صوت البرلمان السوري على قرار يطالب بتقديم الرجل الثاني في النظام عبدالحليم خدام الى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى بعد هجومه المفاجئ على الرئيس بشار الأسد وكشفه "المستور" في علاقة دمشق بقضية اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري.
وقال رئيس مجلس الشعب السوري محمود الابرش ان المجلس يطالب وزير العدل بمحاكمة خدام بتهمة الخيانة العظمى واتخاذ الاجراءات الازمة.
وخلال جلسة طارئة عقدها المجلس وبثها التلفزيون السوري مباشرة، فتح النواب النار على عبد الحليم خدام وطلبوا فتح "ملفاته" على خلفية حديثه الى قناة "العربية" الجمعة والذي اكد فيه ان الحريري تعرض لتهديدات في سوريا، كما تحدث عن "انفراد" بشار الاسد بالقرار.
واتهم المتحدثون خدام "بالخيانة" وطالبوا القيادة السورية "فتح ملفاته فورا وعدم تأجيلها لان النظام اذا رحمه فالشعب لن يرحمه".
وقالت النائبة اميمة خضور "باسمي وباسم الشعب الذي امثله انني اطلب من القيادة السورية محاكمة خدام لانه تجاوز كرامته واهان حوالى 10 ملايين سوري عندما اتهمهم بانهم يأكلون من القمامة".
وقال رئيس المجلس محمود الابرش ان "كثيرا من الاتصالات وصلت الى مجلس الشعب السوري اليوم تطالب باعتقال خدام وطلبه عن طريق الانتربول الدولي ومحاكمته بالخيانة والفساد".
وقال النائب محمد حبش ان "خدام ارتبط وجهه بالرأس القبيح للحرس القديم وهو من اغلق المنتديات الديمقراطية في سوريا والقى بعدد من اعضائها بالسجن ومنهم رياض سيف وعارف دليلة".
كما هاجم النواب الوسريون قناة العربية ووصفوها بـ"العبرية" وبانها لا تحمل من العربية الا الاسم.
وفي ختام الجلسة صدرت توصية بالاجماع عن النواب سيتم توجيهها عبر رسالة الى الرئيس الاسد تطلب محاكمته بتهمة "الخيانة العظمى".
الاسد هدد الحريري
وفي مقابلته مع "العربية" اكد خدام الذي كلف لسنوات طويلة الملف اللبناني في القيادة السورية ان الرئيس بشار الاسد وجه تهديدات الى الحريري قبل اشهر من اغتيال هذا الاخير لكنه تراجع عنها بعد ان ادرك ان "هناك خطأ".
وتحدث خدام الذي استقال من منصبه في حزيران/يونيو الماضي خلال مؤتمر لحزب البعث الحاكم في دمشق، عن حملة تحريض على الحريري من "جهات لبنانية" ذكر منها الرئيس لحود والمدير العام السابق للامن العام جميل السيد الموقوف مع ثلاثة مسؤولين اخرين في لبنان في قضية اغتيال الحريري. وقال "كان هناك تخطيط من بعض الجهات اللبنانية لجر سوريا الى ما وقعت به".
وقال خدام ان "الحريري سمع كلاما قاسيا جدا جدا جدا من الرئيس بشار الاسد". واوضح خدام انه "سمع هذا الكلام من ثلاثة مصادر هي الاسد والحريري وغازي كنعان" وزير الداخلية السوري السابق.
وقال "في احدى المرات استدعي (الحريري) الى دمشق وهذا الكلام سمعته مباشرة من ثلاثة مصادر من الرئيس الاسد ومن الحريري ومن غازي كنعان".
وعندما طلب منه تحديد معنى القساوة قال ان "القساوة تكمن" في ان بشار الاسد قال مثلا "ساسحق من يحاول ان يخرج عن قرارنا لا اذكر الكلمات بالضبط لكن الكلام كان بمنتهى القسوة خرج الرئيس الحريري ارتفع ضغطه وبدأ معه نزيف في الانف اخذه غازي كنعان الى مكتبه وحاول ان يهدىء الموضوع".
واضاف خدام انه لام الاسد على توجيه "هذا الكلام في حضور ضباط صغار عندئذ ادرك ان هناك خطأ جرى وطلب الي الاتصال بالرئيس الحريري ولقاءه وازالة الازمة". واوضح ان ذلك تم قبل "اشهر" من التمديد للرئيس اميل لحود لثلاث سنوات في ايلول/سبتمبر 2004 رغم معارضة اطراف لبنانية عدة.
وقال خدام في جزء اخر من المقابلة "جرى توجيه تهديدات للحريري". وردا على سؤال عما اذا كانت هذه التهديدات "بالقتل" قال خدام "يعني عندما يقول رئيس جهاز الامن لزواره وهو يلعب بمسدس ساعمل واترك هناك تهديدات كثيرة سواء في دمشق او في (مكان اخر)".
وردا على سؤال حول ان كان رئيس الجهاز المعني هو رستم غزالي رئيس جهاز الامن والاستطلاع في لبنان سابقا قال خدام: نعم.
وغزالي الذي يشغل حاليا منصب رئيس الفرع العسكري لمخابرات ريف دمشق هو من المسؤولين السوريين الذين استمعت اليهم لجنة التحقيق الدولية التي تحقق في اغتيال الحريري في شباط/فبراير 2005.
وكرر خدام ان "تورط جهاز امني منفردا امر غير ممكن وهل هناك جهاز امني متورط هذا الامر يحدده التحقيق". ورأى ان تقرير رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في اغتيال الحريري ديتليف ميليس "جيد". وكان ميليس اصدر تقريرين بعد تحقيقات استمرت حوالى ستة اشهر في اغتيال الحريري اشارا الى احتمال تورط مسؤولين امنيين سوريين ولبنانيين في العملية. ورأت دمشق ان التقريرين مسيسان.
من جهة اخرى رأى خدام ان عملية اغتيال الحريري "كبيرة ووراءها جهاز ما". واضاف ان "طرح فرضية احمد ابو عدس (الذي تبنى الاغتيال في شريط تلفزيوني) غباء".
رستم غزالي
وحمل خدام رئيس جهاز االاستطلاع السوري السابق في لبنان رستم غزالي الذي يشغل حاليا منصب رئيس الفرع العسكري لمخابرات ريف دمشق مسؤولية الاوضاع التي سبقت الانسحاب السوري في لبنان.
وقال خدام ان "رستم غزالي تصرف وكأنه الحاكم المطلق في لبنان" موضحا انه "شتم في احدى المرات بما علمت الرئيس الحريري وشتم نبيه بري وشتم وليد جنبلاط".
واوضح انه حاول اقناع الرئيس السوري بتعيين مسؤول آخر مكان غزالي الذي اتهمه بالفساد لكن الاسد لم يفعل لا بل انه وسع مهامه.
وقال خدام انه ابلغ الاسد عن اهانة غزالي للمسؤولين اللبنانيين وانه "اخذ من بنك المدينة 35 مليون دولار" المصرف اللبناني الذي اعلن افلاسه ووجه مسؤولون لبنانيون اتهامات بان اموالا من هذا المصرف استخدمت في تمويل اغتيال الحريري. واضاف ان الاسد وافقه الرأي ووعد باستبداله الا انه لم يفعل ذلك.
من جهة اخرى قال خدام انه يرجح انتحار كنعان. موضحا ان "الوضع اللبناني انعكس عليه (...) وحملوه مسؤولية التراكمات في الوضع اللبناني".
وكنعان الذي تراس جهاز الاستطلاع السوري في لبنان بين عامي 1982 و2002 استمعت اليه لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري في ايلول/سبتمبر الماضي في دمشق. وافادت السلطات السورية الرسمية ان كنعان الذي تسلم حقيبة الداخلية عام 2003 انتحر في تشرين الاول/اكتوبر الفائت بمسدسه الخاص داخل مكتبه.
الاسد يتفرد بالسلطة
وفي الشأن الداخلي، حمل خدام بشدة على القيادة السورية متهما الرئيس بشار الاسد بالانفراد بالسلطة وعدم السعي لادخال اصلاحات.
وقال "تشكلت لدي قناعة ان عملية التطوير والاصلاح سياسيا واداريا لن تسير وقررت الاستقالة". واضاف "راجعت نفسي (...) ووجدت انفرادا في السلطة وتمركزا في السلطة كبيرا بشكل غابت فيه المؤسسات الدستورية تماما وقيادة الحزب وقيادة المنظمات الشعبية واصبح دورها تغطية القرارات التي تصدر عن الرئيس". واكد ردا على سؤال انه يعني "بالانفراد بالسلطة الرئيس السوري".
الا ان خدام اوضح انه يقيم حاليا في باريس لكتابة مذكراته بهدوء. وقال ردا على سؤال "لم اتعرض لاساءة او لتهديد وخرجت وعلاقاتي مع الرئيس الاسد حسنة وودية الخلاف في وجهات النظر لا يغير شيئا".
وقال خدام "قبل مغادرتي بيومين استقبلني وكان الحديث وديا وشاملا وبالتالي هناك اختلاف في وجهات النظر ولكن احترام متبادل". واضاف "لست مبتعدا ولست مبعدا جئت الى باريس ليتسنى لي كتابة مرحلة هامة من تاريخ سوريا والمنطقة".
ووصف الرئيس السوري بانه "انفعالي". وقال انه "يتحمس عندما يعطيه احد خبرا ويتخذ قرارا وبعد فترة يكتشف ان ما نمي اليه غير صحيح فيبادر الى تصحيح الخطأ الذي ارتكب".
وتحدث خدام عن "ازدياد التسيب وازدياد الفساد" مشيرا خصوصا الى "الدائرة القريبة من الاقرباء والاصدقاء". واكد ان "القانون غائب والحاضر هو الدائرة المغلقة التي تحيط بالحكم".