جدد الزعماء العرب في ختام قمتهم في الجزائر الثلاثاء، عرضهم باقامة سلام وعلاقات طبيعية مع اسرائيل في مقابل انسحابها من الاراضي العربية المحتلة وتنفيذها لقرارات الشرعية الدولية.
وتلا امين عام الجامعة العربية عمرو موسى في ختام اعمال القمة التي استمرت على مدى يومين "اعلان الجزائر" الذي تضمن تجديد هذه الدعوة، والتي كانت انطلقت اول مرة في قمة بيروت عام 2002 وعرفت من حينها باسم "مبادرة السلام العربية".
وجدد القادة العرب في هذا الاعلان التاكيد على تمسكهم بالسلام كخيار استراتيجي لحل الصراع العربي الاسرائيلي، وذلك على اساس مبادرة السلام العربية، واستنادا الى مرجعية الشرعية الدولية ومؤتمر مدريد وخطة خارطة الطريق.
وكان الزعيم الليبي معمر القذافي جدد في كلمة امام القمة الدعوة الى قيام دولة فلسطينية-اسرائيلية كسبيل لانهاء الصراع، كما رفض التدخل الدولي في اقليم دارفور، ودعا الى حوار عربي مع العالم من اجل التصدي للارهاب.
وقال القذافي في كلمة ارتجالية خلال جلسة علنية عقدتها القمة ظهر الاربعاء، ان حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني لا يمكن ان ينجح عبر مبدأ الدولتين الذي تنص عليه خطة خارطة الطريق للسلام التي تدعمها الولايات المتحدة.
واعتبر ان هذا الحل، والذي كان الرئيس الاميركي جورج بوش قد دعا اليه عام 2003، لا يمكن ان ينسجم مع المساحة الجغرافية الصغيرة التي يتقاسمها الفلسطينيون والاسرائيليون.
وكان بوش دعا الى قيام دولتين فلسطينية واسرائيلية تعيشان جنبا الى جنب في سلام.
لكن القذافي اكد ان الحل يكمن في اقامة دولة واحدة للشعبين، مجددا بذلك دعوة سابقة كان اطلقها قبيل قمة بيروت العربية عام 2002، واطلق في حينها تسمية "اسراطين" على هذه الدولة الهجينة.
من جهة اخرى، فقد دعا القذافي الى حوار عربي مع العالم من اجل البحث في اصول الارهاب وسبل التعاون من اجل مكافحته.
ورفض الزعيم الليبي ما يقال من ان الفقر هو احد اسباب الارهاب، مستشهدا بزعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن الذي وصفه بانه "مليونير" ومع ذلك يقود اكبر منظمة ارهابية في العالم.
كما رفض القذافي تعميم تعريف الارهاب، معتبرا ان الغرب والواقع يؤكد ان ما يجري الحديث عنه حاليا هو الارهاب الاسلامي تحديدا.
من جانب اخر، فقد اكد الزعيم الليبي معارضته التدخل الاجنبي في اقليم دارفور بغرب السودان، والذي يعيش صراعا داميا منذ نحو سنتين، وتسبب في مقتل العشرات وتهجير نحو مليون ونصف المليون انسان.
واكد القذافي ان الاتحاد الافريقي هو الاقدر على وضع حد للازمة القائمة في دارفور، منتقدا تلويح الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين بتدخل عسكري في الاقليم.
كما انتقد الدعوات الى تشكيل محاكم دولية لمحاكمة المتهمين بارتكاب فظائع في الاقليم الصحراوي الفقير. وذلك في اشارة الى زعماء مليشيا الجنجويد ومسؤولين سودانيين يحملهم المتمردون والولايات المتحدة المسؤولية عن هذه الفظائع.
واعرب القذافي عن قلقه على مستقبل الدول العربية في ظل الاستقطابات والتحالفات الدولية، داعيا هذه الدول الى الانضمام الى اتحاد افريقي عربي يشمل خصوصا الدول العربية الواقعة في القارة الاسيوية.
وتطرق الى مبادرة الولايات المتحدة من اجل تشجيع الديمقراطية والاصلاحات في الشرق الاوسط، واعتبر ان هذه الدعوة "باطلة" وتحمل في طياتها اتهاما للانظمة العربية بانها فاسدة.
وانتقد في السياق الديمقراطية الغربية ودعا الغرب الى الاقتداء بالديمقراطية الموجودة في الدول العربية.
وبشأن الازمة السورية اللبنانية، فقد اعتبر القذافي انه ينبغي توجيه الشكر لسوريا التي قال انها ساهمت في انهاء الحرب اللبنانية الاهلية (1976-1990) عبر تواجدها العسكري بطلب عربي (بموجب اتفاق الطائف 1989) في هذا البلد.
واكد مساندته لسوريا التي اعتبر انها تتعرض لحملة ظالمة، في اشارة الى الضغوط الاميركية عليها من اجل سحب كامل قواتها من لبنان.
وكان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير الماضي قد فجر تظاهرات حاشدة للمعارضة اللبنانية التي اتهمت سوريا والمخابرات اللبنانية بالمسؤولية عن هذا الاغتيال.
وحذر من جهة ثانية في مجال كلامه عن "سياسة الظلم" القائمة الى ان سقوط النظام السوري "القوي" سيؤدي الى تسليم السلطة في هذا البلد الى تنظيم "القاعدة وحزب الله والزرقاوي".
واضاف انه في هذه الحالة "ستشتعل المنطقة من افغانستان مرورا بالعراق الى سوريا وفلسطين"، محذرا من ان "هذا الظلم يولد بن لادن اخرين ويجب ان نكون جديين" في التعاطي مع هذه المسألة.
وتساءل "لمذا يعتبر قرار مجلس الامن رقم 1559 مقدسا ولا تعتبر قرارات مجلس الامن الاخرى غير مقدسة؟".
وكان الامين العام للامم المتحدة كوفي انان قال في كلمة القاها امام القمة قبل كلمة القذافي انه "قد يكون من الضروري اجراء تحقيق اشمل" حول "جريمة القتل النكراء" التي استهدفت الحريري.
وقال انان "اتوقع الاعلان خلال الايام القليلة المقبلة عن تقرير فريق تقصي الحقائق الذي شكلته على اثر عملية الاغتيال وقد يكون من الضروري ايضا اجراء تحقيق اشمل".
واضاف انان "ان جريمة الاغتيال النكراء التي ذهب ضحيتها رئيس الوزراء السابق الحريري كانت ضربة قاسية. الحريري كان لبنانيا وطنيا ورجل دولة من الطراز الاول وكان له حضور مهم جدا في الاسرة الدولية".
هذا، وكان القادة العرب اقروا في جلسة مغلقة الثلاثاء، كافة التوصيات المرفوعة اليهم، ومن بينها البند المتعلق بتفعيل مبادرة السلام العربية، والتي سارعت اسرائيل لتجديد رفضها لها معتبرة انها لا تمثل نقطة انطلاق وان على العرب البدء بالتفاوض دون شروط.
وقال وزير الخارجية الاردني هاني الملقي ان القادة العرب اقروا خلال جلستهم المغلقة مساء الثلاثاء كل التوصيات التي رفعت اليهم، وبينها البند الخاص بـ"تفعيل مبادرة السلام العربية".
وقال الملقي في ختام الجلسة المغلقة "لقد اقرت القمة العربية كل التوصيات وبينها تلك المتعلقة بتفعيل مبادرة السلام العربية".
واعتبر الوزير الاردني ان "الاردن نجح في تسليط الاضواء على هذه المبادرة وتفعيلها".
وكان الاقتراح الاردني بتفعيل هذه المبادرة اثار خلافات بين الموفدين العرب الى القمة الى ان تم التوافق على صيغة موحدة ارضت كل الاطراف ورفعت الى القمة.
ويتضمن البند الخاص بتفعيل المبادرة العربية تاكيدا عربيا على ان الدول العربية مستعدة لاعتبار "النزاع العربي الاسرائيلي منتهيا، وانشاء علاقات طبيعية مع اسرائيل في اطار السلام الشامل" بعد تحقيق "الانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري المحتل حتى خط الرابع من حزيران(يونيو) 1967، والاراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل الى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194، وضمان رفض كل اشكال التوطين الفلسطيني".
وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس للصحفيين إن القمة العربية ستوفد مجموعة صغيرة من الزعماء العرب لعرض المبادرة العربية على رباعي الوساطة الدولية المؤلف من الولايات المتحدة والامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا.
هذا، وقد سارعت اسرائيل الى تجديد رفضها للمبادرة العربية معتبرة انها لا تمثل نقطة انطلاق وان على الدول العربية أن تبدأ التفاوض دون شروط.
كما جاء رد واشنطن فاترا. وقال آدم ايرلي نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية إن الولايات المتحدة كمسألة مبدأ في سياستها "تساند أوسع اعتراف ممكن بإسرائيل."
وسئل ايرلي لماذا لا تجاهر الولايات المتحدة بتأييد المبادرة العربية فرد بقوله "أنا لا أعبر عن عدم تأييد لها لكني أقول اني لا أعلم ان هذه المبادرة الان تحقق شيئا."
وتساند الولايات المتحدة التي تهيمن على رباعي الوساطة الموقف الاسرائيلي القائل بانه يجب أن تعين إسرائيل وجيرانها الحدود من خلال المفاوضات
وقال خافيير سولانا مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الاوروبي والضيف على الجلسة الافتتاحية إنه يرى تغيرا في الموقف العربي.
وتابع أن "المبادرة بناءة للغاية وبدرجة أكبر من أي وقت مضى. أعتقد أنه يوجد تحرك. لا يمكننا أن ننسى أين كانت المواقف السابقة للجامعة العربية."
واضافة الى البند المتعلق بالمبادرة العربية، تشمل التوصيات الاخرى المقدمة للقمة مواضيع سياسية مثل العراق والسودان والصومال وادانة العقوبات على سورية والتضامن مع لبنان، اضافة الى اصلاح الجامعة العربية والاصلاحات الديمقراطية في العالم العربي.
وقد تعهد الزعماء في اجتماعات أمس بتنفيذ إصلاحات سياسيًا وفقًا للمناهج التي تناسبها رافضين تلقي دروس في هذه الشأن.
وقال عاهل المغرب الملك محمد السادس في كلمته امام القمة "كما نحرم على أنفسنا اعطاء الدروس في هذا الشأن فاننا لا نقبل تلقيها من الغير. وأنه لا أحد يمكنه أن يفرضها علينا لا من بيننا ولا من الخارج".
وقد تراجع الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عن تهديداته بالاستقالة بعد أن تعهدت الدول العربية بتسديد المستحقات المتأخرة عليها. وكشفت مصادر بالجامعة أنها تحتاج إلى 200 مليون دولار حتى تخرج من أزمتها بينما وصلت ديون الجامعة المستحقة لدى الأعضاء إلى أكثر من 100 مليون دولار.
يشار إلى أن الميزانية السنوية للجامعة لا تتجاوز 35 مليون دولار، وبينما تعفى بعض الدول الفقيرة من اشتراكاتها السنوية فإن دولا أخرى لا تدفع حصتها بالكامل.—(البوابة)—(مصادر متعددة)