مصر: بنات الشوارع يبعن اطفالهن

تاريخ النشر: 02 مارس 2009 - 03:34 GMT
القاهرة-البوابة-احمد الشيخ

ملامحهن البريئة وأجسادهن الصغيرة وأفكارهم الطفولية لم تستطع الصمود أمام وحشة المبيت في أحضان الجسور ، ولا قسوة العيش علي أرصفة الشوارع ، أو حتي داخل الخنادق التي صنعوها لأنفسهم في المباني المهجورة ليتقاسموها مع الكلاب والقطط الضالة، كل هذا جعلهم يتبرئون من طفولتهم ، بل يتمردون عليها ليتظاهروا أمام كل من تسول له نفسه أن يستضعفهم بأنهم ليسوا من يطلقون عليهم " أطفال شوارع " ، فهم يرون أن من يستطع تحمل العيش تحت الجسور أو علي الأرصفة أو حتي داخل الحدائق والمباني المهجورة دون أن يستيقظ مفزوعا ليبحث عن أم تحتضنه أو أب يحنو عليه فلا يجد ، فهو بذلك ليس مجرد طفل ولكنه من الأبطال .

"بيع الأطفال " ليس في قاموسهم اللغوي ولكنهم يرون أنه مجرد طريقة للتخلص من طفل جاء إلي الدنيا نتيجة ساعات قضتها الأم مع أحدهم تحت أحد الجسور أو داخل أحد الحدائق ليلا ، احداهن تتحدث عن ليال حمراء قضتها مع أحد أطفال الشوارع وأنجبت بعدها طفل لم تدري أين تذهب به فباعته لأحد المارة ، وأخري تروي كيف أن العديد من الوسطاء تدخلوا ليقنعوها ببيع رضيعها ، وثالثة لا يتعدي عمرها الثالثة عشر لا تمانع أبدا أن يخلصها أحدهم من طفلها حتي يتسني لها اللعب مع أقرانها في الشارع ، تلك القصص التي رواها لنا أطفال الشوارع.." للبوابة"

هروب من القسوه..ولكن

ربما لا تتذكر " مني" عن أسرتها شيئا سوي ألوان العذاب التي كانت تتلقاها علي يد والدها الذي كثيرا ما كان يعود إلي البيت وقد ملأ فمه رائحة الخمر،ليبدأ في إصدار الأوامر مستخدما عصا خشبية لكل من لا يستمع له ،والأيام التي كانت تنام فيها خاوية المعدة لأنه لا يهتم بشؤنها وإخوتها ،بل وتتذكر جيدا اليوم الذي قررت فيه أن تتخلي عن تلك الحياة وتتجه إلي الشارع ربما كان أحن عليها، وقتها لم يكن يتعدي عمرها السبع سنوات ، ساعات طويلة قضتها تتجول في الشوارع يمينا ويسارا لا تدري أين تذهب أو إلي أي شخص تتجه ، أصابها التعب فإتكأت بجوار أحد الأعمدة ، وأغمضت عينيها فشعرت بأحدهم يميل عليها متسائلا " إنتي جديدة هنا ؟" ،إستيقظت لتجد فتاة في مثل عمرها كاد التراب أن يخفي ملامحها ، وإنبعثت منها رائحة لم تستطع مقاومتها ، فإبتعدت عنها وهمت بالرحيل إلي أن سمعتها تنادي عليها مرة أخري " أنا معايا ساندوتشات فول .. تيجي تاكلي معايا " ، فعادت مسرعة وكل ما يدور في بالها أنها لم تتذوق شيئا منذ الصباح ، وبدأ الإثنان في إلتهام الطعام ، ومنذ ذلك الحين وهما يتسولان سويا في الشوارع وعلي الكورنيش ، وعندما يشعران بالتعب يبحثان عن مكان يريحا فيه جسديهما النحيلين تحت أحد الجسور أو أمام أحد المساجد الكبيرة .

عشر سنوات مرت علي " مني " منذ قررت أن يصبح الشارع بيتها ، الحال لم يعد مثل الحال كما تروي " إحنا كنا إتنين لكن دلوقتي وصل عددنا عشرة بنسرح سوا وبنام كلنا مع بعض ، وبنخاف علي بعض أوي لإننا زي العائلة الكبيرة خصوصا إن في مننا عيال ما كملوش عشر سنين " ، لحظات صمت طويلة إستغرقتها قبل أن تروي أول ليلة قضتها بين أحضان أحد أطفال الشوارع ثم قررت الكلام " كان إسمه خالد وكنا بنسرح سوا وكلنا بنام مع بعض لحد ما جه مرة وقالي مش عاوزة تبقي مراتي قلتله يا ريت قالي طيب تعالي ننام هناك لوحدنا " ، توقفت " مني " عن الحديث مرة أخري ثم عادت لتكمل " طلبت منه أن نتزوج بعدها فوعدني بأن يفعل ولكنه إختفي فجأة ، وفوجئت بعدها بان كل العيال عرفت اللي حصل بينا ، بس أنا نسيت الموضوع خلاص وإتعودت علي كدة لإن أول مرة بس إللي كنت خايفة فيها ".

" مني" الآن أم لثلاثة أطفال ، هي في الحقيقة لا تتذكر من هو والد الطفلين الأولين ، ولكنها تمكنت من أن تتزوج والد الثالث عرفياً،بعد أن حاول الكثير من الوسطاء إقناعها بأن تبيع لهم الطفلين في مقابل ثلاثمائة جنيه للواحد ،وألمحوا لها بأنهم سيعطونهم إلي أحد العائلات الثرية التي ستهتم بهما وترعاهما ولكنها أصرت علي الرفض ، تقول مني " إحنا دايما بنعد قدام الجوامع الكبيرة وهناك كلنا عارفين بعض وعارفين قصة كل واحدة ، علشان كده الناس إللي عاوزة تشتري العيال بيبعتوا الوسيط لكبير المنطقة هناك وهو يتصرف ، وفي بنات كتير بتوافق علشان تخلص من العيل وتعرف تعيش حياتها من غير ما حد يقولها إبن مين ده وفين شهادة ميلاده ".

نقص الخبره

الدكتورة عزة كريم استاذ علم الاجتماع قالت "للبوابة" ان هذه النتائج المتوقعة لظاهرة اطفال الشوارع خاصة ان الامهات في هذه الحالات يكون في الغالب مازالوا في سن الطفولة وليس عندهم خبرة كافية بالعناية بالاطفال وكذلك ظروفهم تجعلهم يهملوا فيهم بجانب ان الدولة لا تقدم لهم اي رعاية سواء صحية او مادية ولا يتم استخراج شهادات ميلاد لهم وقد حذرنا من قبل ان ظاهرة اطفال الشوارع في تزايد و ينتج عنها الكثير من الظواهر الكارثية كما حدث من عامان في في قضية اغتصاب اطفال الشوارع وهذه الظاهرة سوف تكون نتائجها الكارثية اكبر في المستقبل طالما هؤلاء الاطفال لايلقوا الرعاية الازمة .

ثمن بخس

" إحسان " ام اخري من اطفال الشوارع لا تتعدي الخامسة عشر عاما ، لم تستطع مقاومة الظروف المادية الصعبة التي تعرضت لها بعد أن وضعت مولودها ، حتي أنها كانت كلما قررت أن تتركه بجانب أحد المساجد وترحل تعود إليه مهرولة لتأخذه بين أحضانها وهي منهمرة في البكاء ، ولكن الحال لم يتبدل إلا للأسوأ وظروفها أصبحت أقسي حتي أنها لم تعد قادرة علي إرضاعه بسبب حالتها الصحية التي كانت تسوء يوما بعد يوم ، إلي أن إقترب منها أحد المارة بينما كانت جالسة أمام أحد المساجد الكبيرة ،وقال لها أنه يعلم بظروفها الصعبة جيدا، وعرض عليها أن يشتري منها رضيعها ويعطيه لأحد الأسر الثرية ، فكرت قليلا ونظرت إلي طفلها ، وإلي الثياب التي تكشف منه أكثر مما تستر ، وإلي يديه الصغيرتين اللتين ملأتهما الأتربة وبقايا فضلات الشارع ، وقررت أن تقبل الصفقة ، وناولته الطفل وتقاضت في المقابل 280 جنيها ، ولكنها أصرت أن يسمح لها برؤية الطفل كل بضعة أسابيع فوافق علي العرض بشرط أن يتوقف هذا مع بلوغ الطفل العامين .

 إحدي المشرفات بمؤسسة الأمل لرعاية أطفال الشوارع كانت قد إعتادت أن تري "إحسان "وطفلها بين الحين والأخر داخل المؤسسة التي تستقبل أطفال الشوارع بصفة يومية في فترة النهار ،حيث ينام الأطفال هناك قليلا ويتناولون وجبة الإفطار ويجلسون مع بعض الإخصائيات الإجتماعيات لبعض الوقت يتسامرون سويا لعل المؤسسة تستطيع إعادة إحداهن لأسرتها، تقول مروي خيري _ إخصائية في مؤسسة الأمل " عندما لاحظت أن " إحسان " تأتي دون طفلها سألتها عنه فقالت أن أحدهم إختطفه ، فلم أقتنع بكلامها لذا حاولت معها كثيرا حتي إنهارت في البكاء وأخبرتني أنها باعته لأحد المارة ، لكنها تطمأن عليه بين الحين والأخر ، فحاولت إقناعها بأن ما فعلته جريمة في حق إبنها وأن هذا الشخص من الممكن أن يغير سكنه فلا تري طفلها بعد ذلك ، فأسرعت إليه وإستعادت طفلها منه ، وقررت أن لا تعاود التفكير في هذا الأمر مرة أخري مهما ضاقت بها الدنيا."

ضحايا

الدكتور ضحي الغازي استاذ علم الاجتماع تؤكد ان اطفال الشوارع هم ضحايا مجتمع عندما لم يجدوا ماؤي كريم لهم اول مرة و اضطروا الي النزول الي الشارع ومرة اخري عندما تم استغلال ظروفهم السيئة ليبيعوا اطفالهم خاصة وانهم لم يجد اي عون يقدم لهم من اي جهة فقد انتهكوا من المجتمع ويتم انتهاكهم يوميا بتركهم في الشارع بدون تقديم اي رعاية لهم .

سنواتها الثلاثة عشر لم تشفع لها عند والدتها التي قررت أن تطردها هي وإخوتها الثلاث من المنزل فور أن حصلت علي الطلاق من والدهم،فلم تجد "دعاء عثمان " حل أمامها سوي أن تنتقل للعيش مع والدها وزوجته ، ولكنها عادت لتفاجىء بأن زوجة أبيها لا تطيقها وتحرمها من الطعام إذا لم تنفذ أوامرها ، "دعاء" قررت أن تتجه إلي الشارع ربما كان هناك من يحنو عليها فيه ، ولكنها إصطدمت بواقع أخافها كثيرا ، أطفال يتحدثون عن " الحاجات الوحشة " التي تحدث بين الأولاد والبنات _ علي حد وصفها ، والأوكار المظلمة التي يبيتون فيها سويا ، والبانجو و"الكولة" اللذين يستنشقانهما ليل نهار .

وأمام هذا العالم الجديد عليها لم تجد أمامها إلا أن تعود وتنصاع لأوامر زوجة أبيها مهما كانت قاسية عليها ، ولكنها فوجئت أن أختها التي تكبرها بعام غابت عن المنزل هي الأخري ، وصادقت بعض أطفال الشوارع ، ذهبت للبحث عنها ، وسألت كل من صادفها منهم ولكن دون جدوي ، ومرت عليها شهور لم تيأس خلالها من أن بحثها سيأتى بنتيجة ،إلي أن علمت من إحدي الأطفال أن أختها صادقت بعض الأولاد في الشارع ، بل إنهم أخبروها بأنها روت لبعضهم " الحاجات الوحشة " حدثت بينها وبين بعض الأولاد في الشارع ، ذهبت إلي حيث تتسول أختها وفوجئت بها تحمل طفلة صغيرة لم يتعدي عمرها أيام ، فسألتها عنها فردت الأخت " دي حبيبة بنتي " ، ومنذ ذلك الحين تولت " دعاء " مسئولية الطفلة الصغيرة ، تعتني بها وتطعمها وتحث أختها ذات الأربعة عشر عام علي أن تحسن معاملتها لكن دون فائدة ، تقول " دعاء ": أختي كل شوية تسيب البنت في الشارع وأروح أتحايل عليها علشان أعرف سبيتها مع مين وأخدها معايا البيت ، ودايما تقولي إنها نفسها أي حد يجي يعرض عليها إنه يشتري البنت زي ما حصل مع أصحابها علشان تعرف تخرج وتلعب مع العيال في الشارع زي زمان " .

الحل

حل هذه المشكلة تحددها الدكتورة نادية رضوان استاذ علم الاجتماع بكلية الاداب جامعة قناة السويس "للبوابة" بقولها علاج ظاهرة اطفال الشوارع من الاساس يتم بخطوات اولها النزول اليهم في مكان تجمع هؤلاءالاطفال ، وتقديم الخدمة الصحية والغذائية والرعاية الاجتماعية، وأن تتم هذه الزيارات بصفة دورية بين مؤسسة الاغاثة والاطفال حتي يكسب الاخصائي الاجتماعي ثقة هؤلاء الاطفال ويتم خلال ذلك دراسة حالة كل طفل علي حدة ويمكن تأهيل هؤلاء الاطفال في اماكن تجمعهم واستقطاب بعضهم في مراكز ايواء وتعليمهم مهن مختلفة او الحاقهم بمدارس مفتوحة وفقا لاهوائهم ومزاجهم الخاص لانه لا يمكن ان يثق هؤلاء في المجتمع مرة واحدة لانهم عاشوا في عزلة اجتماعية لعدة سنوات ولايمكن إعادته فجأة وإجباره علي الاقامة في مركز ايواء مرة واحدة.

واضافت الدكتورة نادية وكحل سريع لهؤلاء الاطفال من الممكن ان يكون هناك مركز ايوء لابناء اطفال الشوارع يتم ايداع الاطفال فيه مع السماح لاهلهم بزيارتهم و ان تقدم في هذه المراكز العناية الصحية والاجتماعية اللازمة لهؤلاء الاطفال .