لم يعد وزراء الحكومة الاسرائيلية وأعضاء الـ"كنيست" الذين سيساعدون في اتخاذ قرار حول ما اذا كان ينبغي مهاجمة منشآت ايران النووية بحاجة للانتظار لوقت أطول للحصول على ايجاز تحضيري من سلاح الجو الاسرائيلي. ذلك ان بوسع هؤلاء، حسب صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية الصادرة الجمعة، ان يقرأوا عن جميع السيناريوهات الممكنة لضربة لايران، وعن الأخطار المحتملة وفرص النجاح، في دراسة أعدها باحثان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن
.ومع ان الصحيفة الاسرائيلية تذكر اسمي الباحثين اللذين اعدا الدراسة، فانها لا تذكر ان اسم احدهما وهو عبدالله طوقان، يشير الى انه فلسطيني الاصل من احدى العائلات العريقة في مدينة نابلس الفلسطينية. اما الباحث الآخر فهو انتوني كوردزمان
.وتقول "هآرتس": "لم يسبق أبدا نشر مثل هذه الدراسة المفتوحة والمفصلة والشاملة عن خيارات الهجوم الاسرائيلية. وجمع مؤلفا الدراسة المكونة من 114 صفحة بدقة كل المعلومات المتوافرة عن القدرات العسكرية الاسرائيلية وبرنامجها النووي، وعن التطورات النووية الايرانية ودفاعاتها الجوية، وايضا عن مخزون الصواريخ لدى كلا البلدين
.وبعد تحليل جميع الاحتمالات لهجوم على ايران، خلص طوقان وكوردزمان الى ان: "الضربة عسكرية تشنها اسرائيل على منشآت ايران النووية ممكنة...(ولكن) ستكون معقدة وتنطوي على مخاطر كبيرة وستفتقر الى اي ضمانات بان المهمة الكلية سيكون لها معدل نجاح كبير
".تتعلق المشكلة الاولى التي يشير اليها الباحثان بالمعلومات الاستخبارية، أو بتعبير أكثر دقة، نقص هذه المعلومات. وكتبا في الدراسة: "ليس معروفا ما اذا كان لدى ايران بعض المنشآت السرية التي تجري فيها عمليات تخصيب لليورانيوم". واذا كانت هناك منشآت غير معروفة للغرب قائمة بالفعل، فان البرنامج الايراني لتخصيب اليورانيوم يمكن ان يستمر في التطور سرا، بينما ستهاجم اسرائيل مواقع معروفة- وستفقد بذلك المكاسب من الضربة. ويقول الكاتبان ان مهاجمة ايران، بصورة عامة، مبررة فقط اذا أنهت برنامج ايران النووي او اوقفته لعدة سنوات. وهذا الهدف من الصعب جدا تحقيقه
.ويذكر ان وكالات الاستخبارات منقسمة ايضا بشأن السؤال الحرج حول الموعد الذي ستتمكن فيه ايران من صنع قنبلة نووية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الاستخبارات الاسرائيلية ان طهران ستمتلك قنبلة ما بين 2009 و2012، فان تقديرات المجتمع الاستخباري الأميركي تشير الى ان ذلك
لن يحدث قبل عام 2013. واذا كانت تقديرات الاستخبارات الاسرائيلية أكثر دقة، فان النافذة لشن ضربة عسكرية آخذة بالانغلاق بسرعة. ومن الواضح للجميع ان أحدا لن يجرؤ على مهاجمة ايران بعد ان تمتلك اسلحة نووية.وبما ان لدى ايران عشرات من المنشآت النووية موزعة في انحاء اراضيها الكبيرة، وبما انه يستحيل مهاجمتها جميعا، فقد بحث طوقان وكوردزمان خيار مهاجمة ثلاثة منها فقط، والتي "تشكل جوهر دورة الوقود النووي الذي تحتاجه ايران لانتاج مواد انشطارية بخصوبة مناسبة لصنع اسلحة نووية
".ومن شأن تدمير هذه المواقع الثلاثة ان يعطل برنامج ايران النووي لسنوات عدة. وهذه المواقع الثلاثة هي: مركز الابحاث النووية في اصفهان ومنشأة تخصيب اليورانيوم في ناتانز ومعمل المياه الثقيلة في أرك، المخصص لانتاج البلوتونيوم في المستقبل. ومن المشكوك فيه ان تبادر اسرائيل الى شن هجوم يمكن ان تكون له مثل هذه التداعيات الكبيرة فقط لمهاجمة عدد صغير من المنشآت، في وقت ليس ليس واضحا فيه تماما ان هذا سيوقف لفترة طويلة من الزمن سعي ايران للتحول الى قوة نووية
.وتحلل الدراسة ثلاثة مسارات تحليق محتملة للطائرات الاسرائيلية، وتخلص الى ان المسار المثالي والأرجح هو المسار الشمالي الذي يمر على الحدود السورية- التركية، ويقطع عبر الطرف الشمالي الشرقي للعراق ويوصل الى ايران. ويمر المسار المركزي فوق الاردن ويعتبر اقصر، ولكن لن يتم اختياره خوفا من التسبب في مشاكل سياسية مع الأردنيين. ويمكن ان يؤدي استخدام المسار الجنوبي، الذي يمر عبر الاردن والسعودية والعراق، الى مشاحنات سياسية ايضا
.ولتجنب رصد الطائرات في طريقها الى ايران، فان سلاح الجو سيستخدم تكنولوجيا متطورة لغزو وتشويش شبكات الاتصال واجهزة الرادار في الدول التي ستحلق فوقها طائرات "اف- 15" و"اف- 16"، بحيث انه حتى لو مرت عشرات الطائرات عبر المجال الجوي لهذه الدول، فلن يتم رصدها. وبحسب الباحثين، فان سلاح الجو الاسرائيلي استخدم هذه التكنولوجيا في الغارة على المفاعل النووي السوري في دير الزور في ايلول (سبتمبر) من عام 2007. وتم تثبيت نظام قرصنة على متن طائرتين من نوع "غالف ستريم جي 550" اشتراهما سلاح الجو الاسرائيلي في السنوات الأخيرة
.وستتطلب مهمة ضرب ثلاث منشآت أقل من 90 طائرة قتالية، من بينها جميع طائرات "اف-15 اي" وعددها 25 في مخزون سلاح الجو الاسرائيلي اضافة الى 65 طائرة "اف- 16 سي". وفوق ذلك، فان جميع طائرات تزويد الوقود يجب ان تكون في الجو: 5 طائرات "كي سي 130 اتش" و4 من نوع "بي 707". وسيتعين تزويد الطائرات القتالية بالوقود في طريقها الى ايران وايضا في طريق عودتها منها. ويواجه سلاح الجو الاسرائيلي صعوبة في تحديد منطقة يمكن ان تحلق فوقها طائرات الوقود بدون ان يتمكن الاتراك او السوريون من رصدها
.ومن أصعب المشكلات العملياتية على الحل حقيقة ان المنشأة في نتنز مدفونة على مسافة عميقة تحت الأرض. وجزء منها، وهو معمل تخصيب الوقود، يقع على عمق يصل الى 8 امتار ومحصن بجدار اسمنتي سمكه 2،5 متر، وهو بدوره محصن بجدار اسمنتي آخر. وبحلول منتصف عام 2004، عزز الايرانيون الاجراءات الدفاعية للجزء الآخر من المنشأة، الذي يضم اجهزة الطرد المركزي. وقاموا بدفنها على عمق 25 متراً تحت الأرض، وبنوا سقفا فوقها مصنوعاً من الخرسانة المسلحة بسمك عدة امتار
.ويستخدم الايرانيون اجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم وهو ما يحتاجون اليه لانتاج قنبلة نووية. وفي منشأة ناتانز هناك 6 آلاف جهاز للطرد المركزي، وينوي الايرانيون تركيب ما مجموعه 50 ألفا ليتمكنوا من انتاج 500 كيلوغرام من اليورانيوم سنويا لغايات انتاج اسلحة نووية. وهذا يعني ان منشأة ناتانز ستوفر ما يكفي من المواد القابلة للانشطار لانتاج ما بين 25 و 30 سلاحا نوويا كل عام
.ونظرا لأهمية ناتانز فان الايرانيين لم يوفروا جهدا في حمايتها. ومن اجل التوصل الى المستوى الذي يرضيهم، اتخذوا اجراءات دفاعية قوية. وسيستخدم سلاح الجو الاسرائيلي نوعين من القذائف الذكية المصنوعة اميركيا. وحسب ما اوردته وسائل الاعلام الاجنبية اشترت اسرائيل 600 من هذه القذائف التي يطلق عليها "قذائف تدمير التحصينات". واحد انواع هذه القذائف ويدعى "جي بي يو-27" ويزن 900 كيلوغرام يستطيع اختراق طبقة من الاسمنت المسلح بسمك 2.4 مترا. ويدعى النوع الاخر "جي بي يو-28" ويزن 2.28 كيلوغرام. وهذا النوع الهائل الحجم يستطيع اختراق طبقة اسمنت مسلح بسمك 6 امتار وطبقات اخرى من الارض الى عمق 30 مترا. اما بالنسبة الى القذائف المطلوبة لاختراق المرافق الايرانية، فانه لا بد لسلاح الجو الاسرائيلي ان يصيب الهدف بدقة تامة وبأفضل زاوية
.غير ان التحديات التي تواجه الطيران الاسرائيلي لا تقتصر على ذلك. فقد قامت ايران ببناء منظومة دفاعية جوية مكثفة تجعل من الصعب على الطائرات الاسرائيلية الوصول الى اهدافها من دون اعطابها. ومن بين امور اخرى، فان الايرانيين نشروا بطاريات صواريخ ارض جو من طراز "هوك" و إس ايه-5" و"إس ايه-2" اضافة الى انهم يملكون صواريخ مضادة للطائرات من طراز "إس ايه-7"، "إس ايه-15"، "رابيير"، "كروتال" و"ستينغر". وفوق هذا فان هناك 1700 مدفع مضاد للطائرات لحماية المنشآت النووية، وكذلك 158 طائرة مقاتلة يمكنها ان تشارك في الدفاع عن سماء ايران. ورغم انغالبية هذه هي طائرات عتيقة، الا ان بالامكان مواجهة الطائرات الاسرائيلية التي عليها في مثل هذه الحالة استخدام جزء من قوتها الضاربة للتعامل مع الوضع
.ومع ذلك فان كل هذه العوائق لا تقارن بمنظومة الدفاع ضد الطائرات "إس-3—ف، إس ايه-12 " التي ذكرت تقارير مختلفة ان من الممكن ان تكون روسيا قد زودت ايران أخيرا بها سرا. واذا كانت لدى الايرانيين بالفعل هذه المنظومة الدفاعية، فانه لا بد من مراجعة جميع حسابات سلاح الطيران الاسرائيلي وكل الدراسات التي تؤيد او ترفض الضربة الجوية. فالنظام الروسي متقدم كثيرا لدرجة أن نسبة مواجهة الطائرات قد تصل الى ما بين 20 الى 30 في المئة. وبكلمة اخرى، فان من اصل قوة ضاربة تتكون من 90 طائرة، سيتم اسقاط 20 الى 25 منها. ويقول الذين اعدوا التقرير ان هذه "خسارة لا تستطيع اسرائيل بسهولة القبول بتحملها
".واذا قررت اسرائيل مهاجمة المفاعل الشهير في بوشهر، فان ذلك سيؤدي الى كارثة بيئية والى مقتل اعداد هائلة. فالتلوث الذي سينطلق في الهواء على شكل اشعاع ذري سينتشر فوق بقعة واسعة، وسيموت على الفور الاف الايرانيين الذين يعيشون في مناطق قريبة. اضافة الى ذلك فان مئات الالاف سيموتون بالتالي من السرطان. لان الرياح الشمالية في المنطقة على مدار السنة، حسب ما ورد في التقرير، "ستؤثر بلا شك على البحرين وقطر والامارات العربية الى درجة كبيرة بالاشعاع النووي
وستصبح الصعوبات المتعلقة بالضربة الجوية للطائرات الاسرائيلية نقطة جدال في حال استبدال الطائرات المقاتلة بالصواريخ العابرة للقارات او الباليستية. اذ ليس بامكان الايرانيين الدفاع ضد الصويخ البالستية. وتتخلى الدراسة عن برنامج الصواريخ الاسرائيلية، وتشير الى ثلاثة انواع من الصواريخ قامت بانتاجها: وهي "جيريكو" (اريحا) 1 و 2 و 3. فالاول وهو "جريكو 1" يبلغ مداه 500 كليومتر ويحمل قذيفة زنة 450 كيلوغراما، كما يستطيع حمل سلاح نووي بقوة 20 كيلوطن. اما "جيريكو-2" فهو صاروخ باليستي عابر للقارات يبلغ مداه 4800 – 6500 كيلومتر ويستطيع حمل سلاحا نوويا متعدد الميغاطن. وتقول الدراسة ان هذا الطراز كان من المتوقع ان يدرج على قائمة الاستخدام في العام 2008
.ويبدو ان التقرير لا يلمح الى ان اسرائيل ستسخدام الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية، وانما للرؤوس التقليدية. الا ان تقديرات الباحثين تشير الى ان تدمير ثلاثة مرافق ايرانية سيحتاج الى 42 صاروخا من طراز "جيريكو-3"، وقد اقيمت هذه التقديرات على اساس انها كلها ستصيب اهدافها، وهو امر في غاية الصعوبة. اذ لا يكفي اصابة منطقة الهدف: فتدمير المنشآت ضروري باصابة نقاط محددة بحجم بضعة امتار. وهناك شكوك حول دقة صواريخ "جيريكو" من حيث الاعتماد عليها، وبانها جميعا ستصيب النقاط الحيوية بدقة
.وتقوم الدراسة بتحليل احتمالات الرد الايراني على عملية القصف الاسرائيلية. اذ هناك احتمالات واسعة بان النتيجة ستكون دفع الايرانيين الى الاستمرار في برنامجهم النووي بل والتسريع فيه لايجاد رادع يعتمد عليه في وجه اي عدوان اسرائيلي. كما ان بامكان ايران ان تنسحب
من معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية، التي لا تزال تضع برنامجها النووي تحت المراقبة الى درجة معينة امام مفتشي وكالة الطاقة الذرية الدولية. وعملية القصف الاسرائيلية ستنهي على الفور محاولات المجتمع الدولي للضغط على ايران لوقف تطوير السلاح النووي.كما ان هناك احتمالا يكاد يكون مؤكدا ان تقوم ايران بالانتقام من اسرائيل مباشرة. وقد تهاجم اهدافا فيها بصواريخ "شهاب-3" العابرة للقارات التي يغطي مداها اسرائيل باكملها. وقد يجهز قليل منها برؤوس كيماوية. واضافة الى ذلك فقد يستخدم الايرانيون حزب الله و"حماس" لارسال موجات من الانتحاريين الى داخل اسرائيل. وقد اظهرت الحرب اللبنانية الثانية قدرة صواريخ حزب الله، وكانت تجربة السنوات الثماني الماضية قد اوضحت قدرة "حماس" على اطلاق صواريخ "القسام" من قطاع غزة
.لقد اطلق حزب الله 4 آلاف صاروخ من الجنوب اللبناني خلال الحرب اللبنانية الثانية، ولم تمح الذاكرة بعد ما خلفته هذه الصواريخ في شمال اسرائيل. فقد شلت الحياة تقريبا طوال شهر كامل. ومنذ ذلك الحين يقوم حزب الله بتكديس وتحديث وتدعيم مخزونه من الصواريخ ولديه منها
الان حوالي 40 ألفا. وليس لدى اسرائيل ما يمكنها من الرد على هذه الصواريخ. فمنظومة الدفاع الصاروخية التي يتم تطويرها الان ("ايرون دوم" و "ماجيك واند") لا تزال غير مكتملة ، بل ان من المشكوك فيه حتى بعد ان يتم انتاجها ان تثبت فاعليتها ضد الاف الصوايخ التي تطلق على اسرائيل.ان ضربة اسرائيلية ضد ايران ستؤدي الى زعزعة الاستقرار في الشرق الاوسط. فالايرانيون سيستخدمون الشيعة في العراق، وسيدعمون مقاتلي طالبان وسيعملون على تحسين قدراتهم القتالية في افغانستان. وقد يهاجمون المصالح الاميركية في المنطقة، خصوصاً في دول تستضيف قوات عسكرية اميركية، مثل قطر والبحرين. كما يحتمل أن يحاول الايرانيون تعطيل تدفق النفط الى الدول الغربية من منطقة الخليج. وطالما انه سيكون هناك اعتقاد بان الولايات المتحدة اعطت الضوء الاخضر للهجوم الاسرائيلي، فان علاقاتها مع حلفائها في العالم العربي ستتأثر الى حد كبير. ويرى طوقان وكوردزمان مع ذلك ان سوريا، حليفة ايران، ستمتنع عن الدخل اذا هاجمت اسرائيل المنشآت النووية الايرانية
.وبشأن الاطار الزمني لضربة ذكر المؤلفان عوامل يمكن ان تسرع اتخاذ قرار في هذه المسألة. وبحلول 2010 يمكن ان تشكل ايران تهديداً خطيراً لجيرانها واسرائيل لانه سيكون لديها اسلحة نووية كافية لردع الاخيرة والولايات المتحدة عن الهجوم عليها. ويمكن ان تكون الصواريخ الباليستية الفعالة التي تملكها ايران والقادرة على حمل رؤوس حربية غير تقليدية من بين الحوافز ايضاً. كذلك يمكن ان يكون من بين الحوافز لتسديد ضربة وقائية الخوف من ان تتمكن ايران من حيازة نظام الدفاع الجوي الروسي "اس-300" (اذا لم تكن قد حصلت عليه فعلاً
).اذاً، ما الذي يجب ان يستخلصه صانعو السياسة الاسرائيلية من هذه الدراسة؟ يمكنهم ان يستنتجوا ان ضربة ينفذها سلاح الجو الاسرائيلي ضد ايران ستكون معقدة ومثيرة للمشكلات، وان فرصة نجاحها ليست كبيرة. ويجب ان يوازنوا بين جميع المضاعفات العميقة الاثر التي ستولدها ضربة اسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية ويجب أن لا تخدعهم الوعود، اذا تلقوا أيا منها، من جانب ضباط الجيش الاسرائيلي الذين يقدمون خطة الهجوم على اساس ان لها فرص نجاح جيدة
.إن أحد الاستنتاجات من دراسة طوقان وكوردزمان هو ان من المشكوك فيه ما اذا كانت اسرائيل تملك القدرة العسكرية لتدمير برنامج ايران النووي او حتى تأخيره لبضع سنوات. وبناء على ذلك، اذا اثبتت الاتصالات الدبلوماسية التي تجريها ادارة اوباما مع ايران انها عديمة الجدوى، واذا لم يقرر الرئيس الاميركي – في اعقاب فشلها المتوقع – مهاجمة ايران، فإن من المرجح ان تمتلك ايران اسلحة نووية في وقت قصير نسبياً، وعليه فإن صانعي السياسة الاسرائيليين يجب ان يبدأوا التحضير، عقليا وعملانياً، لوضع تكون فيه إيران قوة نووية تملك قدرة ضاربة ضد اسرائيل
".وتعقب "هآرتس" على ذلك بالقول: "هذا هو المجال الذي ينبغي التشديد فيه على غلطة اسرائيل بمبالغتها في التهديد الايراني. ومن المؤكد ان نظام الحكم في طهران منافس مرير ومتشنج ولكن تقديم هذا الامر على انه يشكل تهديداً وجودياً حقيقياً لإسرائيل ينطوي مبالغة. إن تورط إيران في الارهاب في منطقتنا أمر مثير للقلق ولكن يجب التمييز بين استعداد لتمويل الارهابيين ونية لإطلاق صواريخ نووية ضد اسرائيل. وحتى لو حصلت ايران على اسلحة نووية فإن قوة الردع الاسرائيلية ستكقي لثني اي زعيم إيراني عن مجرد التفكير في إطلاق أسلحة نووية ضد اسرائيل
.لقد حان الوقت للكف عن التلويح بفزاعة الخطر الوجودي والامتناع عن توجيه تصريحات عدائية تولد في بعض الاحيان ديناميكية تصعيد خطير. واذا كانت التصريحات ضارة ولا حاجة لها، فإن هذا يصدق بصورة مضاعفة أيضاً على ضربة توجه الى منشآت إيران النووية
.وبالطبع فإن أياً من هذا لا يناقض القيام بعمل سري لإيذاء البرنامج الايراني وخطوط إمداداته. وعندما دمر سلاح الجو الاسرائيلي مفاعل تموز (اوزاريك) العراقي في بغداد عام 1982 بدأ تطبيق "نظرية بيغن" القائلة بأن إسرائيل لن تسمح لأي بلد معادٍ في المنطقة بحيازة أسلحة نووية. والمشكلة هي أن ما أمكن تحقيقه في العراق قبل أكثر من عقدين من الزمن لم يعد ممكناً اليوم في ظل الظروف الحالية في إيران
.ان التركيز المتصاعد على التهديد الايراني ينبع من سياسات اسرائيلية داخلية ومن رغبة في زيادة الاستثمار في الواقع الامني، غير ان ذلك يحمل مضاعفات خطرة لدى تحليل التطورات المحتملة في مجال الصواريخ البالستية الايرانية: اذ انه يستحيل على اسرائيل اغفال قدرة ايران على ضربها، وعلى الحكومة الاسرائيلية ان تضع سياسة لتحييد هذا التهديد
.وبعد عام آخر، او ثلاثة أعوام من الان، عندما يمتلك الايرانيون سلاحا نوويا، ستتغير أنظمة اللعبة الاستراتيجية بأكملها. ولا بد لاسرائيل من الوصول الى نقطة الامساك بسياسة مكتملة التشكيل وواضحة المعالم لتمكينها من مواجهة أي تهديد نووي محتمل بنجاح حتى عندما يبرز
في الافق ما يحتمل ان يبدو فيه أن الطرف الاخر ليس لديه النية لتنفيذه. والعبرة بالطبع تكمن في الردع. ولن يمنع الايرانيين من استخدام صواريخهم سوى رسالة واضحة ومعقولة اليهم تبين الثمن الفادح الذي سيتحملونه اذا هم حاولوا القيام بضربة نووية ضد اسرائيل. ثم انه ليس لدى الايرانيين سبب منطقي لتدمير مدنهم الكبرى تدميرا تاما، وهو ما يمكن ان يحدث اذا استخدمت اسرائيل وسائل الردع التي تقع تحت سيطرتها. فلا مقتل الكفار الصهاينة ولا تعزيز المصالح الفلسطينية يمكن ان يبرر ذلك الثمن. فقوة الردع الاسرائيلية في وجه التهديد النووي الايراني توفر فرصة جيدة لتحقيق نجاح مؤكد لانه ليس لدى الايرانيين اي واعز لتوجيه ضربة مميتة الى اسرائيل".لذلك فان كل التصريحات المتعلقة بتطوير القدرة العملية للطائرات الاسرائيلية لتمكينها من مهاجمة المرافق النووية في ايران، والوعود الجوفاء حول قدرة منظومة صواريخ "أرو" الدفاعية للتعامل بفاعلية مع صاروخ شهاب-3، لن تساعد في تعزيز قدرة اسرائيل على الردع فحسب، ولكنها تجعلها معقولة في اعين الايرانيين
.لقد حان الوقت لاعتماد أساليب جديدة في التفكير. فلا حاجة لتصريحات نارية وتهديدات جوفاء، ولكن هناك حاجة الى سياسة متوازنة بعناية بدلا من ذلك تقوم على ارضية استراتيجية سليمة. وبالتالي، فانه في عصر شرق اوسط متعدد المواقع النووية، ستكون لكل من الاطراف مصلحة في
انخفاض التوتر وعدم ارتفاع حدته.