بقلم: مصطفى احمد الشيخ
لو دققنا في اعماق ولباب ارتدادات الثورة السورية لوجدنا بوضوح لا يقبل الشك عمق التغيير الذي يتخلق وسط هذا المشهد الرهيب الذي لا زالت البشرية برمتها تحبس انفاسها خوفاً من مآلات هذا الصراع العميق جداً والذي يجري على قدم وساق وبقوة غير مسبوقة ، وهذا التخلق هو نتاج الانقسامات السياسية والايديولوجية التي افقدت الامة وجودها على سطح المعمورة ، هذا هو المعنى العميق للتدافع البشري ، ولربما الغالبية الساحقة من اجيالنا الحالية وصلت الى مرحلة الاحباط ، وهذا الاحباط يفرض نفسه وبقوة وكأنه قدر لا مفر منه والغاية منه مواجهة الحقيقة بعينها وهذا جوهر معنى التدافع البشرية وحتمية وقوعه بفعل قيومية الخالق على كل شيء في هذا الوجود ، هذه الحقيقة تتجلى في الاسباب العميقة التي اودت بالامة الى الحضيض ، وتتخلص في الاسبابالجوهرية لانهيار الامة والتي تتمثل في التوأم الذي تحالف عبر الزمن وهو الاستبداد السياسي والديني ، ومنذ ولادة هذه الامة وعندما نزلت رسالة الاسلام التي حولت العرب من امة بدوية متمزقة متشتتة الى امة ذات حضارة شعت منها الاسباب الحقيقية والاسس المنطقية لنشوء الحضارات المعاصرة التي استندت الى حقيقة تجاوز البشرية مرحلة المراهقة الى مرحلة النضوج عبر سلسلة طويلة من الرسالات السماوية التي رافقت وراعت تطور وتدرج العقل والفكر الانساني في الارتقاء ، وهذا هو المعنى الحقيقي لمفهوم الرسالة الخاتم .
التغيير الحاصل الآن هو اجبار الفرد والمجتمع والامة على اجراء مراجعة وبالقوة لكل الاسباب التي اودت بالامة وفقدت مبررات وجودها ، انها الغاية النبيلة والقدرية لأمة كانت يوماً ما تحمل اعلى قيم بشرية في العدالة والسلام والمحبة والعلوم . لذلك كان لا بد من تجرع كأس المرارة سم الاحباط ليحدث التغيير النوعي المرتقب والذي بكل تأكيد ويقين انه قادم لا محالة ، فقد بدء تخلق الفكر الحقيقي والثقافة المختلفة كلياً عما عهدته الامة منذ خمس عشر قرناً وهذه هي البداية الاولى قد لاحت في الافق وحطت رحالها على وقع هول ما حدث ويحدث في سوريا اولاً وبقية الدول ثانياً ، لقد بدأ الفرد والمجتمع والامة تراجع موروثها الثقافي برمته ، ولازال الصراع في مخاض ولادة مأمولة وحتمية الوقوع لا محال ، لقد سقطت بالفعل الانظمة الشمولية في عقول الامة قولاً واحداً وسقط معها الاسلام السياسي سقوطاً مدوياً لم يعد بشراً لم يسمع به ، هذين العاملين هم اسباب هذا التدافع عندما بلغ الظلم اوجه ولم تعد ملامح الحق تظهر على الاطلاق ، ما يحصل اليوم من تغير في القناعات والمفاهيم هو المقدمة لتشكيل وعي جمعي مرتكز على تجربة مريرة باهظة الثمن ليس في سوريا فحسب بل في كل الامة ، ليس فقط كشفت الثورة السورية كل هذا فحسب انما اجبرت الفرد والمجتمع وبالقوة على اعادة مراجعة كل اسباب الاخفاقات وعندئذٍ تبدأ مرحلة التغيير الحقيقية والتي نحن الآن في بداياتها الاولى ، لا يعنيني تغير الاسد او الانظمة الاستبدادية اليوم ما لم تتغير الثقافة المتوارثة او اعادة مراجعة جدية وعلمية وبعقل منفتح ناتج عن اقسى تجربة وامر تدافع تشهده الامة عبر تاريخها على الاطلاق ، هذا المحاكمات العقلية التي بدأت تتخلق هي بمثابة المؤشرات الاولى لسلامة المولود المرتقب والذي من المفترض ان يتجرع انفاسه الاولى وتكون البيئة الجديدة مناسبة تماماً لنموه في شروط وظروف موضوعية ليعيش فيها بسلام ، وعلى هذا الاساس من المبكر جداً الحديث عن موعد الولادة ، فالتحطيم الفكري يجري على قدم وساق على وقع انهار من الدماء والظلم والتظالم غير مسبوقة عبر التاريخ ، لقد كان سبب ما كتبت ما قرأت للتو دراسة من رجل اسرائيلي حاد الذكاء يقول فيها ما يحصل اليوم سيكون سبباً في نهوض الامة من غياهب التخلف الى رحاب التقدم ، كلام في منتهى الدقة والعبقرية لانه استطاع ان ينفذ الى اعماق ولباب اسباب هذا التدافع وقد وجد الحقيقة التي تقول ان التغيير حتمي الوقوع بناءً على ادراك حركة التاريخ البشري ، وهذا الكلام في منتهى الدقة والشفافية ، قد يترائى للبعض ان هذا الكلام الذي نحن بصدده هو مجرد دعاية لرفع معنوية طرف في هذا الصراع ، والحقيقة هي العكس تماماً ، لكن التغيير بهذا الحجم يحتاج لزمن طويل لا يقاس بسقوط نظام هنا او نظام هناك ، هذا ليس تغيير وليس هذا المرتجى على الاطلاق ، ومن هنا علينا ان ندرك عظمة الثورة السورية ودورها في تغيير الامة برمتها ، وهذا التغيير ايها الاحبة لا يمكن لدولة مهما لديها من امكانيات ان تفشله او تحبطه مهما تآمرت لانه فوق طاقة الدول واعمق واجل من ان تطاله دولة ، وهذا هو معنى الثورة الحقيقي وهو قلب المفاهيم وتحرر عقل الانسان وبناء مرتكزات قياسية عقلية جديدة وعندها سيحدث المأمول وهو شروق شمس الحق في كبد الظلام لا تخفى على احد ، هذه هي الثورة السورية بمعناها الحقيقي ودورها التحرري للانسان من مفاهيم مخالفة للقعل والدين والحق والعدل وتعطل قدرات الانسان وتخرجه من انسانيته وغاية وجوده ، فمرة باسم الدين ومرة باسم المقدس ومرة باسم وباسم وباسم ، وبهذا الشكل تحولت حياتنا الى جحيم وجاءت الثورة لتنقذ الانسان من غياهب سجون الجهل الى رحابة المعرفة والاتزان واداء الدور المناط به اصلاً ، هذه هي الثورة السورية لمن لا يعرف عظمتها وما تحدثه في الامة ...
مصطفى احمد الشيخ