بسام العنتري
لدي ما يدفعني الى الاعتقاد بان من سيعيش في القرن المقبل، سيرى ربما إسلاما مختلفا كثيرا عما هو عليه اليوم، ومسلمين على غير ما نعرفهم من مسلمين.
دافع رؤيتي التي استشرف فيها مثل هذا المستقبل، هو ما أراه من منحى تصاعدي للدعوات التي تتكاثر في هذه الاونة من أجل مراجعة الموروث الديني المتمثل في كتب الفقه والحديث، والذي عمل على تشكيل وتلوين مفاهيمنا الحياتية بكل أوجهها: سياسية واقتصادية وثقافية الخ.. وعلى مدى اكثر من الف عام مضت.
أسهمت وسائط التواصل الاجتماعي في اطلاق العنان لاصحاب هذه الدعوات، ووفرت لهم متنفسا رحبا بعدما أوصدت المنابر الاعلامية التقليدية في وجوههم، وحوربوا بشراسة من قبل من يوصفون بسدنة الموروث، والذين يرفضون باستماتة أي محاولة للتغيير، ولا بأي صورة.
تكفي نظرة سريعة على مواقع يوتيوب وفيسيوك وتويتر وغيرها للتعرف على حجم الرواج الضخم لأطروحات الداعين إلى مراجعة الموروث الديني، وفي المقابل لا يمكن للعين ان تخطئ التراجع الحاد في شعبية خطاب الدعاة التقليديين.
يمكن إجمال حجج الداعين الى مراجعة الموروث، في أن تاريخنا الاسلامي شابه على مدى العصور كثير من التداخل بين السياسة والدين، ما انتج حالات انحراف عن مقاصد الشريعة كان دافعها توظيف الديني في خدمة السياسي، ووجدت طريقها الى الكتب حتى باتت تُعامل باعتبارها مسلمات.
وهم إذ ذاك، يرون ان الوقت قد حان لتنقية الدين منها، وبأسلوب ومنهج علميين يُعليان من شأن العقل، ويغادران مربع تقديس البشر، سواء فقهاء او علماء، كما درج عليه الدعاة التقليديون، والذين يعتبرون أن الأفهام والاراء الدينية التي توصل اليها السابقون (السلف) غير قابلة للنقاش.
يوصف أصحاب هذه الدعوات بانهم معتدلون قياسا بتيار آخر ينادي بالتخلي عن الموروث جملة وتفصيلا، والاحتكام الى القرآن فقط، باعتباره رسالة مكتملة الاركان نزلت من السماء الى كل الناس، وليست بحاجة الى وسطاء ليفسروا لهم مضمونها.
هذا التيار الذي يُطلق على اصحابه "القرآنيون" يرى أن العودة الى دراسة وفهم اللغة العربية التي نزل بها القرآن، سيكون كفيلا بفهم مضمونه. ويستشهدون على ذلك بأن المشركين في مكة أيام النبي كانوا قادرين على الفهم دونما حاجة الى مفسرين. وبعضهم كان يسمع الآية ويسارع بعدها لاعتناق الإسلام.
وعلى السواء، يرى دعاة مراجعة الموروث و"القرآنيون" أن هناك آيات في القرآن جرى تأويلها من قبل السابقين على غير مراد الله منها، وأن هذه التأويلات استقوت بأحاديث منسوبة الى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، رغم ان بعضها يتعارض في ظاهره مع المضمون القرآني.
في الخلاصة، إن تسيَّد دعاة مراجعة الموروث و"القرآنيون" الساحة، واستطاعوا نشر وفرض فهمهم لنصوص القرآن والسنة، فلن يمضي في تقديري أقل من قرن حتى نرى مجتمع الاسلام على الصورة الآتية:
سيصبح أمر جمع الرجل لزوجتين في نفس الوقت حراما. ولن يعود هناك اشتراط لولي لا في زواج ولا في غيره من الأمور المتعلقة بالمرأة، وسيمسي إتمام الطلاق محفوفا باجراءات تمتد شهورا، بخلاف الحاصل اليوم، حيث تكفي كلمة ينطق بها رجل في لحظة حتى ينتهي الحال بزوجته الى خانة الطلاق الناجز.
سيكون متاحا للمسلمة الزواج بكتابي غير مسلم. وسيتساوى الذكر والانثى في الميراث، والوصية ستكون إلزامية، وسيستطيع الشخص التوصية بماله كله، يحرم من يشاء ويعطي من يشاء، ويهبه كله لو شاء.
الصوم سيصبح اختياريا، فمن شاء صام ومن شاء أفطر ودفع فدية (بدل)، ورمضان لن نراه يأتي تارة في الصيف واخرى في الشتاء، بل سيثبت مكانه في بداية الخريف، وتحديدا في الشهر التاسع من كل عام. وستصوم المرأة حتى وهي حائض.
والحج لن يبقى محصورا في بضعة أيام من كل عام، بل سيصير متاحا على امتداد أكثر من شهرين. وسيصلي أناس ثلاثة فروض في اليوم وليس خمسا، وستؤم النساء رجالا في الصلاة، وستتجاور صفوف النساء والرجال في الجماعة، وسنسمع نداء الصلاة وخطبة الجمعة باصوات نسائية،
وستختفي المحاكم الشرعية، ولن تكون هناك سوى قوانين ومحاكم مدنية تنظم التعامل بين الناس على أسس من المساواة التي لا تضع اعتبارا لاختلاف معتقداتهم الدينية.
