تعكس المساعدات العسكرية التي أعلنت عنها الولايات المتحدة أواخر العام الماضي للدول الخليجية ومصر وإسرائيل والإعلان الأخير عن المساعدات العسكرية للبنان، مدى الرغبة الأميركية في تدعيم القوى الحليفة لها في مواجهة القوى الإقليمية الصاعدة الممانعة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
ومنذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، ولبنان يشهد عديدًا من الصراعات السياسية والمذهبية والطائفية، اذ تحول الى ساحة لتصفية الخلافات بين القوى الإقليمية، في وقت تتسم فيه القوات اللبنانية بالعجز والذي أضحى جليًّا خلال الحرب الأخيرة بين حزب الله واسرائيل.
فقد أظهرت تلك الحرب قصور القوات المسلحة اللبنانية وعدم قدرتها على تأمين الحدود ومنع عمليات حزب الله ضد إسرائيل. فالقوات المسلحة اللبنانية تعاني نقصًا في عديد جنودها وقلة المعدات، إلى جانب افتقارها لقوات جوية حقيقية ومعدات حديثة للدفاع الجوي، إضافة إلى عدم القدرة على مواجهة القوات المسلحة للدول المجاورة مثل سوريا وإسرائيل. وهو الأمر الذي دفع واشنطن إلى تعزيز تعاونها مع الجانب اللبناني.
وتتزايد أهمية تلك المساعدات العسكرية الأميركية للجيش اللبناني في وقت تعززت فيه قوة حزب الله بعد الحرب مع إسرائيل، وهو ما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك إلى القول مؤخرا "إن حزب الله زاد تسليحه ثلاث مرات منذ حرب صيف 2006 وإنه يملك 42 ألف صاروخ منها صواريخ يمكن أن تصل إلى عسقلان وبئر سبع وديمونة"، حيث المفاعل النووي الإسرائيلي.
في العام الماضي وبعد انتهاء الحرب الإسرائيلية-اللبنانية، طلبت إدارة بوش 770 مليون دولار من ميزانية السنة المالية 2007 كمعونات خارجية للبنان. وتعهدت الحكومة الأميركية بتقوية القوات المسلحة اللبنانية لكي تصبح ثقلاً موازيًا لحزب الله، الوكيل "الرئيس لسوريا وإيران في لبنان"، كما تصفه واشنطن.
وفي أكتوبر/تشرين الأول أُطلق عمل اللجنة العسكرية اللبنانية-الأميركية المشتركة في بيروت، التي تنظّم العلاقة العسكرية الثنائية بين الولايات المتحدة ولبنان ضمن إطار رسمي.
ومن أجل بناء جيش لبناني قوي بعد إضعافه أيام الوجود السوري في لبنان، أشار ديفيد شينكر مدير برنامج "سياسات العرب" بمعهد واشنطن في مقالة بعنوان "مستقبل المعونة العسكرية الأميركية للبنان" إلى أن واشنطن قدمت رغبة منها في تحقيق هذه الغاية حوالي 400 مليون دولار كمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية خلال عامي 2006-2008، والتي تشمل أكثر من أربعين طائرة نقل عسكري سي-130 مع توفير المواد العسكرية.
ووصلت تلك الطائرات بعد أقل من أسبوع من اندلاع القتال بين القوات المسلحة اللبنانية و"فتح الإسلام" في مخيم اللاجئين بنهر البارد في مايو /أيار 2007.
ووفقًا لوزارة الخارجية الأميركية تضمنت المساعدات العسكرية الأميركية للبنان 10 ملايين من طلقات الذخيرة، وهي ذاتها أسلحة المواجهة التي تستخدمها القوات الأميركية حاليًا، والتي تشمل البنادق الهجومية وقاذفات القنابل الأوتوماتيكية وأنظمة أسلحة قنص متقدمة وأسلحة مضادة للدبابات.
وإلى جانب ذلك قدمت واشنطن عشرات من مدرعات الهمفي وقطع غيار طائرات الهليكوبتر ومركبات قوات الأمن الداخلي. وطلبت إدارة الرئيس بوش 60 مليون دولار مساعدة عسكرية للبنان خلال العام المالي 2009.
ولا يخفي كثيرٌ من المسؤولين الأميركيين مخاوفهم من إمكانية وصول بعض من تلك المعدات إلى حزب الله اللبناني، لاسيما في وقت يهتم فيه الحزب بالحصول على نظارات الرؤية الليلية وهو الأمر الذي يقلق واشنطن.
وفي السادس من أكتوبر قام وزير الدفاع الوطني إلياس المر ومساعدة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي ماري بيث لونغ بإطلاق عمل اللجنة العسكرية الأميركية-اللبنانية المشتركة في بيروت والتي تنظم العلاقة العسكرية الثنائية بين لبنان والولايات المتحدة ضمن إطار مؤسساتي رسمي.
وستعمل هذه اللجنة على تأمين فرصة سنوية للولايات المتحدة ولبنان من أجل الالتزام بأهداف التعاون العسكري للأعوام المقبلة إضافة إلى مراجعة الالتزامات التي تم التعهد بها خلال العام المنصرم.
كما وقعت لبنان والولايات المتحدة ثلاث اتفاقيات عسكرية بقيمة ثلاثة وستين مليون دولار كهباتٍ للجيش اللبناني وذلك من أجل تأمين نظام اتصالات آمن وذخيرة وأسلحة لوحدات المشاة.
عززت الحرب التي خاضها حزب الله ضد القوات الإسرائيلية في صيف العام 2006 والتي استمرت 34 يومًا حاجة لبنان الى جيش قوي، حتى تستطيع توفير بديل وطني آخر لحزب الله.
وأدت التركيبة الطائفية للقوات المسلحة اللبنانية إلى التغاضي عن نشاط حزب الله في الجنوب نتيجة النسبة الكبيرة التي يمثلها الشيعة في الجيش اللبناني والتي دفعت القيادات إلى عدم المخاطرة باتخاذ أوامر ضد الحزب.
وعن التركيبة الطائفية للجيش اللبناني أشار جوزيف كيشيشان في دراسة بعنوان "جيش قوي من أجل لبنان مستقر" نشرها معهد الشرق الأوسط في سبتمبر/أيلول إلى أن العدد الإجمالي للجنود الشيعة أقل من 20% في 2008.
وضمت القوات المسلحة اللبنانية جنودًا من طائفة السنة بصورة رئيسة من منطقة شمال عكار (55%-60%)، يليها الشيعة (18-20%)، ثم المسيحيين (15-18%)، والدروز (3- 5%). وفي هذا الصدد أكدت الدراسة على أن التركيبة الطائفية في لبنان لم تخلق صدعًا في القوات المسلحة اللبنانية حتى إبان الحرب الأهلية عام 1975.
وأكدت الدراسة أن الجيش اللبناني يعاني قصورًا تكنيكيًا، فوفقًا لإحصاءات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية كانت ميزانية الدفاع اللبناني عام 2007 تُقدر بـ631 مليون دولار، مرتفعة عن ميزانية العام السابق لها (2006) والتي كانت تُقدر بـ588 مليون دولار. وتشير هذه المؤشرات إلى أن نفقات الدفاع تمثل أقل من 30% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتحدث العديد من المسؤولين في لبنان عن الحاجة الملحة للذخيرة والدروع الواقية والخوذات ومعدات الرؤية الليلية والمعدات الرئيسة الأخرى اللازمة للقوات المسلحة اللبنانية بما فيها طائرات الهليكوبتر.
وأظهرت المعارك مع ميليشيات "فتح الإسلام" مدى حاجة الجيش اللبناني إلى إعادة التجهيز، فقد كان الجيش يفتقد إلى طائرات الهليكوبتر والأسلحة الدقيقة مما اضطره إلى إسقاط القنابل باليد من طائرات هليكوبتر من طراز هيوي التي كانت تسقط بالقرب من المعسكر. وهو الأمر الذي دفع أحد المسؤولين العسكريين اللبنانيين في المشتريات إلى القول "إن معركة نهر البارد استمرت 105 يومًا، ولكن إذا توفر لنا استخدام الهليكوبتر كان يمكن إنهاؤها في غضون 15 يوما".
ولأهمية لبنان في الاستراتيجية الأميركية أكد عدد من مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون على ضرورة العمل على إعادة بناء الجيش اللبناني من أجل إرساء السلام في المنطقة.
والولايات المتحدة تسعى إلى أن تظل لبنان لها سيادتها وأن الحكومة اللبنانية ومؤسساتها تحكم كل الأراضي اللبنانية وتقوم بنزع سلاح الميليشيات، وهو ما أكد عليه كريستوفر سي ستروب نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط، والذي قالً: "نحن على دراية بأن ذلك لن يحدث في ليلة، لكن هذه سياساتنا".
ولهذا، أكدت دراسة جوزيف كيشيشان على ضرورة تخصيص 1.5 مليار دولار -على الأقل- للقوات المسلحة اللبنانية أو مضاعفة نفقاته الحالية من أجل خلق مؤسسات أكثر قوة وكفاءة.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الزيادة لن تسفر عن مواجهة التهديدات السورية أو الإسرائيلية، فقد وصلت ميزانية كل منهما في 2007 إلى 1.46 بليون مليار و9.45 مليار دولار على الترتيب.
وخرجت الدراسة بعدد من التوصيات تؤكد أن وجود لبنان قوي يتطلب جيشًا لبنانيًّا قويًّا يقوم بأعباء الحفاظ على الأمن القومي وللوصول لهذه الغاية لابد من العمل على:
- انتهاج سياسة دفاع وطني جديدة تخدم فقط اللبنانيين،
- تخصيص 5% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي لأغراض الدفاع، وأن يُكرس الجزء الأكبر منها لشراء الأجهزة المطلوبة،
- توفير أسلحة متقدمة للجيش اللبناني، سواء من جانب الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية. فالقوات المسلحة اللبنانية لا ينقصها الكفاءة والمهنية وإنما ينقصها الأجهزة الحديثة التي يحصل عليها حزب الله من إيران وسوريا.
