تعرضت الفضاءات العربية مؤخرا للغزو من قبل مشعوذين بلغوا من التأثير حدا باتوا معه يسرقون الاضواء من نجمات طالما اقتاتت عليهن ما تعرف بقنوات "العري".
وقنوات "الشعوذة" هذه، والتي تبث برامج مثل: خبايا، حلمي، لما يدور القدر، تفسير الأحلام، نجوم وأبراج، كل ما تطلبه من المشاهد الاتصال او ارسال "ماسيج" يتضمن اسمه واسم امه كي ينكشف سره وتُحل مصيبته ويقرأ له قدره.وهي برامج كثيرة ابطالها الشيخ بوعلي، والشيخ أبو رجب، والشيخة أم سعيد، والشيخة أم وائل، وأم سلطان، والدكتور سعد والشيخ محمد. وهي تشهد اقبالا لافتا من المشاهدين.
وفكرة هذه البرامج، كما يوضحها تقرير لموقع "اسلام اون لاين" تقوم على سحب المشاهد للسحرة ومفسري الأحلام عن طريق مشاهدة التلفاز بدلا من الدخول بهم في سراديبهم المظلمة، والاتصال بهم عبر الماسيجات ليحكي عن مشكلته التي تدور بين المرض المستعصي، وتأخر الزواج، والعقم، والرغبة في معرفة المستقبل.. إلخ.
وبعد "قراءة الطالع والاتصال بالجان" يأتي الحل ملفوفا بعباءة الدين والقرآن فيعلم الشيخ السائل طريقة فك السحر وعمل الأحجبة، وذلك بكتابة أحدى الآيات القرآنية أو اسما من أسماء الله الحسنى الفا او الفي مرة في أشكال هندسية غريبة، ويحتفظ السائل بهذا الحجاب تحت وسادته العمر كله.
هذه باختصار نوعية البرامج التي تقدمها قنوات مثل: كنوز، شهرزاد، الحقيقة، جرس.. إلخ، والذي يمتد من كونه برنامجا إلى فترة بث القناة.
ويبدو أن القنوات الغنائية هي البداية لانتشار هذا النوع من المحطات الفضائية، فقد أعلن فضل القاسم مدير قناة "سهم" تغيير مسارها من الغناء إلى الأبراج والفلك بعد أن فشلت في تغطية تكلفتها خلال السنة الماضية.
وفي تصريحات صحفية اكد فضل أن الأيام المقبلة ستشهد تغيير اسم القناة، فقنوات الغناء لم تعد مربحة في سوق الفضائيات، و"التورتة" التي كان نصيبي منها "طبقا" مع قناة "سترايك" من إعلانات ورعاية للبرامج، لم يعد فيها "فتفوتة" وحتى الطبق الفارغ لم يعد موجودا لكثرة القنوات الغنائية التي تتصارع على الإعلانات مع الارتفاع المتزايد في النفقات.
ويبدو من كلام فضل ان الشيخ بوعلي والشيخة أم سعيد وأم سلطان، باتوا نجوما يجلبون المشاهدين الى شاشات محطات الشعوذة اكثر مما تجلبه نانسي عجرم او اليسا او هيفاء وهبي.
انحطاط ثقافي
وترجع سهير سند أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر الاقبال الكبير على هذه النوعية من القنوات الى الموروث الثقافي للمجتمعات والذي يدفعها الى الخرافات خصوصا في ازمنة انحطاطها.
وتقول إن "الإيمان بالخرافات وتصديقها موروث ثقافي مرتبط بالإنسان أينما وجد، يزداد وينتشر كلما زادت الضغوط والآلام، فهي ليست ردة أو عودة للتخلف كما يراها البعض، كما إنها ظاهرة ليست مرتبطة بالعرب وحدهم أو بمدى تطور الإنسان أو بمستواه الاجتماعي أو الثقافي وإنما ترتبط بغريزة الفضول والبحث فيما وراء الطبيعة".
وتضيف "يستمر الإنسان باحثا عن الأشياء التي تخفى عليه ولا يستطيع عقله إدراكها ويعلق عليها كل طموحاته وهمومه".
وهذه النوعية من البرامج ذات الجماهيرية الكبيرة لها نوعان من الجمهور، الأول: مؤمن بها ويبحث عنها رغبة في معرفة المزيد من أسرار هذا العالم الخفي، وهذا الجمهور يُغيِّب عقله بشكل متعمد ويصدق كل ما يحدث أمامه دون تفكير فيه أو مناقشته.
والثاني: غير مؤمن به ولكنه يشاهده من باب الفضول والتسلية وقد يشارك فيه ويقنع نفسه بأنه لم يقع فريسة للدجل ولكنه في قرارة نفسه يتمنى أن يصدق الدجال ويعطيه معلومة تفيده عن مستقبله.
عقلية الخرافة
ومن جهته، يقول عصام عبد الله أستاذ الصحة النفسية في جامعة عين شمس إن "التربية العربية مرشوشة بسموم الخرافات، حيث تبدأ معرفة الإنسان بالخرافة منذ طفولته عندما يسمع من أمه وجدته حكايات الجان والعفاريت، ويظل طول عمره يتخيل شكل هذا العفريت وقدراته الخارقة".
ويتابع "يظل الإيمان بالخرافة وقوى ما وراء الطبيعة مسيطرا على الإنسان فيلقي عليها أسباب همومه ومشاكله وأحيانا أخرى ينتظر منها الحل، وبدلا من استخدام التكنولوجيا في القضاء على هذه الظاهرة نجده يطوع التكنولوجيا لخدمة الخرافة مثل: الإيميلات ورسائل المحمول".
ويشير إلى أن المجال متاح للدجالين والمشعوذين على الفضائيات من خلال برامج مباشرة على الهواء لساعات طويلة، وقد يكون الدجال هو ممولها وليس مجرد ضيف، والهدف المعلن يتنافى مع الهدف الحقيقي المتمثل في الحصول على ثمن مكالمات المتصلين وجذب الإعلان.
وعلى صعيده يفسر كمال الشادي أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس الاقبال الكبير على هذه القنوات بقوله ان "الإنسان بطبيعته يميل لمعرفة جزء من المجهول، خاصة في الأمور التي فشلت في تفسيرها المختبرات والنظريات العلمية، وهو ما يعرف بسلوك الحيرة، وهو جزء من حياة البشر ولا يقتصر على طبقة معينة من الناس.
ويشير الى ان هناك علماء يصلون إلى درجات علمية كبيرة وينتابهم من وقت لآخر مثل هذه الأفكار لأنها موروث قديم ما يزال راسخا في سلوكياتنا البشرية.
ويقول الشادي انه على الرغم من معرفة البشر أن الدين يحرم مثل هذه الخرافات إلا أن بعض الشخصيات السطحية والهامشية والتابعة والمنقادة تميل إلى معايشة الخيال والدخول في متاهات الوهم أكثر من أن تتجه إلى الواقعية أو التعامل مع القضايا الحياتية بصورة عقلانية.
ويؤكد أن من أكثر المستجيبين لهذا النوع من الخرافة السيدات بنسبة 55% ويرجع ذلك إلى أسباب عدة أهمها: حالة الجهل الثقافي والديني والسياسي والاجتماعي، وعدم الفهم الحقيقي لأسباب الأمور، كما أنه كلما زادت الضغوط الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية والنفسية والخلافات الزوجية على الشخص أدت إلى عدم الثقة والإصابة بحالات القلق، خاصة عند النساء لأنهن أكثر عرضة لهذه المؤثرات ولزوالها يلجأن إلى أي وسيلة غير علمية للتخلص من هذه الأمراض حتى إذا كانت عن طريق هؤلاء المشعوذين الذين يتسترون تحت ستار ديني.
تحذير المشايخ
وكدأبهم، سعى علماء الدين الى تحذير الناس من هذه القنوات حال زميلاتها صاحبات "الرذيلة" و"العري"، مؤكدين حرمة التعامل معها وخطورته.
ووصفت فتوى وقعها عبد الرحمن بن ناصر البراك وعبد العزيز بن عبد الله الراجحي وعبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، ما تبثه هذه القنوات بانه "من اعظم المنكرات".
وقالت الفتوى ان "ما تبثه هذه القنوات من علم السحر والشعوذة والكهانة من أعظم المنكرات ومن أعظم الفساد، وإضلال الناس. وهي علوم تقوم على الكذب والدجل ودعوى علم الغيب بما يدعونه من النظر في النجوم والطوالع كما يقولون، أو مما يتلقونه من أصحابهم من شياطين الجن".
وتشير الفتوى الى ان هؤلاء "قد لا تكون لهم خبرة في هذه العلوم الشيطانية ولكنهم يدعونها كذباً وزوراً لكسب المال.. وهذه العلوم لا تروج إلا على الجهال والمغفلين وضعفاء الدين".
واستشهدت الفتوى بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "من أتى كاهناً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" وبما جاء في السنن من ان "من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".
واعتبرت ان ذلك يسرى "سواء ذهب السائل إليهم ببدنه أو اتصل عليهم بواسطة الهاتف الحكم واحد". وخلصت الفتوى الى انه "يجب الحذر من مشاهدة هذه البرامج فمشاهدتها ولو لمجرد الفرجة حرام وأما الاتصال على أصحاب هذه البرامج لسؤالهم ففيه الوعيد المتقدم. ويجب على أولياء أمور الأسر منعهم من مشاهدتها أو الاتصال على هؤلاء السحرة والمشعوذين".
وفي الاردن، خصص العديد من خطباء الجمعة مساحات كبيرة من خطبهم لتحذير الناس من هذه القنوات وما تبثه من "سموم". كما دعوا الى مقاطعتها وعدم التعامل معها باعتبار ذلك "محرما" في صحيح الشرع.