ثبتت المحكمة الإدارية العليا في مصر اليوم الاثنين قرارا قضائيا ببطلان توقيع الحكومة على اتفاقية تمنح بموجبها مصر السعودية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، ما من شأنه أن يعقد العلاقات الباردة أصلا مع المملكة.
وأعلنت المحكمة الإدارية العليا (أعلى جهة للطعون الإدارية وأحكامها نهائية)، اليوم، رفض طعن قدمته هيئة قضايا الدولة (ممثلة الحكومة) على حكم أصدره القضاء الإداري، في يونيو/حزيران الماضي، ببطلان الاتفاقية الموقعة بين القاهرة والرياض المعروفة إعلاميا باسم تيران وصنافير في أبريل/نيسان الماضي.
وأقيمت الجلسة وسط إجراءات أمنية مكثفة، حيث طوقت قوات الأمن المتجمعين خارج المحكمة والشوارع المؤدية إليها.
وقال أحمد الشاذلي، رئيس المحكمة في الجلسة التي بثها التلفزيون الحكومي ومحطات فضائية خاصة، إن “هيئة المحكمة استقر رأيها بجميع الآراء على مصرية جزيرتي تيران وصنافير”.
وأكد، عبر منطوق الحكم، أن “سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها”.
وأضاف: “مصر أصدر شعبها دستورا جديدا استولد منه نظام قانوني جديد يجب أن يرسّخ مبدأ سيادة الشعب والفصل بين السلطات”، في إشارة منه إلى ما تتحجج به الحكومة المصرية من أن الاتفاقيات الدولية ليست من اختصاص المحكمة.
وتابع: “المحكمة أجابت على جميع الدفوع، وردت على ما أثير حول احتلال مصر للجزيرتين، وأكدت أن مصر ليست خريطة رسمها خطاط وإنما هي بلد قديم”
ومضى قائلا: “جيش مصر لم يكن أبدا، قديما أو حديثا، جيشا احتلاليا لأراضي الغير، وما أخرجته مصر خارج حدودها إلا دفاعا عن أمنها وأمن أمتها العربية”.
واستطرد: “التاريخ سيقف طويلا حتى يتذكر دولة غير مصر تركت حكم دولة مجاورة كانت وما زالت تمثل عمقها الاستراتيجي ويحمل ملكها اسمها مع مصر، مكتفية بعلاقات الود والقربى وحرمة الدم” في إشارة للسودان؛ حيث كان ملك مصر حتى آخر عهد الملكية (مع الملك فاروق الأول 1952:1936) يسمى ملك مصر والسودان.
ولفت القاضي إلى أن المحكمة تلقت طلبا من هيئة قضايا الدولة بتأجيل الحكم في القضية لوجود منازعة قضائية تتعلق بها في المحكمة الدستورية العليا (المختصة بالفصل في مدى دستورية القوانين)، موضحا أنها رأت أنه لا وجه (قانوني) لإقامة منازعة التنفيذ.
وتابع: “الحكومة لم تقدم ثمة وثيقة أو شيئا آخر يغيّر أو ينال من هذ الأمر، ولهذه الأسباب ولغيرها أعدت الدائرة حكمها في 59 صفحة والذي نص بإجماع الآراء على رفض الطعن (الحكومي)” على حكم القضاء الإداري، في يونيو/حزيران الماضي، ببطلان اتفاقية تيران وصنافير.
وقال الرئيس الاسبق لمجلس الدولة محمد حامد الجمل “طبقا لأحكام قانون مجلس الدولة، هذا حكم نهائي”.
لكنه اعتبر ان الحكم “يتناقض مع الدستور والقانون الذي يقر بعدم اختصاص القضاء الاداري في دعاوى اعمال السيادة التي تشمل الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية تيران وصنافير”.
وأشار الجمل إلى أن “الحكومة يمكن ان تطعن مجددا امام محكمة الامور المستعجلة لوقف تنفيذ الحكم وكذلك امام المحكمة الدستورية العليا لان الحكم مخالف للدستور والقانون”.
وفور صدور الحكم، حمل الحاضرون المحاميين والناشطين خالد علي ومالك عدلي على الأعناق وخرجوا بهما إلى خارج المحكمة الواقعة في مبنى مجلس الدولة بالقاهرة، وردد عشرات المحتشدين داخل وخارج المحكمة هتافات مناهضة للاتفاقية منها “عيش… حرية… الجزر دي (هذه) مصرية”، “بالطول بالعرض إحنا أصحاب الأرض”، “ارفع راسك فوق أنت مصري”، “القضاء قالها قوية الجزر دي مصرية”، وسط تصفيق حاد وإطلاق للزغاريد وترديد للنشيد الوطني للبلاد.
وصدر الحكم في القضية، التي أثارت جدلا واسعا على مدى بضعة شهور، برئاسة المستشار “أحمد الشاذلي” نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين “محمد عبد الوهاب خفاجي” و”محمود رمضان” و”مبروك حجاج” نواب رئيس مجلس الدولة.
فيما قال رفيق شريف، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، في تصريحات صحافية، عقب الحكم، إن الحكم ليس نهاية المطاف، وهناك منازعة تنفيذ (دعوى قضائية) أمام المحكمة الدستورية العليا لإلغاء أي حكم صادر ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية.
وأوضح أن هذه الأحكام ستسقط بمجرد أن يمارس البرلمان حقه الدستوري في مناقشة الاتفاقية وإقرارها.
ومؤخرا، قدمت الحكومة ممثلة في هيئة قضايا الدولة منازعة قضائية أمام المحكمة الدستورية العليا بشأن ما تقول إنه عدم اختصاص القضاء الإداري بنظر دعوى اتفاقية تيران وصنافير من الأساس باعتبارها اتفاقية دولية تخص السيادة.
وطالبت الهيئة ذاتها بوقف صدور حكم اليوم لحين الفصل فيها من المحكمة الدستورية، وهو ما لم تستجب له المحكمة اليوم، مبررة ذلك بأنه “لا وجه قانوني” لهذا الطلب.
من جانبه، قال وزير العدل الأسبق، أحمد مكي، “حكم اليوم نهائي وواجب التنفيذ من الحكومة وملزم للبرلمان، ولا يمكن تجاوزه وأي شيء بخلاف ذلك هو نيل كبير من هيبة الأحكام والقضاء”.
وأضاف: “أما المنازعة المنظورة أمام المحكمة الدستورية فهي إجراء لن يؤثر على الحكم (الصادر اليوم)، والمحكمة الدستورية تعي ذلك، وأتوقع أن تتجاوزهما، وتنحاز لصحيح القانون والدستور وصحة حكم البطلان وتأييده”.
ورغم تراجع الاهمية الاستراتيجية، بحسب الخبراء، لجزيرتي تيران وصنافير غير المأهولتين واللتين تتحكمان في مدخل خليج تيران، الممر الملاحي الرئيسي للوصول الى ميناء إيلات الاسرائيلي على خليج العقبة، الا ان المصريين الذين شاركوا في الحروب العربية-الاسرائيلية قبل ان تصبح مصر اول بلد عربي يوقع معاهدة سلام مع اسرائيل عام 1979، لا يزالون يتذكرون حرب الخامس من حزيران/يونيو 1967.
فقد كان اغلاق خليج تيران امام السفن الاسرائيلية بقرار من جمال عبد الناصر في 23 ايار/مايو عام 1967 شرارة أشعلت بعد اقل من اسبوعين الحرب العربية-الاسرائيلية الثالثة التي احتلت خلالها اسرائيل هضبة الجولان السورية والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وجزيرتي تيران وصنافير اللتين كانتا آنذاك في حماية الجيش المصري.
وعند ابرام اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل عام 1978، وضعت الجزيرتان مثل بعض اجزاء من شبه جزيرة سيناء ضمن ما يعرف بـ”المناطق ج” حيث يمنع اي تواجد للجيش المصري ويسمح فقط بانتشار عناصر من الشرطة.
ويعود اهتمام السعودية بالجزيرتين الى “اسباب تاريخية أكثر من اي شيء آخر”، اذ ان المملكة اعتبرتهما دائما اراضي سعودية.
ووصف السفير السابق والمحامي معصوم مرزوق الذي شارك في حرب 1973 الحكم بـ”التاريخي”.
وقال مرزوق في قاعة المحكمة “تلك الجزيرتان مصريتان ولا توجد قوة في العالم يمكن أن تأخذهما منا”.
وتتهم المعارضة المصرية الحكومة بأنها “باعت” الجزيرتين للسعودية لقاء الحصول على دعم اقتصادي وسياسي، مشيرة الى انه لم يسبق ان مارست السعودية عليهما ايا من مظاهر السيادة.
وكانت الحكومة بررت قرارها بالقول ان “العاهل السعودي الراحل الملك عبد العزيز آل سعود كان قد طلب من مصر في يناير 1950 أن تتولى توفير الحماية للجزيرتين”، وان الاتفاقية استندت الى قرار جمهوري اصدره الرئيس الاسبق حسني مبارك وابلغ به رسميا الامم المتحدة في ايار/مايو 1990 “يجعل جزيرتي تيران وصنافير داخل المياه الاقليمية السعودية”.
وكانت الرياض أكبر داعم لنظام عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق الذي أطاح الرئيس محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، إذ ضخت مليارات الدولارات لدعم الاقتصاد المصري المنهك.
إلا أن الخلاف حول بعض الملفات الإقليمية ألقى بظلاله على العلاقات بين البلدين. ويغضب موقف القاهرة القريب من روسيا، الداعم الرئيسي للرئيس السوري بشار الأسد، الرياض التي تدعم المعارضة.
ويقول المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية شبه الحكومي السفير السيد أمين شلبي أن القاهرة والرياض أمام سيناريو من اثنين يختبران من خلاله “علاقتهما الاساسية والمهمة” للشرق الاوسط.
ويضيف ان هناك “سيناريو يحمل حكمة من قادة البلدين ينأى بعلاقتهما عن الخلاف حول الجزيرتين، أو سيناريو يأخذ شكلا من التوتر وعدم التعاون”.
ولم تعد امدادات شركة ارامكو السعودية بالنفط لمصر منتظمة خلال الفترة الاخيرة.
ويقول المستشار الجمل “البرلمان هو المختص بالنظر في الاتفاقيات الدولية ولا يزال بامكانه الموافقة عليها وتمريرها. لكننا سنكون امام وضع قانوني غريب ومتناقض”.
وكانت اتفاقية تيران وصنافير أثارت احتجاجات وتظاهرات غير مسبوقة منذ عامين ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي قمعتها الاجهزة الامنية.









