رفض الفرنسيين للدستور الاوروبي يفتح ازمة كبرى بالقارة

تاريخ النشر: 30 مايو 2005 - 12:16 GMT

فتح رفض 55% من الناخبين الفرنسيين للدستور الاوروبي في استفتاء الاحد، ازمة كبرى في اوروبا وشكل هزيمة ساحقة للقاد الفرنسيين وعلى رأسهم الرئيس جاك شيراك.

وقد افادت النتائج النهائية لهذا الاستفتاء التي اعلنتها وزارة الداخلية الفرنسية ان 87،54% من الفرنسيين رفضوا المعاهدة الدستورية مقابل 13،45% عبروا عن تأييدهم لها.

وبذلك اصبحت فرنسا اول البلدان المؤسسة للوحدة الاوروبية في الاتحاد الاوروبي يرفض المعاهدة الدستورية.

ويمكن ان ينهي هذا الرفض اول نص يعد في القارة الاوروبية لتنظيم الاتحاد الاوروبي الموسع باعضائه الـ25.

الا ان رئيس وزراء لوكسمبورغ جان كلود جونكر الذي يتولى حاليا الرئاسة الدورية الاتحاد الاوروبي اكد ان "المعاهدة لم تمت"، مؤكدا ضرورة "مواصلة عملية المصادقة على الدستور الاوروبي".

واثار هذا التصويت استياء كبيرا في العواصم الاوروبية واضطر القادة الاوروبيين الى التأكيد ان عملية المصادقة على هذا الدستور ستستمر رغم الرفض الفرنسي ومداه.

وقال المستشار الالماني غيرهارد شرودر ان هذا التصويت "ضربة لعملية تبني الدستور لكنه ليس النهاية"، بينما دعا رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس ثاباتيرو الى مواصلة عملية ابرامه.

الا ان الرفض الفرنسي يمكن ان يدفع الناخبين في دول اخرى مثل هولندا التي تنظم استفتاء حول الدستور بعد غد الاربعاء يرجح فوز المعارضين فيه، الى موقف مماثل.

وفي اعلان رسمي، اكد شيراك انه "اخذ علما بالقرار السيادي" للفرنسيين.

ويشكل انتصار رافضي الدستور ضربة لشيراك (72 عاما) الذي سعى بقوة لاقناع الناخبين بقبول النص ويؤدي الى اضعافه بشدة داخل فرنسا وعلى الساحة الدولية.

وقد اتخذ الرئيس الفرنسي مبادرة عرض الدستور الاوروبي لاستفتاء بينما كان يمكنه ان يكتفي بطرحه في البرلمان للمصادقة عليه.

وقال شيراك ان "فرنسا تبقى في الاتحاد وستحتفظ بمكانتها فيه"، موضحا في الوقت نفسه ان هذا التصويت السلبي "خلق جوا صعبا للدفاع عن مصالحنا في اوروبا".

والمح شيراك ايضا الى انه سيستبدل في الايام المقبلة رئيس الوزراء جان بيار رافاران الذي لا يتمتع بشعبية في البلاد.

وارتفعت اصوات في اليمين واليسار على حد سواء منذ مساء الاحد تدعو الى استقالة الرئيس. لكن شيراك اعلن مسبقا انه يستبعد هذا الخيار. من جانبهم، دعا اعضاء الحكومة الى التجمع حول الرئيس الذي يواجه وضعا صعبا.

وحمل زعيم الحزب الاشتراكي فرنسوا هولاند الحكومة مسؤولية فشل تبني الدستور الاوروبي الذي كان يدعو الى الموافقة عليه بينما انشق حزبه خلال الحملة التي سبقت الاستفتاء.

وبلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء 70% مما يدل علالتعبئة الكبيرة للفرنسيين بعد حملة اثارت اهتمام البلاد وادت الى شقها.

ولم تؤثر حجج معسكر مؤيدي تبني الدستور الذين حذروا من "عزلة فرنسا وتعطيل اوروبا" وحتى اثارة "فوضى" في حال رفض الدستور، على الناخبين.

وكان للاستياء الاجتماعي ومن ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت 2،10% والخوف من النص الذي اعتبره كثيرون "مفرط في الليبرالية" ويمكن ان يضر "بالنموذج الاجتماعي" الفرنسي، ورغبة الفرنسيين في مقاطعة النخب، اكبر الاثر في خيارهم.

والى جانب اضعاف الرئيس الفرنسي، يمكن ان يؤدي رفض المعاهدة الدستورية ازمة عميقة في الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وقد تحدى بعض قادة الحزب علنا الخط الرسمي المؤيد للدستور، وخصوصا نائب رئيس الحزب لوران فابيوس الذي التزم الصمت مساء الاحد لكنه بدا من المنتصرين في هذا الاستفتاء.

ونجح معسكر اللا في جمع قوى غير متجانسة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار مرورا بمؤيدي السيادة و"المنشقين" الاشتراكيين.

وقال خبير السياسة جيروم جافري "انها اغلبية تعبر عن الرفض والاستياء" ارادت ان تعبر عن مخاوفها من البطالة ومن اوروبا موسعة.

وحتى اللحظة الاخيرة حاول القادة الاوروبيون اقناع الفرنسيين بالتصويت بنعم، مؤكدين ان اعادة التفاوض حول النص غير واردة.

يذكر ان تسع دول في الاتحاد الاوروبي صادقت على الدستور حتى الآن، كان آخرها المانيا التي تبنته عن طريق برلمانها.

وستتم المصادقة على النص في تشرين الاول/اكتوبر 2006، من قبل الدول ال25 الاعضاء في الاتحاد ليدخل حيز التنفيذ.

اثار اللا الفرنسية على أوروبا

يرى عدد من المحللين ان رفض الفرنسيين للدستور الاوروبي سيؤدي في افضل الحالات الى التزام فترة تفكير في الاتحاد الاوروبي، وفي اسوأ السيناريوهات الى ركود البناء الجماعي لفترة طويلة.

وهذا الرفض الفرنسي قد يؤدي في اخر المطاف الى اعادة تقييم جوهرية لماهية الاتحاد الاوروبي نفسه وسيعيد حتما طرح مسالة توسيعه المقبلة على بساط البحث على ما يعتقد بعض المحللين.

والتساؤل المباشر يتناول وقع نتيجة استفتاء الاحد مع فوز ال"لا" للدستور الاوروبي بغالبية حوالى 55% بحسب استطلاعات الرأي، على الاستفتاء المرتقب اجراؤه الاربعاء في هولندا.

ويتوقع جون بالمر المدير السياسي لمعهد الابحاث الاوروبية في بروكسل انه "سيكون هناك على الارجح غالبية مماثلة في هولندا وسنجد عندئذ انفسنا امام رفض دولتين مؤسستين للاتحاد.. للمعاهدة" الدستورية الاوروبية.

ومثل هذا السيناريو ينذر بلقاءات مضطربة بين رؤساء دول وحكومات الاتحاد الاوروبي في القمة المقبلة المقرر عقدها في 16 و17 حزيران/يونيو في بروكسل.

وقد يضطر القادة الاوروبيون للخيار بين تأكيد الموت المبكر للمعاهدة التي تحتاج لمصادقة الدول الخمس والعشرين لتدخل حيز التنفيذ، او تثبيت الاتجاه لاكمال عملية التصديق حتى النهاية.

ويرى بالمر ان هؤلاء القادة "يمكن ان يقرروا مواصلة العملية لاسباب ديمقراطية. وتصويت الفرنسيين واحتمالا الهولنديين بلا ينبغي ان لا يحرم الشعوب الاخرى من التعبير عن موقفها"، مكررا حجة لاعبين اساسيين في المؤسسات الاوروبية.

ومصادقة تسع دول على معاهدة الدستور تعني ان حوالى 220 مليون اوروبي يتواجدون في معسكر المؤيدين للدستور، اي قرابة 49% من شعوب الاتحاد الاوروبي بحسب المفوضية الاوروبية.

وفي هذا السياق قال ماركو انسيرتي من مركز الدراسات السياسية الاوروبية في بروكسل "لا يمكنكم القول ان فرنسا صوتت بلا وهذا يعني ان الناس ضد مزيد من الاندماج الاوروبي".

واضاف "ان عملية المصادقة ستتواصل على الاقل حتى نهاية هذا العام. حتى ذلك الحين ستجرى اربعة استفتاءات اخرى. ففضلا عن الاستفتاء في هولندا سيكون هناك استفتاء في لوكسمبورغ في تموز/يوليو واخر في الدنمارك في ايلول/سبتمبر وفي البرتغال في تشرين الاول/اكتوبر".

ورأى ان "ذلك سيعطي ايضا كما من المعلومات. وانطلاقا من ذلك يمكنكم القول: بالفعل العديد من الشعوب تقول نعم للمعاهدة لذلك قد يكون من الضروري الطلب مجددا من الفرنسيين التعبير عن رأيهم".

ويتوقع تشارلز غرانت من مركز الاصلاح الاوروبي في لندن ان يعلن قادة الاتحاد الاوروبي "فترة تفكير" قبل الدعوة مجددا لمؤتمر حكومي جديد مكلف وضع معاهدة جديدة تقتصر على الاساسي.

لكن الرفض الفرنسي للدستور "قد يفتح الابواب امام مرحلة من الغموض والتشكيك والاعتراضات" على ما يتوقع غرانت ايضا مستبعدا مع ذلك السيناريو الكارثي.

الى ذلك لا يتصور احد في بروكسل ان فرضية اعادة التفاوض التي تعتبر غير واقعية في نظر الكثيرين يمكن ان تفضي الى امر اخر غير معاهدة جديدة مشابهة الى حد كبير لتلك التي رفضها الفرنسيون.

لكن ملفات اوروبية كبرى اخرى قد تتعطل ايضا بدءا بالميزانية الاوروبية المقبلة للفترة 2007-2013 التي تأمل رئاسة الاتحاد الاوروبي التي تتولاها لوكسمبورغ اصلا انتزاع الموافقة عليها في حزيران/يونيو المقبل.

ويتوقع جون بالمر مثل هذه الفترة من الشلل.

وقال في هذا الخصوص "لا اعلم كم من الوقت سيستغرق ذلك. اظن حتى يكون لدينا توجهات سياسية جديدة في بعض الدول الاوروبية الاساسية.. وسيكون هناك انتخابات في المانيا وايطاليا وفرنسا في خلال السنتين المقبلتين".