مع كل التوترات التي يمر بها العراق، يواصل بعض سائقو الشاحنات السوريون عملهم على هذا المحور الخطير بسبب حاجتهم الماسة للعمل، حيث يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين للسفر بمعدل ثلاث أو أربع مرات شهريا، لقاء مبلغ لا يتجاوز الـ125 دولار أمريكي للرحلة الواحدة. وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة التي يتعرض لها السائقون على هذا الخط، كالخطف و الاحتجاز أو التشليح، إلا أنهم يواصلون تنقلهم بين البلدين سعيا وراء لقمة العيش لا يرافقهم في رحلتهم هذه غير المصاحف ودعوات الأحباء بعودة سالمة. يقول ماهر التلفيتي الذي يعمل على الخط منذ نحو سنة: اعمل كسائق منذ فترة قصيرة، ولذلك ليس لي من خيار آخر سوى السفر إلى العراق، فالسائقين القدماء يرفضون السفر إلى هناك ويتجهون إلى بلاد الخليج العربي. وبالنسبة للأوضاع الأمنية فالكل يعرف ماذا يجري في العراق، ونحن نتفادى الوصول إلى بغداد ونكتفي بإيصال البضائع إلى محافظات أخرى أكثر أمانا. وعن المشاكل التي سبق له أن تعرض لها قال: تعرضت للاحتجاز مرتين على أيدي الجماعات المسلحة، لكنهم أطلقوا سراحي عندما علموا أنني من الطائفة السنية. فكرت بعدها بترك العمل على هذا الطريق ولكني وجدت أني سأصبح عاطلا عن العمل فنسيت الموضوع ولا أزال على خط الموت هذا. أما أبو أدهم الذي يعمل على شاحنة لنقل الخضار إلى العراق منذ ستة شهور فيقول: بالنسبة لي فأنا لا اذهب إلا إلى المحافظات ذات الأغلبية السنية، كون الشخص الذي أعمل معه ينتمي إلى عشيرة سنية، ويكفي أن أذكر أني أعمل لحساب هذا الشخص حتى يتركوني أتابع طريقي، ولكن على الرغم من هذا، فقد تعرضت شاحنتي لإطلاق النار اكثر من مرة، ومرة قام شخصان بتوقيفي واحتجازي لساعات ولكن عندما تأكدوا أنى لا أقوم بتوصيل البضائع إلى شيعي أطلقوا سراحي. ويضيف: تقول لي زوجتي أنني كمن يمشي في حقل من الألغام لا يعرف متى تنفجر تحت قدميه، وأعرف أن كلامها صحيح ولكني لا املك خيارات أخرى. "مو كل مرة بتسلم الجرة " هذا ما قاله موفق بعد أن سمع حديث زميليه ماهر وأبو ادهم ويتابع: سمعت عن سائق من مدينة حلب كان يعمل على هذا الخط بقي محتجزا اكثر من شهرين، دون أن يعلم أحد أين هو، وعندما أطلقوا سراحه بعد شهرين، تركوه يعود مشيا على الأقدام بعد أن أخذوا الجمل بما حمل، أي البراد والحمولة. الموضوع خطير جدا ويجب أن يكون السائق حذر جدا في الأماكن التي يمشي فيها إذا أراد أن يعود إلى هذه البلاد. في إحدى النقاط القريبة من دمشق يلتقي هؤلاء السائقين، حيث تتم عمليات تحميل البضائع من هناك، وفي كل مرة يضعون نصب أعينهم احتمالات عديدة وسيناريوهات قالبة للحصول، تبدأ بالاحتجاز وتنتهي بالذبح. لكنهم في الوقت نفسه يتزودون بما يعتقدون أنه قادر على جلب العناية الإلهية لهم، فتجد المصاحف والحجب والدعوات رفيقا دائما لهم. قد يكون التعبير الذي جاء على لسان زوجة السائق أبو أدهم هو أصدق تعبير عن حالهم، عندما وصفت الرحلة إلى العراق بالسير فوق حقل للألغام!! فهل يأتي الوقت الذي نتمكن فيه من نزع الألغام بدلا من مخاطرة المشي فوقها؟