ماذا يعني قطع اسرائيل لصلاتها مع غزة؟

تاريخ النشر: 25 يناير 2008 - 03:35 GMT

البوابة-بسام العنتري

عندما تقرر اسرائيل قطع صلاتها مع غزة، فمعنى هذا انها تلقي جمرة القطاع التي الهبت يدها لعقود، الى حضن المصريين الذين ترى الدولة العبرية انهم وقعوا في "مصيدة" حماس، مثلها تماما.

لكن، هل سيحتمل الحضن المصري هذه الجمرة؟. الاسرائيليون غير متأكدين من ذلك، لكنهم يأملون على الاقل بان تنجح رميتهم اليائسة في خلط اوراق قضية غزة المعقدة، وبما يقود الى واقع جديد يصب في مصلحتهم.

والاسرائيليون عندما يتحدثون عن غزة اليوم، فانهم فعليا يتحدثون عن حماس التي تيقنوا اخيرا انها لم تكن مجرد مليشيا تحركها قيادة تفتقر للحنكة، وبان استخباراتهم فشلت بشكل ذريع في تشخيص قوتها.

ابرز محطات فشل الاستخبارات الاسرائيلية على هذا الصعيد كانت قد تجلت مع اكتساح حماس للانتخابات التشريعية الفلسطينية قبل عامين.

فقبيل الانتخابات، كانت تقديرات الاستخبارات تشير الى ان حماس وفي افضل الاحوال، لن تحظى سوى بكتلة معارضة صغيرة في المجلس التشريعي، وبان منافستها حركة فتح ستهيمن على المجلس.

وبعد ذلك، اشارت تقديرات الاستخبارات الى ان حماس لا تملك فرصة للانتصار في حال وقوع مواجهة شاملة في غزة بينها وقوات الامن الموالية لحركة فتح بزعامة الرئيس محمود عباس.

وجاءت ثالثة الاثافي مع اسقاط الجدار الحدودي بين مصر وغزة وما تلاه من فيضان بشري فلسطيني الى مصر، وهو ما لم يكن ايضا ضمن تقديرات الاستخبارات.

والان، وبعد فوات الاوان، تقول اسرائيل ان حماس خططت لتدمير الحدود منذ ليلة اغراق غزة في الظلام اثر قطع امدادات الوقود عن محطة الكهرباء الوحيدة في القطاع في اطار عملية احكام الحصار.

هل كان الفشل الاستخباري ناجما عن نقص في كفاءة الاجهزة الاسرائيلية؟ بالتأكيد لا، فصولات وجولات هذه الاجهزة لا تخفى، لكن الامر على ما تقول اسرائيل له علاقة بحماس نفسها.

فحماس على ما اتضح لاسرائيل، ولكن متأخرا، لم تكن تتحرك بعفوية وعبر ردود الفعل، بل وفق خطة اعدها باحكام اشخاص لا تنقصهم الخبرة في المسائل العسكرية واللوجستية وفي عالم الدعاية السياسية.

ايقنت اسرائيل كل ذلك، ولكن بعد فوات اوانها وانهيار الجدار!. وايضا ادركت ان خطة الحصار التي كانت تستهدف اجبار المنظمات الفلسطينية على وقف الصواريخ، كانت خطأ فادحا.

كانت غزة تئن بصوت خفيض في ظل سياسة التضييق، ولكن عندما نفد صبر اسرائيل على الصواريخ واحكمت الحصار واعتمت غزة، تسلطت اضواء الاعلام وتحول الانين الى صرخة هزت اركان العالم.

عرفت حماس كيف تقتنص الفرصة فاخرجت الى شوارع غزة المعتمة اطفالا ونسوة حملوا الشموع. وانتقلت الصورة الى ارجاء العالم، ولكن حرصت حماس على ان لا يكون في كادر الصورة أي مسلح!.

ومع البث الاعلامي المكثف كانت الشوارع العربية تزداد تعاطفا وغضبا، وبخاصة الشارع المصري.

وهنا قامت حماس بخطوتها الحاسمة، وهي تحطيم جدار الحدود.

وما حدث ان مصر لم يكن بيدها سوى السماح لجموع الهاربين من الحصار بالدخول الى اراضيها، ذلك ان منعها سيظهر بلادهم وكأنها تساعد اسرائيل في حصار الفلسطينيين.

في المحصلة، فشل الحصار، والصواريخ ستتواصل دون ان يكون بمقدور اسرائيل فعل شئ لوقفها، اللهم سوى اعادة احتلال القطاع، لكن هذا الخيار مستبعد باعتباره ذا تكلفة سياسية وعسكرية باهظة، ناهيك عن انه سينسف الاجندة الاميركية في المنطقة والمتعلقة تحديدا بايران.

ويجمل داني ايالون سفير إسرائيل السابق لدى الولايات المتحدة محصلة ما جرى بقوله إن إسرائيل دخلت "مصيدة" حماس. ويضيف "كان هذا فشلا كبيرا وكارثة تتعلق بالعلاقات العامة (...) وفقدنا الردع للمرة المقبلة".

والحل الاخير الذي تفتقت عنه ذهنية اسرائيل بعد فشل الحصار هو القاء جمرة غزة في حضن مصر عبر الاعلان عن قطع كافة الصلات مع القطاع، بمعنى التوقف عن تزويدها بالوقود والماء وغيرها، باعتبار ان هناك طرفا اخر يفعل ذلك، وهو مصر.

لعلها خطوة يائسة، لكن اسرائيل تعلم انها ستكون كفيلة بخلط الاوراق مجددا في المنطقة، وستنتظر على امل ان تصب الامور لصالحها في النهاية.

يقول البريغادير جنرال المتقاعد شالوم هاراري من معهد مكافحة الإرهاب في هرتزليا بالقرب من تل ابيب إن الوضع سيشكل الآن ضغوطا أكبر على مصر للعمل لصالح إسرائيل.

ولجهته يعتبر ديفيد ماكوفسكي مدير مشروع عملية السلام التابع لمعهد واشنطن ان "الفكرة كلها هي تحميل مصر على الأقل المسؤولية عما يحدث على الحدود وربما كذلك أن تسيطر على القطاع نفسه".

والسيناريو المتوقع لتداعيات قطع اسرائيل صلاتها مع غزة في حال اقدمت على هذه الخطوة يبدو ثوريا، فمصر ستواجه بضغط عربي لاجبارها على تأمين الاحتياجات الانسانية للفلسطينيين في غزة.

هذه الاحتياجات تستطيع مصر ببساطة توفيرها، لكن ما ستصطدم به هو ان اسرائيل ستتذرع في كل مرة يسقط فيها صاروخ على جنوبها بانه لم يكن ليسقط لو ان مصر منعت دخول الاسلحة الى قطاع غزة!.

بالكاد تستطيع مصر التخلص من تهمة التراخي في منع تهريب الاسلحة عبر الانفاق بينها وغزة، فما بالك بالتهمة الجديدة التي سيصبح سهلا الصاقها بها باعتبارها طرفا مسؤولا عن المعابر.

اذا، سيكون على مصر ان تتحرك لوقف الصواريخ عبر التدخل عسكريا في غزة مع ما يعنيه ذلك من صدام حتمي مع المنظمات الفلسطينية ومع الرأي العام الداخلي والعربي.

طبعا يمكن ان تشكو مصر من ان اتفاقية كامب ديفيد للسلام بينها واسرائيل تعيق قدرتها على التحرك في غزة بسبب انها تحدد عدد القوات التي يمكن لها نشرها في سيناء.

حينها ستواجه بتغير جذري في موقف اسرائيل التي ستقبل تعديل الاتفاقية، وهي التي كانت ترفض ذلك وبشكل قاطع.

خلاصة الامر ان النظام المصري سيجد نفسه في موقف لن يحسد عليه، لكنه مجبر على التعامل معه. الا اذا قام باحياء مقترح اوروبي سابق بنشر قوات دولية في قطاع غزة.

فمن شأن مثل هذه القوات ان تنقذ مصر من الموقف الذي ستجد نفسها فيه.

حماس كما هو معلن ترفض هذه القوات، ولخشيتها مما قد تؤول اليه الامور، فقد سارعت في اليوم الذي تلا تحطيم جدار الحدود الى دعوة مصر والرئيس محمود عباس للجلوس معا لترتيب وضع المعابر.

بهذه الدعوة تكون حماس دخلت على خط عملية جر الارجل. فهي تحاول جر رجل عباس مجددا الى دوامة غزة عبر تقديمها له ما كان يطالب به، وعلى طبق من ذهب.

عرض حماس سيحرج عباس لان معناه دخوله في مفاوضات معها، وهو الامر الذي ظل يرفضه بشدة ويشترط قبله ان تتخلى الحركة الاسلامية عن سيطرتها على غزة. فهل سيفعل ويقبل العرض؟.

في حال قبل، فسوف تكون حماس هي من يملي الشروط في ما يتعلق بترتيبات تسيير المعابر من الجانب الفلسطيني، وعباس متيقن من ذلك لحقيقة انها هي المسيطرة في قطاع غزة.

كما ان دخوله في مفاوضات مع حماس قد يعيد سلطتها على الحكومة الشرعية الفلسطينية، وهو ما يعلم عباس ايضا ان اسرائيل لن تقبل به وسيتسبب في وضع نهاية لمفاوضات اقامة الدولة.

هو بين خيارين احلاهما مر، فان انهارت مفاوضات الدولة سيزداد ضعفا على ضعفه الحالي، وان سار في المفاوضات ورفض عرض حماس، فستقوى الاخيرة، ولكن ايضا على حساب ازدياد ضعفه وشعبيته.

اسرائيل التي قذفت جمرة غزة باتجاه الحضن المصري تضع نصب عينيها ان تؤول الامور الى حصولها على شرطي مصري يحمي حدودها مع غزة او قوات دولية تقوم بالمهمة وبما يكفيها شر القتال..فهل تنجح هذه الرمية؟.