د. عدنان عويّد
لا أعرف كيف أبدأ رسالتي في مخاطبتك يا سيدتي, هل أقول لك أيتها الرفيقة كوني بعثياً قديماً انتميت لحزب البعث منذ عام 1968؟. أم أقول لك أيتها الزميلة كوني زميلك في اتحاد الكتاب العرب.؟.
على العموم كلا الشخصيتين واحد في المحصلة, وهي شخصية مواطن سوري لم يكن يوماً خائناً للوطن, ولم يتاجر به من أجل منصب أو مصالح أنانية ضيقة, مارست العديد من المهام الحزبية والإدارية الصغيرة في محافظة ديرالزور, وكنت حريصاً على قيمها ومثلها.
لفت انتباهي حديثان لك في الآونة الأخيرة, الأول/ حول الاقتصاد السوري في هذه الأزمة, الذي عبرتي عنه على قناة الميادين بأنه أحسن خمسين مرة اليوم عما كان عليه قبل عام 2011 . والثاني دعوتك على صفحات جريدة الوطن لنا نحن السوريين للصمود في وجه قانون قيصر والحصار الذي فرض علينا.
صدقيني يا رفيقتي/ زميلتي, لقد استغربت منك هذين الطرحين وأنت المثقفة الكبيرة التي كنت اتابعها في (مجلة النهج), التي كنت انشر فيها أيضا دراساتي الفكرية التي لم يقبلها الإعلام السوري, علماً كنت رئيساً لتحرير جريدة الفرات لمدة ثمانية سنوات.. نعم كنت أتابع دراساتك العالية المستوى عن الاقتصاد وعن المرأة وعن التراث.. وهذا ما جعلني استغرب منك طروحاتك اليوم وأتساءل لماذا مفكرتنا السورية الكبيرة تتعامل مع الشعب المسكين الجائع والمشرد والمدمرة منازله والمعفش أثاث بيته والعاطل عن العمل, والذي قدم الكثير من أبنائه شهداء في مقاومة داعش والنصرة وكل ما ينطبق عليهم صفة الإرهاب.؟.
أنا أسألك يا سيدتي كيف سيصمد هذا الشعب؟. وما هي وسائل صمود شعب هذه حاله اليوم,؟. ثم لمصلحة من يصمد؟. لمصلحة رامي مخلوف الذي سيطر على 40% من الاقتصاد السوري, أم للحيتان الذين تعرفينهم أنت والذين يسيطرون اليوم على 30% من هذا الاقتصاد, وما تبقى يتقاسم قسماً منه الفاسدون في دوائر الدولة وتجار الحرب؟.
سأحكي لك بعض الشيء عن ديرالزور أثناء الحصار… أنا لم أغادر ديرالزور يا سيدتي أثناء حصار داعش لها, بقيت مع الفقراء الذين لم يستطيعوا الخروج, أو ليسوا من الذين اضطروا أن يبيعوا بيوتهم وسياراتهم ومدخراتهم من الذهب أو غيره كي يقدموها رشاوى للفاسدين كي يخروجهم من (موت الحصار).
شهادة حق أقولها اليوم وهي: أن الحكومة المركزية لم تقصر في بذل كل الجهود من أجل تأمين الحاجات الأساسية وخاصة الطعام لمن تبقى في المدينة من المحاصرين, ولكن المشكلة كانت مع تجار الدم من بعض المسؤولين أصحاب القرار داخل المدينة المحاصرة. هؤلاء هم من سرق كل مدخراتنا ورواتبنا من خلال تجارتهم بلقمة عيشنا.. لقد باعوا القسم الأكبر من المعونات التي تصلنا عن طريق الطيران في السوق السوداء وبأسعار عالية.. لقد تعاملوا مع الدواعش عن طريق المدعوة (أم ذياب) قريبة أحد كبار مسؤولي الدواعش, فكانت تدخل المواد الغذائية عن طريقها ومن يساندها داخل المدينة المحاصرة لتباع لنا بأسعار باهضه جداً… سعر كيلو الشاي وصل إلى ثلاثين ألف ليرة سورة, وكيلوا السمنة إثنتي الف ليرة سورة . والسكر سبعة آلاف ليرة سورية. ولتر الزيت سبعة آلاف ليرة سورية.. وسعر كيلوا اللحمة تجاوز العشرة آلاف ليرة سورية.. لقد وصلت بهم الدناءة أن يتاجروا بمصاصات الأطفال.. سعر المصاصة الصغيرة مئتي ليرة سورة, وحبة العلكة الشكلس أو حبة الكرميلة مئة ليرة سورية.. ووصل الأمر أن يضعوا يدهم على الخضار حتى وصل سعر كيلوا (الفجل ) إلى سبع مئية ليرة. ويمكنك أن تشتري ورق الفجل فقط بـ ثلاثة مئة ليرة سورية. سعر كروز الدخان الحمراء ثلاثين الف ليرة سورية.. وقيسي على ذلك .. لقد وصل الأمر بنا أن نشتري من تجار الدم حاجاتنا بالغرامات كالذهب تماماً.. أكلنا يا سيدتي الحشيش, ولحم الكلاب, والقطط والحمير.. أما كيف نطبخ فلا تسألي… لقد قصوا الأشجار وباعونا كيلوا الحطب بثلاثة مئة ليرة سورية.. أم مازوت الحراقة فوصل اللتر إلى اربعة آلاف ليرة.. ما هي النتيجة تشكل طبقة غنية من الفاسدين أصبحوا يمتلكون ثروات طائلة وأصحاب أطيان وتجار.. لقد كانت الأموال تنقل بالتوابيت في الحوامات على أساس أنها جثث للشهداء..
أنا شخصياً ناشدت السيد الرئيس عبر قناة سما بأن تشكل لجان تقصي حقائق لمحاسبة من يتاجر بنا وبدم أبنائنا, بل وصلت التجارة للعرض من أجل رغيف الخبر… من الفاسدين من نقل, ومنهم من انتقم منه القدر بحوادث, ومنهم من لم يزل عائشاً يرتع بما سرقه منا.
لإ أدري أي صمود هذا الذي تدعينا إليه يا سيدتي؟. ومن سيقف معنا وكيف سيصمد في ديرالزور من سرقت بيوتهم واموالهم وعفش أثاثهم أمام عينهم..؟. ذنبهم أنهم تركوا بيوتهم وأحياءهم لأن داعش دخلت هذه الأحياء.
بالمناسبة…هناك (24 ) حياً في ديرالزور يا سيدتي, هُدم منها (22 ) حياً بالكامل, وهم اليوم مشردون في ملاجئ الإيواء, ومن استطاع أن يستأجر منزلاً, فأجر المنزل لا يقل عن خمسين الفاً. قولي لي كيف يصمد هؤلاء .؟!!!!
ملاحظة أولى: هذه الأسعار هي كانت أمام اسعار عام 2013 حتى 2015.
الملاحظة الثانية: ما مورس علينا من ظلم أيام حصار ديرالزور حسب القانون الدولي الإنساني, هي جرائم حرب.
كاتب وباحث من ديرالزور
المشكلة كانت مع تجار الدم من بعض المسؤولين أصحاب القرار