تفاوتت ردود الفعل على فوز الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام محمد البرادعي بجائزة نوبل للسلام، بين الاشادة والانتقاد نظرا للدور الجدلي الذي لعبته الوكالة في تشجيع الاستخدامات المدنية للطاقة النووية.
واعلنت لجنة نوبل منح الجائزة الى الوكالة ومديرها العام المصري تقديرا لـ"جهودهما الرامية الى منع استخدام الطاقة النووية لاهداف عسكرية".
فقد اعرب الامين العام للامم المتحدة كوفي انان الذي فاز بالجائزة مع منظمته عام 2001 عن "سروره" على لسان المتحدث باسمه.
وقال ان هذه الجائزة "تاتي في الوقت المناسب لتذكر بضرورة احراز تقدم في مجال منع انتشار الاسلحة النووية ونزع السلاح في حين لا تزال اسلحة الدمار الشامل تشكل خطرا كبيرا علينا جميعا".
كذلك اعرب الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير المجتمعان في باريس واللذان تخوض بلادهما مفاوضات دقيقة وصعبة مع ايران بشأن ملفها النووي عن ارتياحهما لهذا الخيار.
وقال شيراك "انني مسرور لكون السلطات المختصة منحت جائزة نوبل للسلام الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام البرادعي اللذين قدما منذ وقت طويل ولا سيما في الفترة الصعبة الحالية مساهمة حاسمة في البحث عن السلام".
وقال بلير ان هذه الجائزة "تشير بوضوح كبير الى الانجازات من اجل السلام والامن في العالم" التي حققتها الوكالة التابعة للامم المتحدة.
وهنأت وزيرة الخارجية الاميركية الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام محمد البرادعي وقالت في بيان ان "الولايات المتحدة عازمة على العمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجل تفادي انتشار تكنولوجيا السلاح النووي".
من جهته اعتبر كبير المفتشين الدوليين سابقا في العراق السويدي هانس بليكس ان فوز الوكالة ومديرها بالجائزة "خبر سار للغاية".
بالمقابل فان بعض المنظمات المعارضة للطاقة الذرية ومرشح آخر للجائزة اعترضوا على اختيار منظمة تعمل على تشجيع الاستخدامات المدنية للطاقة النووية.
واعتبرت "شبكة الخروج من النووي" الفرنسية التي تضم 720 جمعية انه "يجدر تفكيك الوكالة الدولية للطاقة الذرية" متهمة اياها بلعب "دور اساسي في عملية تقود البشرية الى هلاكها".
كذلك اعتبرت منظمة غرينبيس لحماية البيئة ان اختيار الوكالة الذرية يطرح "اشكالية" منددة ب"الدور المزدوج" الذي تلعبه الوكالة ك"شرطي ومشجع للقطاع النووي" في آن.
واضافت المنظمة "يمكن التساؤل حول الحكمة في منح البرادعي جائزة نوبل (للسلام) حيث انه يدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المؤيدة للنشاطات النووية" معتبرة في المقابل ان "البرادعي جسد في الفترة الاخيرة صوت المنطق في عالم منع انتشار الاسلحة النووية اذ عارض الحرب في العراق ودافع عن فكرة شرق اوسط منزوع السلاح النووي".
من جهته انتقد الناشط الياباني ضد انتشار الاسلحة النووية سنجي ياماغوشي المرشح لجائزة نوبل هذا الخيار الهادف بنظره الى ارضاء الولايات المتحدة التي كانت ستجد نفسها في قفص الاتهام لو منحت الجائزة الى ناجين من القنبلتين الذريتين على ناغازاكي وهيروشيما.
وقال ياماغوشي الناجي من ناغازاكي ان "الولايات المتحدة مسؤولة عن عجزها عن منع بلدان اخرى من امتلاك السلاح النووي".
وسئل رئيس لجنة نوبل اولي دانبولت ميوس ان لم يكن اختيار الوكالة الدولية للطاقة الذرية يشكل انتقادا للادارة الاميركية فاكد انه لا يستهدف اي دولة خاصة بل يشكل "تحديا موجها الى جميع رؤساء الدول".
ولعبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية دورا هاما جدا قبل ان تشن القوات الاميركية والبريطانية الحرب على العراق. وكانت تؤكد خلافا للموقف الاميركي ان صدام حسين لم يكن يملك اسلحة دمار شامل وهو امر بات الان مسلما به بعد ان عرض الوكالة لاستياء واشنطن.
من جهة اخرى وعبر الزعيم التاريخي لنقابة "سوليدارنوسك" (تضامن) البولندية ليش فاليسا الحائز جائزة نوبل للسلام للعام 1983 عن خيبة امله لعدم منح الجائزة الى "شخص".
وصدر التعليق الاكثر فرادة على جائزة نوبل للسلام لهذا العام عن زوجة البرادعي التي قالت ان هذه المكافأة "من اجمل ما حصل" لها... بعد زواجها.
نوبل بعد 60 عاما على هيروشيما
ويأتي منح جائزة نوبل للسلام للعام 2005 للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام محمد البرادعي بعد ستين عاما على القاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية.
وقال اولي دانبولت ميوس رئيس لجنة نوبل ان الوكالة المتخصصة التابعة للامم المتحدة ومديرها العام حازا الجائزة "لجهودهما الهادفة الى الحؤول دون استخدام الطاقة النووية لاغراض عسكرية والتأكد من ان الطاقة النووية لاغراض سلمية تستخدم باكثر الطرق امنا".
واوضحت اللجنة "في وقت يزداد فيه التهديد النووي مجددا فان لجنة نوبل النروجية ترغب بالتشديد على ان هذا التهديد يجب ان يواجه عبر اوسع تعاون دولي ممكن". واضافت ان "اوضح تجسيد لهذا المبدأ اليوم هو عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام".
وعقب منحه الجائزة اعلن البرادعي ان جائزة نوبل للسلام التي منحت له وللوكالة "ستعزز تصميمنا" على مكافحة انتشار الاسلحة النووية في العالم "وستكون حافزا" لنشاط الوكالة.
وقال البرادعي متحدثا للصحافيين في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا وعلامات التأثر ظاهرة عليه ان الجائزة "ستعزز تصميمي وتصميم زملائي على قول الحقيقة" وعلى "مكافحة انتشار" الاسلحة النووية في العالم.
وجاء اختيار الوكالة الدولية والبرادعي لنيل الجائزة في وقت تواجه فيه الاسرة الدولية صعوبات في اقناع ايران وكوريا الشمالية بالتخلي عن برامجهما النووية.
وتزامن ذلك ايضا مع الذكرى الستين لالقاء سلاح الجو الاميركي لقنبلتي "ليتل بوي" و "فات مان" الذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في السادس من آب/اغسطس والتاسع منه العام 1945.
ودأبت لجنة نوبل منذ عشرين عاما على اتباع تقليد غير مكتوب يقضي بمكافأة منظمات او افراد يعارضون السلاح النووي في كل ذكرى رئيسية لاول استخدام للقنبلة الذرية في التاريخ والوحيد حتى الان. وقد ادى ذلك الى سقوط اكثر من 210 قتيل فورا.
ففي العام 1995 نالت الجائزة الحركة المناهضة للاسلحة النووية "بوغواش" ومؤسسها جوزف روتبلات وفي العام 1985 منحت الجائزة الى "دولية الاطباء ضد الحرب النووية".
واضافت اللجنة في قرارها "ان عدم احراز تقدم كبير في هذا المجال يجعل من المعارضة النشطة للسلاح النووي اكثر اهمية اليوم".
واسست الوكالة في 1957 ومقرها فيينا. وقد لعبت دورا رئيسيا في الاشهر التي سبقت التدخل العسكري الاميركي البريطاني في العراق العام 2003.
ورغم معارضة الولايات المتحدة الكبيرة اعتبرت الوكالة يومها ان العراق لا يملك اسلحة دمار شامل وهو تقييم بات يعتبر صحيحا اليوم بشكل عام.
وقال البرادعي الشهر الماضي خلال ادائه اليمين لولاية جديدة على رأس الوكالة ان "الاستقلالية وعدم التحيز سيستمران في توجيه عملي". واضاف الدبلوماسي المصري البالغ الثالثة والستين ان "التحديات الحالية لا يمكن ان نواجهها الا عبر مقاربة جماعية".
ففضلا عن المفاوضات الحساسة مع ايران وكوريا الشمالية شهدت الاشهر الاخيرة فشل مؤتمر حول احياء معاهدة حظر الانتشار النووي في ايار/مايو وعجز المجتمع عن الاتفاق حول هذه المسألة خلال قمة الامم المتحدة في ايلول/سبتمبر.
وترفق بالجائزة ميدالية ذهبية وديبلوم وشيك بقيمة عشرة ملايين كورون سويدي (1,1 مليون يورو) وستسلم الى الفائزين في العاشر من كانون الاول/ديسمبر في ذكرى وفاة الفرد نوبل الصناعي والعالم السويدي مخترع الديناميت.