخاصة ووكالة الغوث. ويرزح هؤلاء تحت ظروف عمل صعبة وواقع اجتماعي سيىء بحسب عضو لجنة متابعة إعادة إحياء نقابة المعلمين عبد الغفور القرعان، الذي يقول "إن المعلمين هم الفئة الأكثر تعرضاً للظلم على صعيد الرواتب والترقيات والعلاوات"، ويخصص معلمو وزارة التربية بقوله " الأصعب حالا".

الواقع المتردي للمعلمين ، لم يخفه وزير التربية والتعليم إبراهيم بدران، بقوله "الوزارة لا توفر جهداً إزاء الأوضاع المالية للهيئة التدريسية". بدران الذي مثلت تصريحاته اعترافاً ضمنياً بالواقع الاقتصادي السيئ للمعلمين، أفصح عملياً عن عدم اقتراب الحل، حين أشار إلى أن "علاوة الـ 5% لا زالت قيد الدرس بسبب الأوضاع المالية التي تعاني منها الحكومة".

رئيس الوزراء الأردني سمير الرفاعي أكد حرص الحكومة على الارتقاء بأحوال المعلمين وتوفير الأفضل لهم، وأشار الرفاعي في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية –بترا- نشرت في 23 آذار/مارس 2010 إن خطة الحكومة التنفيذيّة للعام الحالي، وضعت على رأس أولوياتها تحسين مستوى معيشة المواطنين، بكافة قطاعاتهم وشرائحهم، وأن قطاع المعلمين يحظى بكلّ الرعاية والاهتمام من قبل الحكومة، نظرا لدوره الرائد في المجتمع.

وقال "كرامة المعلم فوق أيّ اعتبار".

بدران الذي أقر بتغير مكانة المعلم ونظرة المجتمع له، حمّل المعلم مسؤولية ذلك التراجع، في ما يحمل الأستاذ (ي.أ) وزارة التربية، المسؤولية عن تغير نظرة المجتمع تجاه المعلم، متسائلاً ، "هل على المعلم أن يتحمل وحيداً الأوضاع السيئة التي وضعته وزارة التربية فيها؟"، مسلماً بأن نظرة المجتمع تغيرت تجاه المعلم الذي أصبح يضطر تحت وقع الحاجة إلى العمل بأعمال لا تتناسب مع طبيعة مهنته بهدف زيادة دخله. وهو لا يرى ضيراً من الاعتراف بأنه يعمل خلال المساء في "سوبر ماركت" بمهنة ترتيب البضائع، مقابل أجر شهري يبلغ 225 ديناراً.

العمل في السوبر ماركت يشاركه فيه زميل أخر يعمل معلم صف. معلم الصف الذي طلب الإشارة إليه باسمه الأول "محمد"، يبرر عمله في ترتيب البضائع بعدم وجود فرص لتدريس الخصوصي للأطفال.

الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية التي بات يعاني منها العاملون في مجال التعليم، يرجعها عضو لجنة متابعة إعادة إحياء نقابة المعلمين عبد الغفور القرعان إلى عدم وجود جسم نقابي يدافع عن حقوق المعلمين. ويضيف "عدم وجود نقابة للمعلمين جعلهم فريسة للتهميش".

النقابة هي الحل

جهود إعادة إحياء نقابة المعلمين الأردنية التي مضى على إلغائها خمسون عاماً ونيّف في أعقاب إعلان حل الأحزاب وحل الأحزاب وإعلان الأحكام العرفية العام 1957، باتت تشكل أملاً لدى المعلمين لتحسين أوضاعهم، والدفاع عن قضاياهم، بحسب مدرس الحاسوب (ص.ع)، الذي يضيف بأن المعلم يحتاج إلى من يمثله ويدافع عنه في وجه "تغول" القوانين عليه.

القرعان يؤكد أن إعادة إحياء النقابة، سيحل الكثير من مشاكل المعلمين، خاصة بوجود جهة مخولة بتبني قضاياهم ومشاكلهم ومطالبهم، قائلاً "الإضرابات التي شهدها قطاع التعليم في أعقاب تصريحات وزير التربية عن هندام المعلم ما كانت لتتم لو كانت هناك نقابة تبنت الدفاع عن المعلمين"، ويرى أن المعلم الذي أضرب رداً على تصريحات اعتبرها مسيئة، سيلجأ للإضراب في كل مناسبة يريد فيها إيصال صوته، ما سينعكس بشكل سلبي على واقع العملية التربوية.

وكان الوزير الوزير دعا المعلمين في معرض رده على مطالبهم بإنشاء نقابة في 14 آذار/ مارس إلى "حلاقة ذقونهم" و"الاهتمام بملابسهم"، بدلاً من التذمر والمطالبة بإنشاء النقابة.

وزير التربية ، يعتبر أن الموافقة على استحداث نقابة للجسم التعليمي سيؤدي إلى "تسييس" هذا الجسم برمته، وأن مضارها ستكون أكثر من حسناتها على العملية التعليمية من خلال الإضرابات والاعتصامات وتقديم "الاشتراطات" التي ستحدث خللاً في موازين المشروع التربوي.

يختم بدران موقفه من النقابة في تصريحاته لوكالة الأنباء الأردنية- بترا في 13 آذار/مارس 2010 بقوله "إنشاء نقابة للمعلمين أمر مرفوض تماماً وغير قابل للنقاش نظراً لمخالفته للقانون".

ثورة الهندام

المعلمون استغلوا تصريحات الوزير التي وصفت بـ "مسيئة" لتنفيذ إضراب جزئي عن العمل شمل غالبية مدراس المملكة.

المضربون طالبوا الوزير بالاعتذار عن التصريحات "المهينة"، ، إضافة إلى تقديم استقالته .

وخلال الإضرابات، عبّر المعلمون بطرق مختلفة عن امتعاضهم من تصريحات الوزير، وصلت في بعض الأحيان إلى حدّ الدعابة والتندّر.

ففي مدراس الكرك (جنوب المملكة)، قام عدد من المعلمين بحلق رؤوسهم وتقليم أظافرهم أمام الطلبة كنوع من الاحتجاج، وبحسب معلم شارك في إضرابات الكرك، فضّل عدم الكشف عن اسمه خشية تعرّضه إلى عقوبة إدارية، فإن الوزير حوّل المعلمين إلى "نكتة"، مضيفاً أن الطلبة بدأوا يطلقون نكاتاً على المعلمين من وحي تصريحات الوزير، مثل "ماكينة حلاقه لكل معلم".

بدران، وأمام انتشار حمى الإضراب، لم يتأخر في تقديم اعتذاره للمعلمين عما بدر منه من تصريحات، مؤكداً أن ما ورد من تصريحات نُشرت في وسائل الإعلام على لسانه كانت "محرّفة"، ولافتاً إلى أن حديثه كان في سياق "المعلم القدوة".

تصريحات بدران حول المعلم القدوة، تتقاطع مع ما يذهب إليه الأكاديمي والخبير التربوي حسني عايش، الذي يؤكد "ضرورة أن يكون المعلم قدوة لطلبته في سلوكه وهندامه، وليس فقط في معرفته وعلمه".

عايش قال ، إن للهندام "أثراً تربوياً مهماً في العملية التعليمية"، مضيفاً: "لا يتعلم الأطفال من كلام المعلم فقط، بل يتعلمون من خلال لبسه وسلوكه الذي يؤثر فيهم".

النقابة والدستور

المجلس العالي لتفسير الدستور كان أصدر في 13 كانون الثاني/يناير 1994، قراراً بعدم دستورية إنشاء نقابة للمعلمين، لأنها تخالف نص المادة 120 من الدستور.

وجاء في القرار أن معلمي وزارة التربية والتعليم موظفون عموميون، ويخضعون لنظام الخدمة المدنية الصادر بموجب أحكام المادة 120 من الدستور، وأن الأحكام الدستورية لا تجيز إصدار قانون لنقابة المعلمين.

المادة 120 من الدستور تحصر التشريعات في الأمور المتعلقة بالموظفين العموميين بمجلس الوزراء، دون إعطاء هذا الحق للسلطة التشريعية.

خشية الوزير من تسييس النقابة، يقابله اتهام من قبل المطالبين بإحيائها بأن الأسباب السياسية وليست القانونية هي التي تقود إلى حرمان المعلمين من حقهم قي التنظيم النقابي، بحسب أمين سر اللجنة التحضيرية "لاتحاد المعلمين" محمود البستنجي.

اللجنة التحضيرية المشار إليها تشكلت مطلع تسعينيات القرن الفائت، من معلمين ينتمون إلى أحزاب يسارية وقومية معارضة، حملت لواء المطالبة بإنشاء اتحاد للمعلمين الأردنيين، أو إعادة النقابة التي ألغيت العام 1957.

وبحسب البستنجي، فإن إنشاء النقابة بات وشيكاً بسبب إحساس المعلم بضرورة وجود جهة تدافع عنه.

وشهد شهر آذار/مارس 2010 تعالي الأصوات المطالبة بإعادة إحياء النقابة، من خلال التداعي لعقد اجتماعات موسعه في أندية المعلمين التي أغلقت أبوابها أمامهم.

الوزارة دافعت عن قرارها منع المعلمين من الدخول بعدم تلقيها طلب لعقد لقاء أو اجتماع للمعلمين في مقر النادي، بحسب تصريحات الأمين العام للوزارة الدكتور فواز جرادات لصحيفة الغد في 11 آذار/ مارس.

وسبق دعوات لجنة متابعة إحياء النقابة للاجتماع، حملة جمع تواقيع خلال شهر شباط/ فبراير في صفوف المعلمين للمطالبة بإعادة إحياء النقابة.

ويحاول المعلمين والداعمين لهم إزاحة المخاوف السياسية التي أشار لها وزير التربية في حال إنشاء نقابة من خلال التأكيد بأن الهدف من مطالبهم هو تنظيم المهنة من خلال إطار نقابي، دون أن تتعداه لتكون منبراً سياسياً، بحسب القرعان، الذي حّذر بأن "المعلم يعيش حالة احتقان يجب التعامل معها بشكل جدي".