لتتعلم الفارسية يكفيك ثلاث كلمات

تاريخ النشر: 21 سبتمبر 2006 - 04:22 GMT

دمشق: البوابة.

الدكتور نزار العواد، الاختصاصي بأمراض النساء، لا يلقي نكتة حين يقول ،أن أسعار العقارات في منطقة السيدة زينب، جنوب دمشق، تضاهي أسعار العقارات في المدينة اليابانية طوكيو، فالدكتور عواد، كان قد هجر عيادته في السيدة، وهاجر الى العربية السعودية أملا في العودة الى السيدة وشراء عيادة فيها، غير أن فارق ارتفاع الأسعار مابين بداية السنة ومنتصفها لن يسمح له بهذا النوع من الآمال، فجيمع الفنادق في دمشق عرضة لتكون فارغة، باستثناء فندق واحد، هو كل بيوت السيدة ومحيطها، التي تؤجر غرفا مفروشة للحجاج الإيرانيين، الذين تطلق وزارة السياحة على حالتهم (السياحة الدينية)، ليكون كل متر من هذه المنطقة مسكونا بزائر، أو ببائع وشار لايتجادلا في سعر (مسبحة) أو خاتم يحمل حجرا كريما، أو صورة للإمام الخميني والى جانبه السيد حسن نصر الله، أو رزمة من الكتب الإسلامية التراثية المجلدة بنمنمات شرقية وخطوط مذهبة تضفي على الكتاب قيمة ربما تكون خارجة عن القيم المعرفية ذاتها.. ليس ذلك فحسب، فحال الطبابة والاستشفاء، سيزيد من الإقبال على السيدة حيث مشفى (بهمن) الإيراني، المملوك لمستثمر إيراني يحمل اسم مستشفاه ويقدم خدماته الطبية بدءا من نخر الأسنان وصولا الى تقرحات المعدة، مرورا بكل الاختصاصات، مضافا، لأجواء وطقوسيات الحج الشيعي في حرم السيدة بصفتها استشفاء آخر، عبر بكاء ونحيب على خطأ الأمس، الذي يمكن أن يطهر من أدران اليوم.

حال السيدة، سيختلف الى حد ليس ببعيد عن حال منطقة (رقية)، فما بين الجامع الأموي، ومزار بنت الحسين، مسافة لاتتجاوز أمتار قليلة، وبين الأمتار القليلة ، مسافة هي: ثقافتين، وحجين، ومزاجين، وربما عقيدتين لم يصالحهما الفقه، وصالحتهما الأسواق.

تجار منطقة جامع رقية، ليسوا ملزمين بمعرفة الأدب الفارسي وترجمة (رباعيات الخيام) ، يكفيهم للاستجابة الى معطيات السوق معرفة كلمات من مثل: (آرزون – رخيصة)، أو (خوية – جيد)، (غيرون – غالي)، والسلام عليكم، وهي مشتركة مع كافة الثقافات الإسلامية، بما فيها الباكستانية.

محمد كفا، بدأ تاجر عربة في محيط جامع رقية، وكان الجامع آنذاك، مجرد قبر صغير، ولكن الثورة الإسلامية في إيران، حملت فيما حملت تمويلات كبيرة للكثير من المزارات التي تعود الى (آل البيت)، ومن بينها جامع رقية، الذي تحول الى تحفة فنية، فيما ارتفعت بارتفاعه الدكاكين المحيطة لتتحول بدورها، الى محال تجارية، فيها كل مايطلبه المتسوق الإيراني من العباءات السوداء، الى الأحذية، الى الملابس الداخلية النسائية المطرزة بالدانتيلا ، والخرز البراق، بالإضافة للأنواع المختلفة من الأغذية خصوصا قمر الدين والفواكه المجففة، بما نافس سوق البزورية الشهير، فالمتسوق الإيراني، مفتوح الشهية، (والشام) مباركة كيفما اتجه، ولكنه لن يبتعد عن أماكن محددة، فإلى جانب رقية مقهى الروضة الذي لايشكل أي إغراء بالنسبة إليه، والى جانب رقية الجامع الأموي، وهو كذلك لا يستثير شهوة الزيارة، أما بيت معاوية بن أبي سفيان، فهو من منسيات المدينة، العاصمة التي دفن فيها أبرز أعلام التاريخ الإسلامي، والمسيحي، بدءا من يوحنا المعمدان وصولا الى صلاح الدين الأيوبي ، مرورا بابن عربي، ولا أحد بوسعه أن ينسى الإنسان الأول، ضحية الجريمة الأولى في التاريخ الإنساني.. تاريخ النوع: النبي هابيل، الذي يرقد بسلام على سفح يطل على منطقة الزبداني، حيث السياح السعوديون، يأخذون هواء الصيف الى الربع الخالي، مصحوبا بالكثير من المتع العابرة.

لا وزارة السياحة السورية، ولا المعتمدين من مكاتب ومروجين مهتمين بالسياحة الإيرانية أو الترويج لها أو إحصائها، ففنادق النجوم الخمسة وآخرها (الفور سيزنز)، مبني لغير الإيرانيين، للسياح الأوروبيين والأمريكيين ، التي ذكرت آخر الإحصائيات أن عدد الغرف من الفنادق الجاهزة لاستقبالهم بلغت 40 ألف غرفة، وأن ستة آلاف سرير بطريقها الى الخدمة وستكون جاهزة قبل نهاية السنة الجارية، فيما زادت رساميل الاستثمارات السياحية عن (500) مليون دولار، وكانت مرشحة لطفرة هذا العام لولا الحرب اللبنانية – الاسرائيلية، وما أنتجت من قلق على الوضع الأمني قي سوريا.

السياح الأمريكيون أو اليابانيون أو الأوروبيون، يذهبون لالتقاط الصور في دمشق القديمة، تحت أقواس البوابات المؤدية الى نوافذ مغلقة على بيوت مغلقة، تحمل فيما تحمل الروح الدمشقية ، بتقاليدها وثقافتها ومزاجها، كما يذهبون باتجاه تدمر، وربما بصرى، ويزورون الكنائس القديمة وأبرزها كنيسة الزيتون، خصوصا وأن يوحنا بولس الثاني كان قد زارها يوم زار دمشق.

السياح الإيرانيون، لايخضعون لمقياس السائح، كما لايخضعون لمقياس الحجاج، فثمة نظرة مختلفة إليهم لا تأتي تحت توصيف محدد، فالإيرانيون، الذين يحملون عائدا ماليا ضخما للكثير من المناطق السورية، خصوصا منطقة السيدة زينب ومناطق دمشق القديمة، يحملون معهم بضائعهم أيضا، خصوصا السجاد الحريري، وقد تصل السجادة الواحدة التي يصل قياسها الى متر مربع فقط الى 5000 دولار أمريكي، ويحملون بالإضافة الى السجاد، الفستق الإيراني، المنافس الأقل شأنا للفستق الحلبي، وهم وان كانوا شحيحين في البخشيش، حسب مايقول صبي يعمل في مطعم يقدم المشاوي والصفيحة، فهم نافعون لحركة السوق، خصوصا وأنهم يتحركون من أقصى دمشق، بما يجعل سائق التاكسي يعمل، والبائع يعمل، والدليل السياحي يغيب تماما، فليس من الوارد أبدا أن ترى مجموعة إيرانية برفقة دليل سياحي، فالأدلاء السياحيون في سوريا، تعلموا الألمانية والاسبانية، كما الفرنسية والانكليزية، وتركوا اللغة الفارسية، لصبيان السوق الذين لايحتاجون إلا لكلمات يمكن حفظها في جلسة واحدة، لذاكرة لم يرهقها الكلام، فلتتعلم الفارسية يكفيك ثلاث كلمات.

سياح بطيئون هادئون، تماما كما ارثهم الحضاري والثقافي، والسجادة هي التعبير الأكثر كثافة عنهم.. غرزة فوق غرزة لتكون، فيما السياح الآخرون، ينفلتون في كل الاتجاهات.. في مطاعم دمشق القديمة.. المطاعم المخمورة، والراقصة، والشباب الذين يطلقون شعورهم وأذرعهم في الهواء.

التقديرات الأولية، هي تقديرات لاعلاقة لوزارة السياحة فيها تقول بأن عدد الإيرانيين الذين يدخلون دمشق سنويا، يصل الى قرابة نصف مليون سائح.. سياح يتوزعون مابين الحسينيات، وجامع رقية، ومقام السيدة زينب.. سياح يحملون بالإضافة الى حنينهم اللاهوتي، أحجارا كريمة وسجاد يبيعونه في دمشق، ومن دمشق يشترون الخرز ، والقطنيات،ويدفعون بسخاء أجور الغرف في السيدة زينب.. غرف تصل أجرة الواحدة في ذروة الموسم الى 100 دولار أمريكي في اليوم.

© 2006 البوابة(www.albawaba.com)