استند بظهره إلى جدار من الطوب، فيما أرخى ساقيه على كومة من الرمل بحثا عن قليل من الراحة. تبدو مهنة البناء في غاية المشقة بالنسبة لشخص في "خريف" الثلاثين ويعاني جملة من الأمراض الناتجة عن إصابته بتسعة أعيرة نارية في غير موضع من جسده النحيل.
قال عماد (...) وهو يهم بالوقوف لمواصلة تجهيز الخلطة الأسمنتية " لم أتوقع أن ينتهي بي الحال إلى هذه الدرجة". ويتابع، أثناء متابعته للعمل" في البداية لم أتوقع أن أعيش، وعندما عشت لم أتوقع أن يتم الإفراج عني ".
عماد واحد من عشرات الأردنيين الذين امضوا أحكاما بالسجن في السجون الإسرائيلية والذين تم الإفراج عنهم في إطار اتفاقية السلام التي وقعتها الحكومة الأردنية مع نظيرتها الإسرائيلية.
معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية أو ما يشار إليه باسم معاهدة وادي عربة هي معاهدة سلام وقعت بين إسرائيل والأردن على الحدود الفاصلة بين الدولتين والمارة بوادي عربة في 26 أكتوبر 1994 م.
عماد ، اسم افتراضي اختاره الأسير المحرر رغبة منه في عدم الإفصاح عن شخصيته الحقيقية.
يتابع عماد الذي أمضى خمس سنوات في السجون الإسرائيلية بتهمة التسلل عبر الحدود الأردنية عام 1990 ،"أثناء وجودي في السجون الإسرائيلية كنت اشعر أن للأسير الأردني في السجون الإسرائيلية احتراما وتقديرا لدى المجتمع" .
ويقول "بعد تحريري من الأسر كانت الأمور مختلفة تماما عما توقعتها، للدرجة التي لم استطع معها إيجاد عمل يتناسب ومؤهلي الدراسي أو وضعي الصحي". " الأبواب التي طرقتها ضنا مني أنها ستفتح، أغلقت جميعها في وجهي بما فيها الأبواب التي حملت وتحمل لواء الدفاع عن الأسرى الأردنيين في السجون الإسرائيلية حتى اللحظة" حسبما أضاف.
عماد... بالإضافة لما يتقاضاه من مهنة البناء يعيش حياته معتمدا على 180 دينارا يتقاضاها من منظمة تحرير فلسطين نظيرا للفترة التي قضاها في السجن، ويقول " الـ 180 دينارا تحل الكثير من مشاكلي، لكن الحصول عليها يتعثر بتعثر العلاقات الفلسطينية بالداخل".
مأزق بلا حدود
رئيس لجنة الأسرى المحررين وائل الأمير يصف واقع الأسرى المحررين بـ"مأزق لا حدود له"، مشيرا الى ان "الأسرى المحررين يعيشون جملة من المشاكل المترابطة ذات علاقة بالجوانب الأمنية، والاقتصادية، والصحية ، والاجتماعية.
الأمير واحد من قائمة الأسرى المحررين، اذ سبق وسجن في السجون الإسرائيلية لمرتين بتهمة "التسلل عبر الحدود بقصد القيام باعمال تخريبية"، الأمير الذي غادر السجن ما زال يحمل اثار الاعتقال في يده المشوهة.
ويضيف، ينظر إلى الأسرى المحررين على اعتبارهم "إرهابيين" أو يدمغون بوصف ذوي سوابق أمنية ما يحول بنهم وبين القدرة على العمل، ويتابع عادة ما يتم تسرحهم من العمل إذا ما طلب رب العمل شهادة عدم محكومية، ويزيد، في حالات أخرى تقوم الأجهزة الأمنية بالتضييق عليهم، الامر الذي يتهددهم بتسريحهم من العمل.
الناطق الإعلامي باسم الأمن العام الرائد بشير الدعجة ينفي من جهته أن تقوم الأجهزة الأمنية بالتضييق على أحد في عمله.
ويضيف مسالة العمل تنحصر في صاحب العمل فقط، ويتابع.. "دور الأجهزة الأمنية يتوقف عند إصدار شهادة تتضمن القيود الأمنية للشخص بناء على طلب المحكمة".
الأمير وقبل أسره كان يعمل إمام مسجد، يقول "بعد تحريري حاولت العودة إلى عملي إلا انني لم أتمكن من ذلك، كما لم أتمكن من العمل في أي وظيفة أخري اكثر من شهر".
الأمير يعتاش ألان من خلال عمله في الحدادة والتي تأمن لحد الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بحسبه.
رئيس وحدة التوعية والتدريب في المركز الوطني لحقوق الإنسان المحامي محمد الناصر يقول الأصل ألا يوجد قيد آمني ابدي، ويضيف "حتى وجود القيد الأمني يجب ألا يكون سببا للحرمان من العمل في شتى المهن" .
علاوة على المأزق الأمني وما يتبعه من مآزق اقتصادي يقول الأمير" يعيش الأسرى مأزقا صحيا، فغالبيتهم يعانون أمراضا ناتجة عن إصابات تحتاج إلى علاج طويل ومكلف".
ويضيف " الأسرى لا يملكون القدرة على العلاج كما لا يتوفر المتبرعون لعلاجهم، ما يجعل من أمراضهم أمراضا مستعصية". يشار إلى أن لجنة الأسرى المحررين التي تأسست في آب 1995 تظم 37 أسيرا و اربع أسيرات.
1500 رسالة ولا رد
أبو حمزة ليس احسن حالا من سابقيه، يقول الأسير الذي أمضى عشرة سنوات إلا شهر واحد في السجون الإسرائيلية، ليخرج بعدها على اثر عملية الإفراج التي تمت عقب محاولة الموساد الإسرائيلي اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في العاصمة عمان عام 1996، "ليست بهذه الطريق تنتهي الأمور".
أبو حمزة كما أراد أن نطلق عليه أتم في السجون الإسرائيلية دراسة البكالوريوس وافرج عنه فبل شهر من مناقشته لرسالة الماجستير في العلاقات الدولية.
يقول بعد خروجي اعتمدت بشكل كامل على راتب منظمة تحرير فلسطين ، يتابع بعد حين اضطررت بفعل تعثر استلام الراتب بشكل منتظم للبحث عن عمل اعتاش منه.
يذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية تقوم بصرف رواتب لعدد من الاسرى المحررين، والذين غالبا ما يكونوا من المنتميين لواحدة من الفصائل الفلسطينية الممثلة في المنظمة.
يقول أبو حمزة عملت في البداية مترجما للغة العبرية في إحدى الصحف الا انه تم تسريحي من العمل بعد أن طلبت الصحيفة مني شهادة عدم محكومية. بعد ذلك "توجهت للأعمال الحرة فعملت في التمديدات الكهربائية إلى أن استقر بي العمل سائق تاكسي".
ولافتا الى تفاصيل معاناته خلال فترة اعتقاله "اكثر ما المني وأنا في السجن عدد الرسائل التي أرسلتها إلى أعضاء في مجلس النواب وتلك التي أرسلتها إلى لجان الحريات والنقابات والأحزاب".
ويتابع "أرسلت اكثر من 1500 رسالة ولم يأتي رد واحد... ولم يذكرها أحد".
يقول أدركت أن قضية الأسرى كانت بالنسبة للمشتغلين فيها شكلا من أشكال "الترف"، ويضيف " يريدوننا ديكور في المهرجانات الخطابية التي يقيمونها، لكن عندما ينتهي الحفل نبقى وحدنا دون يد عون".