تصاعدت حدة الاتهامات بين المتنافسين في "أم المعارك" كما بات يطلق على انتخابات جبل لبنان التي تجري الاحد بين تحالف المعارضة المسيحية والعماد ميشال عون باعتبار ان نتائجها تمهد لطبيعة السلطة التي ستتولى القيادة في المرحلة المقبلة.
ومن المتوقع ان ترسم انتخابات جبل لبنان خارطة سياسية جديدة تمهد لمعركة رئاسة الجمهورية بعدما كرست انتخابات بيروت زعامة سعد الحريري نجل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي اغتيل في شباط/فبراير وشكلت انتخابات الجنوب استفتاء لمصلحة المقاومة.
واكد النائب نسيب لحود رئيس حركة التجدد الديموقراطي وعضو لقاء قرنة شهوان المسيحي المعارض عشية الانتخابات ان المعارضة ستفتح بعد الانتخابات معركة رئاسة الجمهورية.
وقال في مؤتمر صحافي عقده السبت "بعد المعركة الانتخابية سنفتح معركة الرئاسة وسنحاول كأكثرية جديدة ان نوصل رئيسا يتمتع بثقة اللبنانيين وقادرا على توحيدهم وعلى لعب دور منسق بين السلطات ويكون مرجعية في عملية الاصلاح والتغيير".
واكتفى بالقول ردا على سؤال حول ربط الاتهامات المتبادلة بين اطراف المعارضة والعماد عون بمعركة رئاسة الجمهورية "لا نخوض معركة رئاسية وانما نخوض معركة انتخابية ولم نكن مقررين خوض معركة انتخابية مع العماد عون".
من ناحيته، اكد المحلل السياسي في صحيفة "النهار" سركيس نعوم "ان معركة رئاسة الجمهورية ستفتح قريبا". وقال لوكالة فرانس برس "من الواضح ان احد الاطراف الاقوياء الطامح لرئاسة الجمهورية وهو العماد عون يحاول الغاء الرؤوس المارونية البارزة ومن يفكر في الرئاسة".
واضاف انه "يفكر في الرئاسة ويركز بالدرجة الاولى على النائب نسيب لحود". واعتبر نعوم ان عون "يحاول استخدام الانتخابات ليثبت للمسيحيين بالدرجة الاولى والمسلمين بالدرجة الثانية والقوى الخارجية انه الزعيم الاقوى مسيحيا وغير المرفوض اسلاميا والذي يمكنه خوض المرحلة الجديدة". وتابع "حجم قوة العماد عون كبير لكنه غير محدد والانتخابات ستحدد هذا الحجم".
يخوض العماد عون قائد التيار الوطني الحر انتخابات الاحد والاحد الذي يليه في شمال لبنان على اساس برنامج يشكل قاعدة لمشروع كامل للتغيير السياسي وصولا الى رئاسة الجمهورية.
فقد اكد عون الجمعة لوكالة الصحافة الفرنسية ان لديه "برنامجا اصلاحيا متكاملا في جميع القطاعات مع آلية تنفيذ" معربا عن معارضته عدم امتلاك اي مرشح محتمل لرئاسة الجمهورية برنامجا مماثلا. وقال "لا رئاسة بدون برامج وهذا ينطبق على الجميع".
وكان عون قد ركز هجومه في حديث تلفزيوني مساء الجمعة على نسيب لحود مذكرا بانه كان "اول سفير لدولة الطائف في واشنطن" واتهمه بالضلوع في تدبير الحملة العسكرية السورية التي اطاحت به (عون) في تشرين الاول/اكتوبر 1990.
وقال عون "نسيب لحود لم يذكر كلمة السيادة اللبنانية الا مؤخرا وكان يؤكد ضرورة التفاهم مع السوريين وهو اليوم ينتقد تحالفي مع ميشال المر" نائب رئيس المجلس النيابي الموالي لسوريا.
وتحالف عون مع شخصيات موالية علنا لسوريا ابرزها في جبل لبنان الوزير السابق النائب ميشال المر (ارثوذكس) والنائب طلال ارسلان (درزي) وفي الشمال وزير الداخلية السابق النائب سليمان فرنجية الصديق الشخصي للرئيس السوري بشار الاسد.
من ناحيته، قال نسيب لحود "انا فخور باني كنت اول الذين دخلوا في الطائف ومن اوائل الذين خرجوا بعد انحراف تطبيقه" نافيا اي علاقة له بتدبير الهجوم العسكري السوري الذي اطاح بعون.
وتساءل لحود "ايهما خطيئة سياسية؟ التحالف معي او مع المر الذي هو المنفذ الامين لكل كلمات السر السورية".
من ناحيتها، اعتبرت صحف لبنانية بارزة السبت ان حملة الاتهامات تعكس معركة لتحديد الاوزان مرتبطة برئاسة الجمهورية. ورأت "النهار" ان الانتخابات "معركة تصفية حسابات في مناطق ومعركة زعامات في مناطق اخرى ومحاربة مرشحين محتملين للرئاسة الاولى".
وعنونت "السفير" في صفحتها الاولى "الرئاسيون يتبادلون اعنف الحملات عشية احد التصفيات" واصفة اياه بانه "الجولة النيابية الاكثر حساسية".
وتحت عنوان "الافق الرئاسي في انتخابات الجبل" رأت "السفير" في مقالتها ان "انتخابات الجبل هي لتحديد الاحجام ضمن البيئة المسيحية" وربطتها "باختيار رئيس جديد للجمهورية يعبر عن المزاج المسيحي".
وعنونت صحيفة "اللواء" من جهتها "مواجهات طاحنة تحدد الزعامات والاوزان" واعتبرت ان دوائر جبل لبنان "مشتعلة بالتنافس الساخن وترتب تشكيل المعادلة السياسية الجديدة".
مخاوف من الانقسامات
يعبر اهالي المتن شمال بيروت، وهي دائرة مسيحية من دوائر جبل لبنان الانتخابية الاربع، عن ارتيابهم ازاء المعركة الانتخابية ويعتبرون ان الانقسامات في الصف المسيحي لن تخدم المصلحة الوطنية للبلاد ولا مصلحة طائفتهم.
وقال خليل ابو خليل صاحب محل في بلدة بعبدات "انني غاضب لان ميشال عون غير رأيه واقام تحالفا مع عناصر موالية لسوريا سابقا، هذا الامر لن يصب بالتاكيد في اتجاه المصالحة الوطنية".
وكان عون قال الشهر الماضي انه لم يتمكن من التوصل الى اتفاقات حول لوائح مشتركة مع ابرز منافسيه في المعارضة، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وسعد الحريري نجل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي اغتيل في شباط/فبراير وسائر اركان لقاء قرنة شهوان المسيحي الذي يضم ابرز الاحزاب وشخصيات مستقلة.
في المقابل تحالف عون خصوصا مع شخصيات موالية علنا لسوريا ابرزها في جبل لبنان الوزير السابق النائب ميشال المر (ارثوذكس) والنائب طلال ارسلان (درزي)، ووزير الداخلية السابق النائب سليمان فرنجية، الصديق الشخصي للرئيس السوري بشار الاسد، في شمال لبنان.
وكان قرار عون المؤشر الاخير على تشتت تحالف المعارضة الذي انبثق بين المسيحيين والمسلمين في ظل ضغوط دولية ارغمت سوريا على انهاء وجودها العسكري في لبنان بعد 29 عاما.
وفي منطقة المتن يتنافس مرشحو عون مع لائحة يتراسها النائب نسيب لحود وهو من اشد معارضي رئيس الجمهورية اميل لحود الموالي لسوريا. وقد تحالف نسيب لحود في هذه المنطقة مع المرشح بيار الجميل المعارض لسوريا نجل رئيس الجمهورية الاسبق امين الجميل.
وقالت لوسيين (26 عاما) "كنت افضل ان يتوجه المسيحيون الذين قمعوا خلال الوصاية السورية متحدين الى صناديق الاقتراع بدلا من ان يقيم بعضهم تحالفات مخالفة للطبيعة".
واضافت ان "المسيحيين الذين يشكلون اقلية اساسا يزيدون من هذا الامر عبر خوض معارك اخوية في حين ان المسلمين متحدون خلف زعمائهم".
وصعد البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير من لهجته عبر التنديد بالخلافات بين المرشحين المسيحيين المعارضين لسوريا.
وكانت المرحلة الاولى من الانتخابات التشريعية كرست في بيروت هيمنة تيار الحريري على مقاعد السنة فيما كرست المرحلة الثانية في جنوب لبنان هيمنة تحالف حزب الله-امل على المقاعد الشيعية.
وفي بلدة بكفيا، معقل عائلة الجميل، عبر ايلي ديماسي عن خيبته من المناورات "الانتخابية" للسياسيين المسيحيين المدعومين من التحالف بين الزعيم السني سعد الحريري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
وبعد ان اتهم ديماسي جنبلاط والحريري بانهما "استفادا لفترة طويلة من الهيمنة السورية للبقاء في السلطة"، اعتبر انه "كان على الشخصيات المسيحية المعارضة لسوريا الا تربط مصيرها بهذين الزعيمين المسلمين" اللذين شاركا تقريبا في كل الحكومات الموالية لسوريا.
وقالت ماري وهي من سكان بعبدات ايضا انه من غير الوارد ان تصوت للائحة المعارضة المدعومة من تحالف الحريري-جنبلاط.
واضافت "اميل لتاييد ميشال عون لانه لم يهادن السوريين ابدا ولم يستفد من نظام الفساد القائم لتغطية وصايتهم".
وقد جعل عون من الحرب على الفساد عنوانا لحملته الانتخابية وطالب بفتح تدقيق حسابي دولي في الدين العام الكبير للبنان الذي وصل الى 35 مليار دولار اي 185% من اجمالي الناتج الداخلي.
لكن بالنسبة لبعض السكان الاخرين في هذه المنطقة الجبلية المطلة على بيروت، فان المنافسة تعتبر مؤشرا على صحة العملية السياسية لدى الجانب المسيحي.
وقال منير (50 عاما) في بكفيا "على الاقل لدينا انتخابات فعلية وفرصة الاختيار في حين ان محادل الاحزاب المهيمنة السنية والشيعية الغت المنافسة في جبل لبنان وبيروت".
وفاز مرشحو تيار الحريري وتحالف حزب الله-امل بالتزكية على التوالي بتسعة مقاعد من اصل 19 مقعدا في بيروت و 6 من اصل 23 في الجنوب بسبب عدم وجود منافسين.
ويؤيد عدد اخر من المسيحيين شعور منير حيث قال ريكي عواد (65 عاما) "هذه المرة، لدينا فرصة الاختيار. هذه هي الديموقراطية الفعلية".