رسخ الرئيس السوداني عمر حسن البشير قدميه في السلطة في اكبر دول القارة الافريقية من حيث المساحة يوم الاثنين بفوز انتخابي حاسم جاء في اعقاب حملة ابرزت التكتيكات الرصينة لشخصية عسكرية محنكة.
وستشهد الاشهر القليلة القادمة ما اذا كان البشير - وهو الرئيس الوحيد في العالم الذي يصدر بحقه أمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية وهو على رأس السلطة - يمتلك ايضا الحنكة السياسية لادارة دفة الامور في البلاد نحو استفتاء يجري عام 2011 والذي قد يشهد انفصال الجنوب ذي الاغلبية المسيحية عن الشمال ذي الاغلبية المسلمة.
وتجابه هذه الدولة المنتجة للنفط عاما يحمل توازنات في غاية الحساسية فيما يحاول زعيما شمال السودان وجنوبه - اللذان خاضا حربا اهلية استمرت عدة عقود من الزمن - حسم قائمة من المسائل الشائكة قبل الاستفتاء المرتقب.
الا ان البشير الذي يتحدى امرا بالاعتقال من لاهاي بشأن جرائم حرب مزعومة في دارفور لا يتصف بمواجهة الامور باللياقة.
لقد كان عسكريا كبيرا في القوات المسلحة لكنه كان مغمورا عندما تقلد زمام السلطة في انقلاب ابيض عام 1989 في تحالف مع الاسلاميين وأطاح باخر حكومة مدنية منتخبة في البلاد.
وخلال سنواته الاولى في السلطة شهد البشير تحول السودان الى دولة اسلامية متشددة مارقة منحت ملاذا لاسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة.
وعندما رفع المتمردون اسلحتهم في دارفور قام البشير بتسليح ميليشيات لسحق الانتفاضة الامر الذي اطلق شرارة موجة من اعمال العنف التي لاتزال الولايات المتحدة تصفها بانها ابادة جماعية وهو الاتهام الذي تنفيه حكومة الخرطوم.
ورد البشير على أمر الاعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بان طرد من البلاد 13 جماعة اغاثة رئيسية في دارفور. وهدد بطرد البقية الباقية من هذه الجماعات الا انه لم يقدم حتى الان على هذه الخطوة التي بات يقينا انها ستفاقم من الاوضاع الانسانية المتردية بالفعل في دارفور.
ووازن البشير بين النزعة العدوانية باللجوء الى الاسلوب العملي لاسيما عندما يتعرض لضغوط خارجية.
وعقب هجمات التاسع من سبتمبر ايلول على الولايات المتحدة - عندما حذر الرئيس جورج بوش آنئذ الدول الاجنبية من ان (من ليس مع الولايات المتحدة فهو ضدها) - كثف السودان من تعاونه الامني وقام بتبادل المعلومات بشأن ابن لادن ضيف السودان في السابق.
وفي عام 2005 - ومرة ثانية تحت ضغوط من جانب الولايات المتحدة - دنا البشير ببلاده من الحظيرة الدولية بابرامه اتفاق سلام انهى أكثر من عقدين من الحرب الاهلية بين شمال البلاد وجنوبها ونص على اجراء الانتخابات والاستفتاء.
ومع مرور الوقت تراجعت الاجندة الاسلامية للنظام لتتحول الى اهتمام متزايد بتوطيد العلاقات مع العالم الخارجي لاسيما ما يختص بصناعة النفط السودانية.
وتستثمر بعض شركات النفط العالمية الكبرى في السودان بالفعل على غرار شركة (سي ان بي سي) المملوكة للدولة في الصين وبتروناس الماليزية. ومن المؤكد ان الشركات الكبرى تراقب الموقف عن كثب قبل استفتاء عام 2011 الذي قد يفضي الى انفصال جنوب السودان الذي يتمتع بحكم شبه مستقل عن بقية البلاد.
ووعد البشير بحل الصراع في دارفور من خلال المفاوضات على الرغم من ان بعض المحللين يخشون من ان فوزه قد يجعله يجرؤ على شن حملة عسكرية جديدة.
ورغم شكاوى من قبل المعارضة بالتزوير وتعبير المراقبين عن القلق الا ان فوز البشير في الانتخابات منحه مسحة جديدة من التوقير - داخليا على الاقل.
ويترقب العالم الان ماذا سيصنع بنصره