معلقات على الجدار العازل

تاريخ النشر: 10 مارس 2009 - 09:42 GMT

جنين- عاطف أبو الرب :

 كما هي العادة، ورقيات باللغتين العربية والعبرية معلقة في مكان ما على مقطع من جدار الفصل العنصري، وذلك للإخبار بأن إسرائيل ستمدد سريان قراراتها بخصوص مصادرة ما التهمه هذا الجدار اللعين، وما يحيط به من أراضي. هذا ما يكتشفه عدد من الفلسطينيين عند اقترابهم مجازفة من الجدار.

بالأمس قادني عملي للعديد من المواقع القريبة من الجدار، وعندما وصلت إحدى البوابات الزراعية، التي لم يتم فتحها منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر، لاحظت وجود أوراق بيضاء، يغلفها كيس ومعلقة بإحكام على البوابة. ولسابق خبرتي بمثل هذه الأوراق قررت أن آخذها، وقد شجعني على هذه الخطوة أنني كنت برفقة مصور أجنبي حضر خصيصاً لالتقاط صور للجدار.

لم يحتاج الأمر كثيراً من الوقت لمعرفة كنه وسر هذه الأوراق، فهي صورة من قرار إسرائيلي بتمديد العمل بقرارات سابقة بخصوص وضع يد على الأراضي داخل الجدار، وفي محيطه.

وحتى يكن واضحاً للجميع أن هذه الأوراق توضع لإخلاء طرف الاحتلال قانونياً من الناحية الشكلية، يكفي أن نقول أن تاريخ وضع هذه الأوراق مضى عليه أكثر من شهر من هذا التاريخ. وعليه فإن المدة القانونية التي يعطيها قانون الاحتلال، شكلاً، للاعتراض قد انتهت، ويصبح القرار ساري المفعول، علماً أن جدار الفصل العنصري واقعاً لا يغيره أي اعتراض من قبل مواطن، كما لم تغيره كل الاعتراضات التي تقدمت بها مؤسسات وجمعيات حقوق إنسان، وجماعات من المواطنين.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه القرارات، تشمل عشرات المناطق الممتدة من شرق وشمال الضفة الفلسطينية إلى وسطها. حيث صار الاحتلال يتصرف في مثل هذه الحالات بقرارات من باب ذر الرماد في العيون، وأصبحت مئات العائلات تتأثر بقرار واحد، علماً أن هذه العائلات لا يربطها بغيرها من العائلات سوى أنها تتأثر بقرار واحد موقع من قبل ضابط من ضباط الحكم العسكري في الضفة الفلسطينية.

أخطار كثيرة تحملها هذه القرارات التي ينظر لها البعض باستخفاف، فيما ينظر لها البعض الآخر بخوف، دون أن يكلف نفسه العمل لتبديد هذا الخوف. وبعيداً عن التهويل والتطبيل والتزمير فإن دولة الاحتلال استندت على مثل هذه القرارات بترسيخ واقع يصعب تغييره في المنظور القريب.

الاحتلال بدوره يسعى لتغليف عدوانه بقرارات يوحي أنها لها الطابع القانوني. لذا نجده يصدر مثل هذه القرارات، ويبين للقارئ أن من حق الفلسطيني الاعتراض. ويبدو ذلك واضحاً، ومن الناحية النظرية ممكناً. ولكن إذا ما راجعنا مجموع الاعتراضات التي تقدم بها الفلسطينيون من الاحتلال حتى اليوم، لتأكد لنا وللجميع أن الأمر ينتهي عند تقديم الاعتراض.

هذا السلوك لدولة الاحتلال أوقع المواطن في حيرة من أمره. فلو قرر أحدهم الاعتراض على قرارات الاحتلال، فكأنه يوافق على حكم الجهة التي سيعترض لديها. ولأن الفلسطيني يدرك أن الحكم سيكون حتماً لصالح الاحتلال، فإنه يتردد كثيراً قبل أن يقرر الاعتراض لدى مؤسسات الاحتلال. وهنا فإن الغالبية العظمى من السكان تفضل التزام الصمت ، وعدم الاعتراض، وهنا خطر آخر يتهدد مستقبل الأرض، فعدم اعتراضهم على قرارات المؤسسة العسكرية، وكأنهم موافقون ضمناً على هذه القرارات.

وحتى لا يفهم أن الاعتراض- على قلة أهمية- أمره سهل، فيكفي أن يعرف المتابع أن الاحتلال غالباً ما يخفي إعلام الناس بنواياها، حتى لا يبقى لديهم ما يكف يمن الوقت. ومع أنه يقوم بتوزيع هذه الاخطارات، إلا أنها توزع في أماكن قد لا يصلها بشر خلال المهلة الممنوحة من جيش الاحتلال للمواطنين.

ترى هل يقف الأمر عند هذا الحد؟ بالتأكيد لا، فإن الاعتراض على قرار مت هذا القبيل يحتاج الكثير من الوثائق والبيانات التي بدونها لا يمكن لمواطن التقدم باعتراضه. ومن بين هذه الوثائق على سبيل المثال، إخراج قيد، وفي الغالب يكون من دوائر الاحتلال، وما أدراك ما دوائر الاحتلال. ويكفي أن نقول في هذا المجال أن إخراج قيد مضى عليه أشهر قليلة، لا يقبل من قبل مؤسسات الاحتلال، ويحتاج المواطن وثائق حديثة، وقد لا يتمكن لظروف كثيرة من الحصول عليها في غضون الفترة الممنوحة للاعتراض.

والسؤال هنا، إذا ما قيمة هذه الاخطارات لدى المواطن، ولدى دولة الاحتلال؟ أما بخصوص المواطن فإن قيمتها سلبية، فهي في غير صالحه، كما أوضحنا سالفاً. ونظراً لغياب المرجعيات فإن الكثيرين من المواطنين لا يعرفون ما عليهم فعله حيال هذه الإخطارات، فإن احتفظوا بها قد تسبب لهم الإدانة، بأنهم لم يفعلوا شيئاً لإبطال مفعولها. وإن تجاهلوها، فإن ذلك قد يخلي طرف الاحتلال في حال توفرت إمكانية لإجراء محاكمات تتعلق بالسيطرة على ممتلكات الغير. واعتقد أنه يتوجب على المؤسسة الفلسطينية أن تبحث عن صيغ يمكن من خلالها توجيه المواطن للسلوك الصحيح.

أما بخصوص الاحتلال فعلى جميع الصعد يحمي نفسه ومؤسساته من الوقوع في الأخطاء القانونية، على الأقل من وجهة نظر القانون الإسرائيلي. فلو فكر فلسطيني الاعتراض ورفع دعوى على جيش الاحتلال، فإن هذه الاخطارات توفر الغطاء القانوني للجيش للتملص من مسؤولية اغتصاب أملاك الغير. القضية الأخرى المهمة، وهي أنه صيغة هذه الإخطارات تتلاءم مع قوانين الاحتلال، التي تصب في خدمة تمكين الجيش ومؤسسات الاحتلال من السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وبذلك فإن التوجه للمحاكم الإسرائيلية سيثبت حق الجيش بالسيطرة، وبذلك فإن الإخطارات ورقة ضاغطة بيد الاحتلال، يضغط بها على الكل الفلسطيني.

من هنا لا بد من وجود مرجعية قانونية فلسطينية يمكن الرجوع إليها والاعتماد عليها بمتابعة شأن هذه الأراضي. حيث لا يمكن أن تبقى قضية الصراع على الأرض تدور رحاها بين مواطن لا يملك من الخبرة والمعرفة، والمال ما يؤهله لملاحقة القضايا، وبين دولة الاحتلال بمؤسساتها. ولا يجوز أن يبقى الرهان على عامل الحق التاريخي، وعلى شعارات لا تصمد أمام آلة الحرب وقرارات تصاغ من قبل خبراء في القانون لتغيير الواقع. وإن كانت السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني لا تمتلك الخبرات والإمكانيات، فلا ضير بأن نستعين بالآخرين عربا ًوعجماً، فحتماً سنجد من يسقط إجراءات الاحتلال بحقنا، مهما غلفتها قوانين تصدر عن مؤسساته ودوائر مخابراته.