لإسرائيل هدف معلن واحد لحربها العسكرية التي تشنها على لبنان، وهو استعادة جنودها الذين قام حزب الله باختطافهم في عملية نوعية خُطط لها بدقة ونفذت بحرفية عالية نهار 12 تموز / يوليو 2006. غير أنه ليس بخفي أن لهذه الحرب أهدافها المبيتة، التي اختارت لها إسرائيل هذا التوقيت لتنفيذها، ووجدت في عملية حزب الله ذريعة لها. فمن الجلي، أن إسرائيل وإذ تُحاول أن تُعيد هيبتها العسكرية المفقودة بضربتين موجعتين خلال فترة زمنية قصيرة، فإنها، وبلا شك، تُحاول في ذات الوقت إحراز أهدافٍ بقيت معلقة على أجندتها الجيو-سياسية لفترة طويلة.
ومن بين هذه الأهداف المبيتة توجيه ضربة موجعة لحزب الله تفضي إلى القضاء عليه نهائياً؛ وتحقق بهذا الأمر غايات عدة من أهمها إنهاء آخر أثر للوجود السوري في لبنان، وتوجيه ضربة معنوية قاصمة لأي فعل مقاوم مستقبلي، والتأكيد من جديد على مقولة أن إسرائيل مهددة أمنياً لأنها محاطة ببيئة غير صديقة، فضلاً عن وضع حجر أساسي آخر في ترسيم حدودها النهائية بإقامة منطقة عازلة على بعد 20 كلم من الحدود الشمالية لإسرائيل، كما حدث في سيناء إثر اتفاق كامب ديفيد.
وإذ تراهن إسرائيل على أن تصعيدها العسكري عبر ضرب العمق اللبناني وبناه التحتية سيؤلب الرأي العام اللبناني ضد المقاومة اللبنانية وضد قيادته المؤيدة لها، فهي تراهن بشكل أكبر على الانقسامات اللبنانية الداخلية بشأن مواقفها من موضوع سلاح المقاومة ومفهوم السيادة الكاملة للحكومة اللبنانية. ومن هذا المنطلق، جاء تحميل رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، للحكومة اللبنانية مسؤولية عملية حزب الله، ليبرهن أن لبنان كدولة كاملة السيادة، عليها أن تتحمل مسؤولية أفعال الأحزاب الممثلة داخل حكومتها.
من جهة ثانية، تدرك إسرائيل جيداً أن الوضع الداخلي اللبناني منقسم على ذاته، خاصة في ظل مواقف القوى السياسية الثلاث الموجودة على الساحة اللبنانية والتي ترسم المشهد السياسي اللبناني مدفوعة بمواقف وأجندات بعضها لبناني وآخر إقليمي. فتجمع الرابع عشر من آذار المؤلف من قرنة شهوان والجانب السني والدرزي معروف بمواقفه المعادية لسوريا، ومؤيدٌ لنزع سلاح حزب الله ويُطالب بتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559؛ أمّا التيار الوطني الحرّ الذي يتزعمه العماد ميشيل عون فموقفه يتمثل في أن تستأثر مؤسسات الدولة بحمل السلاح والدفاع عن الوطن، مؤكداً في ذات الوقت أن مصير سلاح المقاومة يجب أن يتم تقريره عبر حوار داخلي؛ في المقابل فإن حزب الله وحركة أمل وأحزاب قومية ويسارية أخرى تعتبر أن الإبقاء على سلاح المقاومة هو ضرورة وسبيل أوحد لإعادة ما تبقى من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية.
وإذا ما انقسمت التيارات الثلاث تجاه العدوان الإسرائيلي الحالي، وتجاه مواقفها من عملية حزب الله فإن هذا سيُعيد الساحة اللبنانية إلى حرب أهلية بسبب الاختلاف في المواقف تجاه حزب الله، الأمر سيُضعف الساحة اللبنانية أولا وحزب الله ثانياً، ويُعطي مبرراً وغطاءً للأفعال الإسرائيلية المقبلة. بحيث يظهر أن هنالك موقفاً لبنانياً متناسقاً مع الموقف الدولي المتفق مع الموقف الإسرائيلي في ضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559 والضغط لتنفيذه بحرفيته.
وهذا يُغير قواعد المواجهة الإسرائيلية، فإن لم يرضخ حزب الله للموقف الإسرائيلي ولتنفيذ قرار مجلس الأمن، فإن إسرائيل ستزيد من تصعيد المواجهة مع حزب الله بحيث تدفع الأخيرة إلى ضرب مناطق حيوية في العمق الإسرائيلي، ترد من خلالها إسرائيل بضرب سوريا، التي ستحاول الاستنجاد بإيران. بحيث يجتمع محور " الشر " الثلاثي إيران – سوريا – حزب الله وبالمحصلة " حماس "، في منظومة واحدة، تفسح المجال أمام تدخل دولي بذريعة إعادة الاستقرار إلى المنطقة.
وإذا كان للولايات المتحدة أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، فإن أهداف إسرائيل تأتي منسجمة مع تلك الأهداف، خاصة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يهدف إلى إعادة ترتيب الخريطة السياسية في المنطقة، إذ لن تتوفر فرصة ذهبية أخرى لتحقيق الأهداف الأمرو-إسرائيلية أكبر مما يحدث الآن بين إسرائيل ولبنان.
ومن هذا المنطلق، يبقى الرهان الأساسي متمثلاً في ضرورة التوافق اللبناني الداخلي ووحدة صفوفه في مواجهة العدوان الإسرائيلي، إلى جانب عدم التهور في الرد على التصعيد الإسرائيلي المحتمل، على أن يتم في ذات الوقت الموازنة بين حجم ردود المقاومة ونوعيتها بحيث تكون موجهة ودقيقة تدفع باتجاه سحب البساط من تحت أقدام المخططات الإسرائيلية، وذلك عبر تأليب الرأي العام الإسرائيلي الداخلي تجاه حكومته، التي لن تصمد في وجه الخسائر البشرية التي قد تلحق بها، ما قد يدفعها باتجاه التهدئة والقبول بمبدأ التفاوض. لهذا، فالأمر يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة من قبل حزب الله أولاً والحكومة اللبنانية ثانياً، في سبيل ردها على إسرائيل.
*باحثة / المجلس التشريعي الفلسطيني