قصائد فواز طوقان: نسيج فكري عن الانسان والوطن والحب

تاريخ النشر: 24 يناير 2005 - 03:25 GMT

بعض ما تتسم به قصائد فواز طوقان التي صدرت أخيرا في كتاب عنوانه "فواز أحمد طوقان .. مختارات شعرية" يتمثل في ان معظمها يشكل نسيجا يتداخل فيه الفكري والانساني والوطني ويطل فيها الحب باشكاله المختلفة بوجه هو وجه الوطن او يتناوب الاثنان على وجه واحد.

وتسجل القصائد من ناحية كثيرا من التطور الذي شهدته القصيدة العربية اسلوبا واتجاهات فكرية وفنية منذ ستينات القرن المنصرم حتى سنة 2000 لكن الشاعر على ارتياحه الواضح في كثير من قصائده الى ما عرف باسم الشعر الحديث الذي اعتمد مبدأ تعدد الاوزان والقوافي يبدو احيانا في حالة من "التنزه" بين قطبين متباعدين زمنا وشكلا فنيا.. نمط "ماضوي" هو القصيدة العمودية الكلاسيكية في نماذج قليلة انطوى عليها الكتاب.. والقطب الآخر -وهو نادر عنده- يبدو أشبه بقصيدة النثر الحديثة التي أصبحت زمنيا على الاقل الاقرب الى هذه الايام.

وقد صدرت مجموعة طوقان في 247 صفحة متوسطة القطع عن وزارة الثقافة الاردنية في نطاق سلسلة "ابداعات" الشهرية.

قامت فاديا المجالي بعملية اختيار القصائد وتحريرها من بين نتاج طوقان الممتد من سنة 1963 الى سنة 2000 .

الدكتور طوقان اكاديمي ذو ثقافة شرقية وغربية غنية وخبرة واسعة وهو الآن استاذ زائر في الادب العربي في الجامعة الاميركية في بيروت التي قدم اليها من التدريس الجامعي في البحرين واماكن اخرى. وقد صدرت له اخيرا رواية باسم "وداعا جنيف".

من حديث المجالي عن الشاعر في المقدمة التي كتبتها للمختارات ما اوردته عن عائلته الشهيرة في عالم الشعر ومن أبرز أسمائها راحلان كبيران.. عمته الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان وعمه الشاعر ابرهيم طوقان.

وقالت مخاطبة القارىء "وقبل ان تسترسل في رحلتك عبر هذه المختارات تذكر ان صاحبها هو الصوت الرابع في عنقود شعري ناضج في ألمع عائلة من بيوت العلم والادب والسياسة بمنطقة جنوب الشام فهو اذن يحمل إرثا اجتماعيا خصبا بالماعاته وانجازاته ومكتسباته او مثقلا ينوء بأوزاره. فحكم عليه الا تكون مهمة الانفراد والتميز رحلة سهلة."

الوطن والحب ومسائل الفكر تشكل اذن خطا دائم البروز في مسيرة فواز طوقان الشعرية الى درجة توضح تماما بعض اهم انشغالاته المستمرة التي لا يحجبها الزمن بل يضيف اليها صورا وتصورات والوانا من نتاج مسيرة العمر.

في القصيدة الاولى التي تحمل عنوانا هو "أسئلة لم تطرح بعد" وتاريخها عام 1973 أي سنة الحرب وعبور قناة السويس يبدا بالقول "نرجس الاغوار أفضت عينات منه للسوق الحلال /وحشيش الشط أودى بالرجال/ شفة العذراء ما فاهت بكلمة" ويختمها على الشكل التالي "يا طيوب الهند في صدر الصبايا المنعمات/ هل سألت البرق ان يخفق عن رعد محال؟/ لا لهيب الشط أبقى فيك من حزن دفين/ لا ولا حر الرمال/ لفتحك الريح واشتد الحنين/ حين راحوا يعبرون الشط شرقي القنال".

في قصيدة "عندما انطلق الرصاص" التي أهداها الى أُمه يقول "وحضنت وجهي/ والجنود تفرقوا بين الازقة يبحثون/ عن صدر مغرور أشاع الرعب في ساقيه أحزان الفرار/ كي يزرعوا بين الضلوع وفي العيون/ دوي عقم الانفجار/ والعابرون .. ت ف ر ق وا".

قصيدة "جدارية" وهي عمل مميز نشر سنة 1976 وفيها يخاطب أب فلسطيني ابنته .. تحفل في وجوهها المتعددة بحزن هادر "كريمة يا اعز الناس/ ويا رقية/ حلمت بشعرك الذهبي أمسية/ تهدل في عروق الارض كالالماس/ اغنية/ تشيع بها هموم الليل موسيقى/ وتكتب في حنايا النفس مرثية/ فاه من هموم الليل والوسواس والخناس/ واه من عروق الارض/ فان الارض مسبية/ يعز علي حين اموت في يأسي/ انا والحنظل المسكوب في كأسي/ الا التقي بتراب جد الجد/ الا تهطل الامطار فوق الارض/ الا تنبت الازهار من جسدي... ايا بنتي الاخيلية/ اذا ما دولة الايام دالت مرة اخرى/ وأبصرت اسوداد العنف في شفتي/ من الصورة/ فقولي انه ابتي/ وكان يقول للدنيا لكل الناس/ "على صدري حجار ثمود/ دحاها الليل فيما دحا/ وفي جنبي جراح سود".

قصيدة "الخريف في الحياة" التي أهدها الى "والدي الحبيب احمد عبد الفتاح طوقان" ذات الجو الرومانسي تبدأ كغمامة حزن. يقول "يأتي الخريف مبكرا في ذي البلاد/ ويمد راحته الخفية اول الامرين مضطربا خجولا/ ويروح كالترف الشجي مراوغا يتخطف الاوراق/ عن اشجارنا غصنا فغصنا/ يذوي الحشائش والنباتات الصغيرة والورود/ ويقصر الساعات ينشر في فضاء اليوم أوشحة المغيب".

في "ثلاثية البقاء او الدموع او السفر" وفي القصيدة الثانية "دمعة" استشهاد بقصيدة "المطر" لبدر شاكر السياب وقوله "وكم ذرفنا ساعة الرحيل من دموع" يبدا فواز في تساؤل عميق "في غمرة العناق/ يخطر لي سؤال/ أتساءل/ ترى هو الرحيل؟/ اتساءل/ ترى هو اللقاء؟/ في غمرة العناق والرحيل واللقاء/ وهجمة الدموع والنحيب والنشيج/ يخطر لي سؤال/ ما الفرق بين لحظة الرحيل وبين لحظة اللقاء؟/ ما الفرق.. عندما تلوح في الافاق علائم الفراق؟/ او عندما تلوح شارة العناق للتلاق؟/ الامر كله عبارة عن برهة او برهتين/ ولمحة اشتياق/ لما مضى من الزمان/ او ما سيأتي في الزمان/ المحها مكثفة".

في "ذكرى الاسراء والمعراج - يوم الاقصى" وتحت عنوان "حي المآذن" يقول "حي المآذن والقباب العالية والصخرة الشماء تجلى زاهية.. حي المنابر والمحاريب العتيقة والأحبة والجيار الشاكية".

وربما شكلت قصيدة "خاتمة" تكثيفا لحالات وافكار ومشاعر مما حفلت به مختارات فواز طوقان. ففيها يقول "هوايتي..السفر/ ومهنتي..صياغة الاشواق والضجر/ فيا رحى الايام دوري مثلما الايام تشتهي/ ويا زمان الصابئين خل عنك وانتش/ ولا تذر/على رُبى الأيام من اثر../ حكايتي مذلة/ ورايتي مُطلة/ وموسمي سينقضي مع المواسم المقلة/ ها هنا ان شاء ربي تنتهي الحكاية/ لانها نهاية الهواية/ وقصة طويلة عن القضاء والقدر".