لبنان.. البطريرك الماروني يرفض بحث تعديل نظام البلاد في ظل السلاح “غير الشرعي”

تاريخ النشر: 20 سبتمبر 2020 - 11:31 GMT
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

لا تزال المراوحة سيّدة الموقف في موضوع الملف الحكومي مع خشية من انهيار المبادرة الفرنسية وتضييع فرصة تشكيل “حكومة مهمة” مستقلة من اختصاصيين، تنقذ الوضع الاقتصادي والمالي المتردي من السقوط التام الى الهاوية.

واللافت هو تواصل الهجمات على رؤساء الحكومات السابقين وتحديداً سعد الحريري، وتحميله مسؤولية تعثّر تأليف الحكومة والوصول إلى المأزق الذي جعل الرئيس المكلّف مصطفى أديب يقف في نقطة بين الاعتذار عن الاستمرار في مهمته، وبين التريّث بضعة أيام إضافية.

وهذا التريّث عبّر عنه بيان لرؤساء الحكومات السابقين استجابة للمبادرة الفرنسية، مع تشديد على عدم التنازل عن المعايير الموضوعة للتأليف، إذ دعا رؤساء الحكومات الرئيس المكلّف الى “التمسك بصلاحياته كاملة لجهة تأليف الحكومة في أسرع وقت بالتشاور مع رئيس الجمهورية وتحت سقف القواعد المنصوص عنها في الدستور “.

ولم تظهر لغاية الآن أي بوادر حلحلة لحقيبة المال التي يصرّ عليها الثنائي الشيعي، على الرغم من كثرة الاقتراحات الهادفة إلى التوصل لحل وسط، ومن بينها احتفاظ الرئيس أديب بحقيبة المال لنفسه وتسمية وزير دولة لشؤون المال من الطائفة الشيعية تُجيّر إليه صلاحيات معينة لمزاولة مسؤولياته، أو تولّي رئيس الجمهورية تسمية مسيحي أو شيعي مستقل لهذه الحقيبة يوافق على أحدهما الثنائي، أو تولّي الرئيس نبيه بري تسمية شخصية مسيحية أو سنّية لها، أو إسناد حقائب سيادية أخرى للثنائي الشيعي مثل الخارجية أو الدفاع.

وكان الثنائي الشيعي واصل حملته على الرئيس الحريري متهماً إياه بممارسة الهيمنة على حصص الطوائف الأخرى، ومحرّضين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على رفض قيام الرئيس المكلف بتسمية الوزراء المسيحيين. كما اتُهم الحريري بالحديث عن المداورة التي لم ترد في مضمون المبادرة الفرنسية ولم تُطرَح في قصر الصنوبر.

في غضون ذلك، دخل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على الخط، مستغرباً تعطيل تأليف الحكومة. وسأل الراعي: “بأي صفة تطالب طائفةٌ بوزارةٍ معيَّنة كأنَّها ملكٌ لها، وتُعطِّل تأليف الحكومة، حتَّى الحصول على مبتغاها، وهي بذلك تتسبَّب بشللٍ سياسيّ، وأضرارٍ اقتصاديَّة وماليَّة ومعيشيَّة؟ أين أضحى اتفاق القوى السياسية المثلّث من أجل الاصلاح: حكومة انقاذ مصغّرة، وزراء اختصاصيون مستقلون ذوو خبرة سياسية، المداورة في الحقائب؟”.

وقال الراعي في ذكرى “شهداء المقاومة اللبنانية” في كنيسة سيدة إيليج: “إذا عدنا إلى المادَّة 95 من الدستور الذي عدَّلَه اتّفاق الطائف، نقرأ صريحا في الفقرة باء: تكون وظائف الفئة الأولى – ومن بينها الوزارات – مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أيَّةٍ منها لأيَّة طائفة مع التقيُّد بمبدأي الاختصاص والكفاءة، فهل عُدِّلَت هذه المادَّة في غفلةٍ، أم تُفرض فرضًا بقوَّةٍ ما أو استقواء؟ هذا غير مقبول في نظامنا اللُّبنانيّ الديموقراطيّ التنوّعيّ. ثمَّ أيُّ علمٍ دستوريٍّ يجيز احتكار حقيبة وزاريَّة؟ نحن نرفض التخصيص والاحتكار، رفضًا دستوريا، لا طائفيًّا، ورفضُنا ليس موجَّهًا ضدَّ طائفةٍ معيَّنة، بل ضدَّ بدعةٍ تنقُضُ مفهوم المساواة بين الوزارات، وبين الطَّوائف، وتمسُّ بالشَّراكة الوطنيَّة ببعدها الميثاقيّ والوحدويّ بهدف تثبيت هيمنة فئة مستقوية على دولةٍ فاقدةٍ القرار الوطنيّ والسيادة”.

وأضاف: “المسؤولون السياسيون الذين يسيرون في نهج هذه الثقافة الجديدة، وفي مفهوم السلطة الأصيل، هم الذين يبنون الأوطان، ويُخلِّدون أسماءهم في تاريخها. أمَّا الأموال التي يكدِّسها تجَّار السياسة على حساب الشعب، فتُدفَن معهم، وهم معها. ويا ليتهم ما كانوا! فيا رئيس الحكومة المكلَّف ندعوك لتتقيَّد بالدستور، وتَمضي في تأليف حكومةٍ يَنتظرُها الشعبُ والعالم. فلا داعي لا للخضوع لشروط ولا للتأخير ولا للاعتذار. إنَّ تحمُّلَ المسؤوليَّة في الظرف المصيريِّ هو الموقفُ الوطنيُّ الشُّجاع. فمَن أيّدوكَ فعلوا ذلك لتؤلِّفَ حكومةً لا لتَعتذِر. ورغمَ كلِّ الشوائب، لا يزال النظامُ اللبنانيُّ ديمقراطيًّا برلمانيًّا، ويتضمَّنُ آلياتِ التكليفِ والتشكيلِ ومنح الثقة أو عدمِ منحِها. فألِّف ودَعِ اللعبة البرلمانيّةَ تأخذُ مجراها. وأنت ولستَ وحدَك”.

ورفض الراعي أي تعديل للنظام في ظل هيمنة السلاح، وقال: “بالنسبة إلينا، لسنا مستعدِّين أن نعيد النظرَ بوجودِنا ونظامِنا كلَّما عَمَدنا إلى تأليفِ حكومة. ولسنا مستعدّين أن نقبَلَ بتنازلاتٍ على حسابِ الخصوصيَّةِ اللُّبنانيّةِ والميثاقِ والديمقراطيَّة. ولسنا مستعدّين أن نبحث بتعديلِ النظامِ قبل أن تَدخُلَ كلُّ المكوّناتِ في كنفِ الشرعيَّة وتتخلَّى عن مشاريعِها الخاصّة. ولا تعديلَ في الدولةِ في ظلِّ الدويلات أو”الجمهوريَّات” بحسب تعبير فخامة رئيس الجمهوريَّة. فأيُّ فائدةٍ من تعديلِ النظامِ في ظِلِّ هيمنةِ السِّلاح المتفلِّتِ غيرِ الشرعيّ أكان يَحمِلُه لبنانيّون أو غيرُ لبنانيّين. إنَّ إعادةَ النظرِ في النظامِ اللُّبنانيّ وتوزيعِ الصلاحيّاتِ والأدوار يَتِمُّ ــــ إذا كان لا بدَّ منه – بعد تثبيت حياد لبنان بأبعاده الثلاثة: بتحييده عن الأحلاف والنِّزاعات والحروب الإقليميَّة والدوليَّة؛ بتمكين الدولة من ممارسة سيادتها على كامل أراضيها بقوَّاتها المسلَّحة دون سواها، والدفاع عن نفسها بوجه كل اعتداء خارجي، ومن ممارسة سياستها الخارجيَّة؛ بانصراف لبنان إلى القيام بدوره الخاص ورسالته في قلب الأسرة العربيَّة، لجهة حقوق الشعوب، وأُولاها حقوق الشَّعب الفلسطينيّ وعودة اللَّاجئين والنَّازحين إلى أوطانهم، ولجهة التقارب والتلاقي والحوار والاستقرار”.

واستجهن البطريرك ملاحقة العلامة علي الأمين المعارض لحزب الله، وقال: “لا يسعنا إلاّ التعبير عن أسفِنا لرؤية رجل دينٍ معروف بوطنيَّتِه وحرصه على العيش المشترك واحترامه لكل دين وطائفة، وباخلاصه للبنان، يُستدعى أمام القضاء لمجرَّد إبلاغٍ معروف مصدره وغايته”.

قبلان: لا تلعبوا بالتوازنات

من جهته، أكد المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان أن “الحكومة ليست ملكاً لشخص والبلد ليس حكراً على أحد، والنظام السياسي حتماً فاشل، والتطوير حتماً ضروري، وزمن العشرين انتهى، وما نطالب به سببه صيغتكم الطائفية.وما دامت الحصص على الطائفة فإن ما يحكم بيننا وبينكم مبدأ المعاملة بالمثل، ولن نقبل بإلغاء طائفة بأمها وأبيها، بخلفية عصا أميركية وجزرة فرنسية”.

ووجّه كلامه إلى الرئيس المكلّف قائلاً: “البلد والمنطقة جمر تحت الرماد ولذلك لا تلعبوا بالتوازنات”