من وراء باب زجاجي مغلق ، نظرت الطبيبة بنظاراتها الطبية إلى عدسة الكاميرا وابتسمت ثم أشارت إلى ورقة مثبتة على الباب تقول ( الصيدلية مغلقة طبقا لقرار الجميعة العمومية لنقابة الصيادلة).
صورة معبرة تناقلتها وكالات الانباء مرفقة بأخبار إضراب الصيادلة المصريون بسبب تصاعد أزمتهم مع وزارة المالية المصرية بخصوص شريحة الضرائب ، بالتزامن مع إضراب قائدوا الشاحنات ذات المقطورة المطالبون بتغيير مواد فى قانون المرور والذي تم إقراره مؤخرا.
إضرابان جديدان يضعان خطوطاً جديدة في لوحة "الاضرابات " الجديدة على واقع السياسة المصرية .. اضرابات متكررة وفئوية يراها البعض ترسم مستقبل متغير للبلاد، ويراها آخرون تدفع بالنظام الحالي إلى حافة الهاوية .
يري الدكتور حسن نافعة الباحث في مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية أن تكاثر حركات الاحتجاج الاجتماعي وتصاعد مطالبها على نحو كبير ينذر بزيادة الأمور سوءا وتعقيدا بالنسبة للدولة وبالنسبة للمجتمع على السواء.
فبينما بدأت تظهر على المؤسسات الرسمية بمختلف مستوياتها علامات ارتباك وتشنج، عكستها زيادة حدة الممارسات الأمنية والقمعية، ولجوء متزايد وغير مبرر لأساليب التضييق والحصار.. راحت الأحوال العامة المواطنين تتعقد أكثر فأكثر، بسبب الزحام واختناقات المرور التي تبدو مستعصية على الحل ووصول التلوث إلى مستويات خطرة، واتساع نطاق عدوى الإضرابات والمظاهرات"
ومع نشر الصحف المصرية المستقلّة والحزبية لأخبار حركة الاحتجاج الواسعة التي تشهدها مصر والتي لم يسبق أن شهدت لها مثيلاً في تاريخها. فمن خبر اعتصام موظّفي الحكومة أمام مقرّ مجلس الوزراء، إلى خبر عن وقفة احتجاجية للمحامين، أو تظاهرة لطالبات جامعة الأزهر، أو إضراب لعمال مصانع النسيج الكبرى ..تتزايد الاضرابات وتنتشر ثقافة الاضراب في النسيج المصري .
ويقول يري الخبير الاعلامي سامي عبد العزيز عضو لجنة سياسات الحزب الوطني "للبوابة" أن تغطية الاعتصامات والاضرابات بشكل واسع، شكل بالتعاون مع نشاط بعض القوي اليسارية علي انتشار ثقافة الاضراب بشكل واسع ، واصبح أي مواطن يتعرض لمشكلة يفكر في الاعتصام او الاضراب لحلها ، ويري "عبد العزيز" أن انتشار هذه الثقافة على هذا المدي الواسع من شأنه أن يضر الدولة المصرية لأن الاضرابات العفوية تتم خارج اطار مؤسسات او تعاليم منهجية ، فبدلا من أن يتم تنظيم اضرابات تدريجية يحاول منفذوا أي اضراب تحقيق أكبر قدر من الصدمة للحكومة ولو علي حساب الشأن العام مثلما فعل الصيادلة مؤخرا .
شرارة البداية
يؤرخ البعض لحركة الاضرابات الاخيرة في مصر بإضراب عمال مصانع الغزل والنسيج في مدينة المحلّة الكبرى، الذي يعتبر بمثابة الشرارة الأولى التي توالت بعدها الاضرابات في مواقع أخرى في مدن شبين الكوم والسويس وميت غمر.. وإضراب عمال مطاحن جنوب القاهرة وعمال السكك الحديد والمعلمين.. وموظّفي الضرائب العقارية الذين استمر إضرابهم اثني عشر يوماً، وانتهى بعدما أمر الرئيس المصري أخيراً وزير المالية بالذهاب إليهم وقبول مطالبهم.
وهكذا ينضم موظّفو الضرائب العقارية إلى عمال المحلّة الذين استمر إضرابهم أسبوعاً، ولم ينفض قبل أن يذهب إليهم المسؤولون ويستجيبوا لمطالبهم وكان لافتاً أن أحداً من الوزراء، وبخاصة وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي، لم يهتم طوال الأيام الأحد عشر بالذهاب لملاقاة قيادات الموظّفين المضربين والمعتصمين بجوار مقرّ مجلس الوزراء، إلا عندما لفتت الجهات الأمنيّة النظر إلى خطورة الموقف.
قالت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركية في تقرير لمراسلها في القاهرة دان موروفي، إن إضراب موظفي الضرائب العقارية زاد في تنامي الاضطراب العمالي الذي يهدّد بإطلاق العنان لما أسمته الصحيفة «انفجاراً اجتماعياً» ضد نظام مبارك.
وأكدت الصحيفة أن النشاط العمالي المستقلّ محظور في مصر، مشيرة إلى أن الحكومة قامت في فترة الثمانينيات بقمع العمال المضربين، مما أدّى إلى مقتل العشرات منهم، وأضافت: «حدث بعد ذلك ما لم يكن متوقّعاً، فقد استمرت عشرات المصانع في إضرابها في الوقت نفسه من العام الماضي، وهي تلحّ في تنفيذ مطالب مشابهة لعمال المحلّة.. ومن ثم فازوا»
وقال التقرير إن مسؤولي الحكومة استجابوا لمعظم مطالبهم والآمال تحدوهم، حسبما يؤكّد محلّلون، بأن تتجنّب الحكومة ظهور حركة عمالية مسيّسة في وقت تلقّى فيه نظام الرئيس مبارك ضربات من الصحافة المحلّيّة وجماعة الإخوان المسلمين وذكرت الصحيفة أن مصر شهدت موجة غير مسبوقة من الاضرابات والاعتصامات والتظاهرات في مصانعها، شملت ٣٠٠ منها تضم ما يزيد على ١٥٠ ألف عامل، وتصاعدت إلى حدّ وصفها فيه المؤرّخ العمالي جيول باينن بأنها «أكبر حركة جماهيرية منذ فترة الخمسينيات».
القادم اسواء
تكشف الباحثة الدكتورة «هويدا علي» أستاذة العلوم السياسية في جامعة العلوم والتكنولوجيا، في دراسة قامت بها لتحليل ظاهرة الاحتجاج في مصر، عن تضاعف أعداد الاحتجاجات والاضرابات المضادة للحكومة، وتكاثرها بصورة تقترب من الوباء، فقد كان عددها في العام ١٩٩٨ مئة زادت الى ١١٥ في العام ٢٠٠١، ثم تصاعدت الموجة بشدّة لتصل إلى ٢٢٠ في العام ٢٠٠٦، وسجّل العام المنصرم ارتفاعاً ملحوظاً في الاضرابات والاحتجاجات الشعبية لمختلف الفئات في مصر، فقد وقع في نيسان (أبريل) ٥٧ احتجاجاً، وفي تموز (يوليو) ٩٧، وفي أيلول (سبتمبر) ٩٤.
وفي بحثها تقول أستاذة العلوم السياسية إن هذه الاحتجاجات بدأت في المناطق الصناعية المهملة، مثل كفر الدوار والمحلّة وشبرا الخيمة وحلوان.. لكن شرارة الغضب بدأت منذ عامين بعمال الغزل والنسيج في شركة إسكو بقليوب، احتجاجاً على بيع المصنع خوفاً على حقوقهم، وكانت توقّعاتهم صائبة، فقد انخفض عددهم بعد خفض العمالة، بعد خمس موجات من الاحالة على المعاش المبكّر والتقاعد، من ٢٤ ألف عامل إلى ٣٥٠٠ فقط، وهو ما جعل عمّال المحلّة يضربون عن العمل خوفاً من خصخصة مصانعهم، الى جانب مطالبتهم بزيادة الأجور وصرف مستحقاتهم وحل اللجنة النقابية وتقول الدكتورة «هويدا علي» إن المجتمع المصري لم يشهد مثل هذه الكثافة الاحتجاجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
من جهته يعلق نبيل عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية في مركز الاهرام علي اعوام الاحتجاج ويقول "للبوابة": تكاثر حركات الاحتجاج الاجتماعي وتصاعد مطالبها علي نحو بات ينذر بزيادة الأمور سوءا وتعقيدا، سواء بالنسبة للدولة وبالنسبة للمجتمع علي السواء.
وبينما بدأت تظهر علي مؤسسات الدولة الرسمية، بمستوياتها المختلفة، علامات ارتباك وتشنج، عكستها زيادة حدة الممارسات الأمنية والقمعية ولجوء متزايد لأساليب التضييق والحصار، راح إيقاع ونطاق الحركات الاحتجاجية لمؤسسات المجتمع المدني يزدادان سرعة واتساعا. ونعتقد أن الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في مصر منذ حوالي ثلاث سنوات خلقت، رغم ضعفها وتفتتها الظاهرين، زخما وتراكما كميا قد لا يمر وقت طويل ويتحول إلي تراكم نوعي، لكن ما الذي يمكن أن يفضي إليه تراكم من هذا النوع، وما السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن يحدث في مصر خلال الشهور أو السنوات القليلة القادمة؟
ويلاحظ الباحث الدكتور مجدي عبد الحميد في دراسة له عن «الاعتصام والاضراب كآليّة ديمقراطية»، أن جميع الاحتجاجات، بما فيها الاعتصام والاضراب عن العمل، قد جاءت بطريقة سلمية ومنظّمة وواعية، بحيث أنها لم تتجاوز أهدافها المعلنة، ولم تصب أدوات الانتاج بالمصانع وجهات العمل المختلفة بأي نوع من أنواع التخريب أو حتى الايذاء البسيط، على رغم أن جميع القيادات التي برزت من خلال الاحتجاجات، هي قيادات طبيعية من مكان العمل عينه، ومعظمها لم يسبق له الاشتراك في أعمال سياسية منظّمة سواء حزبية أو غيرها، مما يدل على ارتفاع الوعي الفطري لدى العاملين.