كان زاخاريا حداد صبيا يتدرب ليصبح حاخاما عندما اختطف واجبر على التحول الى الاسلام ومنح اسما جديدا هو عبدالرحمن يحيى الارياني قبل ان تقوده الاقدار ليغدو رئيسا لليمن الشمالي عام 1967, بحسب صحيفة "هارتس".
وقالت الصحيفة ان هذه المعلومات اوردتها قريبة لزاخاريا (زكريا) هي دوريت مزراحي التي تعمل صحفية في مطبوعة اسبوعية يصدرها اليهود الارثوذكس.
وتضيف ان دوريت كانت قد قررت ان الوقت حان لتكتب عن قريبها زاخاريا حداد، عندما طلب منها ان تأتي بفكرة لمقال ينشر قبيل الاعياد اليهودية.
تقول دوريت التي تقطن في القدس "اتذكر عندما كنت طفلة تلك اللحظة التي اكتشفنا فيها ان شقيق جدتي قد اصبح رئيسا لليمن".
وتضيف ان "اول قطرة من المعلومات جاءت حقيقة من الولايات المتحدة عندما ابرزت رسالة بعث بها قريب وضمنها صورا السؤال: الا يبدو مثل الجدة ليفانا؟. عندما احضر عمي الصور الى امه، جدتي، نظرت اليها وقالت: (انه هو). ولم تذكر شيئا اكثر من ذلك".
وتؤكد دوريت ان أي شخص يشاهد صور جدتها وشقيقها (زاخاريا) لا يمكنه الا ان يرى التشابه.
وتقول "العينان ذاتها، تقاطيع الوجه الصغيرة ذاتها، شكل الانف ذاته، وهو ما لا يترك مجالا للشك. جلس الكبار في ذلك الوقت ينظرون الى صوره، وهم يبحثون التفاصيل معا: الاسم، العمر التقديري، من اجل تاكيد ما شعروا انهم يعرفونه في قلوبهم. كان واضحا للجميع ان عضو العائلة الذي تركوه وراءهم ورئيس اليمن الشمالي كانا شخصا واحدا ونفس الشخص".
هذه المعلومات، نفاها عبدالكريم الارياني، الرجل الثاني في حزب المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن، مستغربا طرحها في هذا الوقت ،وموضحا انها تم الخلط فيها بين رجلين مختلفين.
وقال الارياني في تصريحات اوردها موقع "التغيير" اليمني ان هذه المعلومات جرى تداولها خلال فترة نظام الامامة اثناء الحرب الاهلية "وقد نفيت في وقتها تلك المعلومات التي تحدثت أن القاضي عبد الرحمن الإرياني كان متبنى..وفندت بشكل كامل حتى في الصحف المصرية وغيرها في ذلك الوقت".
واضاف ان "أسرة القاضي يحي الإرياني تبنوا عبد الرحيم الحداد الذي كان يسكن في مدينة إب كما كانت العادة بعد أن يتم، فيما أخواته الكبار هاجرن إلى إسرائيل وعاش في إريان وسمي فيما بعد عبد الرحيم المهتدي وكان يعمل عسكريا عند القاضي عبد الرحمن الإرياني وتوفي قبل وفاة القاضي بخمس سنوات تقريبا وهناك صور يظهر فيها عبد الرحيم المهتدي مع القاضي الارياني".
وتابع قائلا انه "عندما تولى القاضي عبد الرحمن الإرياني الرئاسة قالت أخوات عبد الرحيم المهتدي اللاتي رحلن إلى إسرائيل أن القاضي يهودي.. وهو ما تسبب في إثارة الأمر حينها".
وأشار إلى أن "أسرة بيت الإرياني قامت بتزويج عبد الرحيم المهتدي كمسلم وقد عرف في أروقة الدولة حينها وحتى في مقام الإمام وفي الأماكن كلها".
وفي القصة التي توردها هارتس نقلا عن دوريت مزراحي، فقد كان زاخاريا حداد ولد في محافظة اب في شمال اليمن في ما يبدو عام 1910. وكان والداه يخططان له كي يصبح إما "شوحيت" وهو الشخص الذي يتولى عملية الذبح خلال الطقوس الدينية، او حاخاما. وهكذا بدا دراسة قوانين المهنة في سن مبكرة.كانت تلك سنوات الشك، المياه التي جرى تقنينها تسببت في تفشي الاوبئة وكان اليهود قد تضرروا منها اكثر من جيرانهم العرب.
نقص المياه وانتشار الامراض والظروف المعيشية التي كانت صعبة بعامة، جميعها تغلبت على الابوين اللذين ماتا على التوالي وبفارق زمني قصير، وتركا وراءهما ثلاثة ايتام: ليفانا التي كانت قد تزوجت، وزاخاريا ابن الثماني سنوات، وشقيقهتهما الصغرى ذات الخمس سنوات.
وكان واضحا ان اخبار وفاة الابوين ستصل سريعا الى السلطات في المحافظة والتي ستسارع الى تطبيق قانون اليتم الذي سنه الامام يحيى حاكم البلاد.
وينص القانون على انه اذا اصبحت البنت او الولد اليهودي يتيما، فانه يجري تسليمه الى عائلة مسلمة تتبناه استنادا الى التعليمات الشرعية التي تعتبر النبي محمدا ابا للايتام ولحقيقة ان اليهود في اليمن كانوا يعتبرون تحت الحماية وان الحاكم ملزم برعايتهم.
وتقول صحيفة هارتس التي تورد هذه المعلومات نقلا عن دوريت مزراحي، ان الاخيرة تمكنت من بناء هذه القصة التي تؤرخ لعائلة حداد استنادا الى ما اخبرها به العديد من اقربائها حول ما سمعوه من ابائهم واجدادهم.
على ظهور الخيل
بسبب انها كانت امراة متزوجة، فان السلطات لم تتعرض الى ليفانا وعائلتها، والذين واصلوا العيش في اليمن لنحو خمسة عشر عاما اخرى.
وبمرور السنوات، اصبحت ليفانا ارملة، وتزوجت مرة ثانية من رجل يدعى مناحيم تعسا وهاجرت معه الى فلسطين. كان ذلك عام 1934.
وخلال رحلة صعبة، عبرا الصحراء سيرا على الاقدام وعلى ظهو الحمير ووصلا الى خليج عدن الذي كان تحت السيطرة البريطانية، ومن هناك ابحرا الى الاسكندرية في مصر ومنها الى فلسطين.
استقرا بداية في مدينة القدس القديمة، ولاحقا انتقلا الى حي ناحالوت واقاما هناك حتى وفاتهما.
احد افراد العائلة ويدعى عوفيد تعسا اخبر دوريت انه "ما ان ذاع نبأ وفاة الابوين، وقبل ان تتمكن الجالية اليهودية من اخفائهما، او تزويجهما، كان ممثلو السلطات الذين جاءوا على ظهور الخيل يأخذون زاخاريا واخته.
حاولت العائلة الاعتراض، وعرضت الاموال والجواهر، توسلوا وبكوا، لكن ذلك لم يشفع لهم.
اما الاخت الاخرى كامار التي بقيت وحيدة، فقد امرضها الحزن ومنذ ذلك الحين نادرا ما كانت تشاهد وهي تبتسم.
ارسل زاخاريا على عائلة الارياني ذات العلاقات النافذة والمتحدرة من مدينة اريان التي تبعد عن اب مسيرة يومين على ظهر الخيل.
وكان ابو زخاريا بالتبني قاضيا يتمتع بنفوذ كبير في المجتمع اليمني القبلي في تلك الايام ولديه جنود مسلحون تحت سلطته. واعطى القاضي اسمه الى ابنه بالتبني ورباه بين ابنائه الحقيقيين.
وخلال السنوات الاولى، تقول دوريت استنادا الى شهادات من افراد في عائلتها، تمكن زاخاريا-يحيى من البقاء على اتصال باسرته، رغم تهديده بانه اذا ما حاول الهرب فسوف يتم قتل اخته وابنائها.
اخر الاتصالات معه، والتي كان من بينها رسائل موثقة، كان خلال الحرب العالمية الثانية.
في هذه الفترة كان نيسيم جامليل (ابن ليفانا) قد تطوع في الجيش البريطاني في فلسطين وتعرض للاسر من قبل الالمان. ومن سجنه، وبدافع اليأس، كتب عدة رسائل الى عمه زاخاريا-يحيى في اليمن، والذي كان لا يزال يذكر عنوانه البريدي.
وقد رد عمه الذي كان قد اصبح مسلما وشخصية عامة مهمة، رد برسالتين، وحتى انه ارسل طردي غذاء الى ابن اخيه.
وقد احتفظ جامليل بالرسالتين بين مذكراته الشخصية التي كتبها سرا في سجنه.
وعام 1945، وبنهاية الحرب، جرى اطلاقه من الاسر واعيد الى فلسطين، ولكن مع السنوات تعرضت بعض صفحات مذكراته التي اصفرت للتلف، ومعها اختفت ايضا هاتان الرسالتان.
وفي 1948، شارك القاضي الارياني في انقلاب فاشل ضد الامام. وعلى اثر ذلك اعدم قادة الانقلاب ومن بينهم القاضي وابناؤه.
ورغم انه لم يكن من ضمن المتآمرين، الا ان زاخاريا-عبد الرحمن يحيى الارياني قرر الفرار، وذلك بسبب خشيته من ان يكون مصيره كمصير بقية افراد عائلة الارياني.
وجد ملجأ في الحي اليهودي في اب، مسقط رأسه، ولكنه سرعان ما اعتقل ووضع في السجن لسبع سنوات.
وفي سجن حجة سئ السمعة، كان الوعي السياسي لديه قد اصبح اقوى، وغدا خصما عنيدا للامام والعائلة الحاكمة.
وفي ايلول/سبتمبر 1962، مات الامام احمد، وخلفه ابنه الامام محمد البدر.
وانتهز هذه الفرصة قائد الجيش عبدالله السلال وضباط في الجيش الهمهم فكر الضباط الاحرار في مصر.
وقد نجح هؤلاء في اطاحة الامام الجديد واعلنوا اقامة الجمهورية العربية اليمنية في الشق الشمالي للبلاد.
هذا الامر قاد بعد ذلك الى حرب اهلية بين الملكيين الذين يناصرون الامام والحكومة الجديدة، وهي الحرب التي لها جذور في التاريخ كما في الصراعات القبلية في البلاد.
الرئيس المنتخب
انجرت دول اخرى الى معمعان الحرب: مصر تحت حكم جمال عبد الناصر ساندت الجمهوريين وارسلت قوة عسكرية وصل عديدها في احد المراحل الى 30 الف جندي. والسعودية المجاورة وبدعم من البريطانيين قامت بمساندة الملكيين.
واستمرت المعارك التي استخدم المصريون خلالها اسلحة كيماوية (غاز الخردل) حتى عام 1967.
انقسم معسكر الجمهوريين بين مناصرين للسلال الذي يتبنى افكارا ليبرالية، وانصار لافكار عبدالرحمن يحيى الارياني، الذي كان يعارض فكرة الارتباط بمصر ولوجود القوات المصرية، وكان يؤمن بالمصالحة مع الملكيين.
واطاح الثوار الجدد بالسلال في عام 1967، وجرى انتخاب الارياني كثاني رئيس لليمن الشمالي.
وخلال فترة ولايته، وضعت الحرب الاهلية اوزارها. وغادر الجيش المصري اليمن، وحاول الرئيس الجديد اصلاح التصدعات ومخاوف الحرب.
استمرت فترة ولايته ستة اعوام ونصف العام، شارك خلالها في عدة اجتماعات قمة عربية. وفي حزيران/يونيو 1974، حدث انقلاب اخر في اليمن، واطيح بالارياني الذي لجأ الى سوريا الى ان توفي فيها عام 1998 عن عمر يناهز 88 عاما.
وقد جرى نقل جثمانه بالطائرة الى اليمن حيث دفن.
وتتذكر دوريت مزراحي اللحظة التي احضر فيها احد افراد عائلتها عددا من صحيفة هعولام هوزيه عام 1967.
وقد تضمن مقال في الصحيفة كتبه نوريت غيرتز تحت عنوان "زاخاريا اليهودي، رئيسا لليمن" مقابلات مع عدد من افراد عائلتها.
تقول دوريت ان "النشر بطبيعة الحال كان مدعاة للاثارة، لكن العائلة كانت تريد البقاء في الظل، وكانت الخشية من ان اكتشاف اصوله اليهودية كان من شأنه تعريض حياته للخطر".
ولم تحاول دوريت اكتشاف روابط العائلة فحسب، ولكن ايضا ملء فجوة اخرى في المعلومات: هل كان هناك عبر الاعوام الاثني عشرة التي كان خلالها احد قادة معسكر الجمهوريين، أي اتصال سري بين الارياني واسرائيل؟.
كانت اسرائيل متورطة في الحرب الاهلية في اليمن، وكانت مصلحتها في ابقاء اكبر نسبة ممكنة من الجيش المصري، عدو اسرائيل اللدود، مقيدا في اليمن، وابعاده عن أي نزاع محتمل مع اسرائيل. ولهذا السبب، فقد وافقت اسرائيل على تلبية طلب بريطانيا تزويد الملكيين بالسلاح.
على ان الحقيقة بشأن تورط اسرائيل في الحرب ورغم مرور اربعين عاما ستظل على الارجح غير مؤكدة الى ان يكشف الموساد الاسرائيلي عن ملفاته خلال تلك الحقبة، وهو الامر الذي تلفه شكوك عميقة.
على ان دوريت تقول انه على حد ما هو معروف، فان الموساد لم يحاول الاتصال بالرئيس الارياني.
وتضيف انه على مدى السنوات حاولتالعائلة من وقت الى اخر التحدث حول شقيق الجدة زاخاريا-يحيى، لكنهم ايضا لم يحاولوا الاتصال الاتصال به ابدا.
وتختم دوريت قائلة "اتخيل ولدا بجدائل مموجة ويلف نفسه بشال الصلاة طبقا لعادات يهود اليمن، رجل صغير بالكاد يجلس ويدرس قوانين شيحيتا (عملية ذبح الحيوانات وفق الطقوس اليهودية)، ولا يتساءل عمن يكون حقا: زخاريا حداد ام الارياني؟.