د.محمود خليفة
لنتفق أولا على مبدأ رفض الاحتكام للسلاح في الساحة الداخلية الفلسطينية لتفويت الفرصة على العابثين وعلى إسرائيل باعتبارها المستفيد الوحيد من إغراق الساحة الداخلية في حالة من الفلتان الأمني و الاقتتال بعد رحيل الرمز الجامع بين كل متناقضات الحالة الفلسطينية وصمام أمانها.
ياسر عرفات ظاهرة ومرحلة سياسية نضالية ملئ الدنيا عبر نصف قرن ستفتقده الساحة الفلسطينية و العربية والدولية، أصاب رحيله الساحة الفلسطينية بزلزال قوي توازن عواقبه تحتاج إلى تظافر كل الجهود الوطنية للخروج من هذه الحالة بأقل الأضرار الممكنة.
مؤكد أن السلام الذي كان ممكن تحقيقه في ظل ياسر عرفات كان سيحظى بأكبر قدر من التوافق في الساحة الوطنية وكان ممكن وصفه بالثبات الأمر الذي لم تستفد منه إسرائيل ومعها الولايات المتحدة اعتقادا بأن سلام ما بعد عرفات سيكون رخيص الثمن إلا أن المعطيات تشير بوضوح أن السقف الذي تركه ياسر عرفات لا يمكن لأي خلف أن تهبط دونه وان أي سلام آخر يمكن أن يفرض ما هو إلا سلام وقتي يقف على أعمدة هلامية غير مستقرة.
كان ياسر عرفات برمزيته صاحب نظرية الأبواب و الأفاق المفتوحة للجميع وعلى كل الاحتمالات لتحقيق السلام الآمن و الشامل و العادل، الأمر الذي رفضته إسرائيل دوما بتركيزها على إطار محدود ومحدد لسلام يمنح إسرائيل الأمن الشامل والمحدود للفلسطينيين، وعليه فإن جملة من التساؤلات البشعة حول الجهة أو الجهات المستفيدة من غياب مثل هذه الاستراتيجية التي كان يدعو لها ياسر عرفات!
كبداية يجب القول أن هناك حاجة ماسة لإماطة اللثام عن هذا الغموض الذي لف وما يزال يكتنف الحالة المرضية والملف الطبي للرئيس الراحل أبو عمار ومن ثم المبررات الفرنسية التي نشكر جهودها الصادقة في تحقيق السلام وجهودها في علاج الأخ الرئيس الراحل، إلا أن المبررات العائلية أمام شخصية ورمزية ياسر عرفات لا تقنع أجيالا فلسطينية قادمة منها طفلي الذي سيشب أمام الأسطورة الرمزية لزعيم الشعب الفلسطيني وهو ينظر إلى صورته مع أبي عمار متسائلا أين أبا عمار ؟! السؤال نفسه من حق أجيال إسرائيلية أن تطرحه بشكل آخر على جنرال الحرب شارون، أين السلام و الأمن ؟! سلام الأجيال الذي كان يمكن أن يتحقق مع عرفات الذي سافر ليلا إلى تل أبيب ليشارك أرملة الراحل إسحاق رابين عزاءها بوفاة من كان يسميه شريك سلام الشجعان ألأمر الذي لم تجرأ على فعله أية قيادة إسرائيلية حالية !
والوقائع والاحتمالات
منذ تسلم ارئيل شارون مقاليد السلطة في إسرائيل لم تتوانى عناصر السياسة و الإعلام في إسرائيل عن الرغبة العلنية في اختفاء ياسر عرفات وموته بعد أن فشلت جهودها العسكرية في تحقيق هذه الرغبة أمام الخطوط الحمراء الدولية، وانتظر شارون الراية البيضاء من إحدى نوافذ المقاطعة في رام الله بعد أن نهشت الدبابات الإسرائيلية السنتيمتر الأخير في جدار غرفة عرفات الذي خرج يقول شهيدا … شهيدا … شهيدا.
لنذهب إلى الساعات الأولى من فجر الثلاثاء الموافق 12مارس- آذار 2003 حيث حاولت القوات الإسرائيلية اقتحام الغرفة الأخيرة من مكتب ياسر عرفات بل وحدد نبيل أبو ردينة أن محاولات إسرائيلية مستميتة جرت لاقتحام مطبخ وغرفة طعام الرئيس في المقاطعة وان اثنين من الحراس أصيبا بجروح خطيرة، بينما ذكرت يديعوت احرنوت وفضائيات عربية في حينه أن الجيش الإسرائيلي استخدم ما وصف بقنابل صدمة وغاز لم يتم تحديد نوعيته.
حقيقة الرغبة الإسرائيلية في التخلص من الزعيم الفلسطيني تزامنت مع حصار المقاطعة وبشكل صارخ فلم يخفي موشية يعلون الذي أعلن في اجتماع نظمته الغرفة التجارية لمدينة بسر السبع أن هناك جلسات متواصلة تناقش مسألة قتل ياسر عرفات ويترجم ذلك ما صرح به أيهود اولمرت نائب شارون في مقابلة لإذاعة صوت إسرائيل ( الأحد 14 سبتمبر - أيلول 2003) … التخلص من عرفات أكيدة ولكن المسألة كــيف ؟ ، أما رعنان جيسن المتحدث باسم شارون فقد تناول المسألة أكثر من مرة " لاحظوا انه و اوري دان مقربين من شارون " … قلنا أن قرار مجلس الوزراء يمثل تحذيرا يفيد أن أيامه باتت معدودة … عرفات يشكل عقبة مطلقة أمام أية مصالحة بين الإسرائيليين و الفلسطينيين وستعمل إسرائيل على إزالة هذه العقبة بالشكل والموعد والطرق التي ستحددها لذلك …، وحتى قبل أيام من وفاة الرئيس عرفات فقد هدد سيلفان شالوم بأن أيام عرفات باتت اقرب مما يتوقع.
هذه عينه وجميعهم نطقوا بلسان شارون الذي هدد بالتخلص من عرفات بنفسه بل والندم على عدم مقدرته في التخلص منه في لبنان.
وفي أروقة المخابرات الإسرائيلية كانت الاجتماعات تعقد لترجمة قرارات حكومة شارون التي جاءت بدورها بناء على تقارير مخابراتية كشف عنها بوضوح آفي ديختر رئيس المخابرات.
هل حصل شارون على موافقة بوش للتخلص من عرفات ؟؟
داعية السلام الإسرائيلي اوري افنيري يقول انه حذر الرئيس عرفات من الرغبة الجامحة لشارون في قتله وان الأخير يحتاج فقط لتلميح وليس موافقة بوش للتنفيذ، ترى هل هذا التلميح جاء من خلال الفيتو الأمريكي في سبتمبر – أيلول 2003 لمواجهة قرار مجلس الأمن ضد التهديدات الأمريكية للمس بحياة الرئيس عرفات الذي وصفه مندوب الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة جون نيغروبونتي بأنه قرار غير متوازن لم يكن ليضيف أي شي بناء من اجل السلام في الشرق الأوسط.
اليقين الإسرائيلي والدور الأمريكي
الملفت للنظر كانت كم المعلومات الإسرائيلية و الإعلامية حول مرض الرئيس ومن ثم وفاته والتي جاءت كلها كخاتمة لبازار التهديدات الإسرائيلية، فإسرائيل التي شدد الحصار على الرئيس ولم تخف الرغبة في قتله كما أسلفنا وافقت على مغادرة الرئيس وعودته إلى رام الله بالذات وهي التي أعدت السيناريوهات السابقة بل و الكوماندوز لخطف الرئيس و إبعاده في أحسن الأحوال إلى غزة وفي أسوأها إلى السودان، فإذا ما استبعدنا التحول الإنساني الايجابي لحكومة شارون الذي لاحق ياسر عرفات من مبنى لآخر في بيروت تبقى فرضية أن إسرائيل تعلم حقيقة السموم أو الفيروسات وربما الإشعاعات التي تعرض لها الرئيس عرفات ومفعولها و الذي يتراوح بين التلف الدماغي والوفاة وهو ما يوضحه احد المقربين جدا من شارون لثلاثة عقود خلت اوري دان الذي قال في الجيروسالم بوست " 4 نوفمبر – تشرين أول 2004 "... بعد مغادرة الرئيس لفرنسا مهما فعل الأطباء الفرنسيون فإن عرفات سيبقى مكسور الجسد و الروح، المدعو دان هذا وبعد معلومات إعلامية وإسرائيلية متتابعة تارة تعلمن وفاة عرفات وأخرى تتحدث عن موت سريري، يكشف اللثام عن محادثة هاتفية تمت بين شارون وبوش في نيسان 2004 وبعد حديث حول الانتخابات الأمريكية وتوقعاتها و الوضع في الشرق الأوسط دخل شارون في صلب الموضوع:
شارون: سيدي الرئيس إنني لا أستطيع الالتزام بما وعدتك به بعدم المس بعرفات.
بوش: لعل من الأفضل ترك مصير عرفات بيد القوة العليا.
شارون: لعلها سيدي الرئيس أحيانا تكون بحاجة إلى مساعدة.
فمن هي القوة العليا التي قصدها بوش في حواره مع شارون ؟ ! دان يقول أن المقصود بذلك هو " الرب "، هل هذا فعلا ما قصده بوش ؟ّّ! أم أن وراء الأكمة ما وراءها ؟!!!
تشير المواقف الأمريكية و الإسرائيلية في السنوات الثلاث الأخيرة تحديدا من فترة حكم التحالف الاستراتيجي" بوش وشارون " إلى رغبة مشتركة في التخلص من عرفات باعتباره العقبة التي تقف في وجهه المؤامرات التي تحاك للمنطقة وليس فلسطين فحسب، ولكن ما هو دور كل منهما لو صحت فرضية التسميم وللطرفين تجارب سابقة في هذا المجال !!
فرنسا والمهمة التاريخية لماذا رفض الخبير الروسي ؟
لم يكن مستغربا من فرنسا تقديم كل الإمكانيات لعلاج الرئيس الفلسطيني، فهي التي عبرت عن دورها المميز في قضية الشرق الأوسط، موقف تأمل فلسطين الرسمية و الجماهيرية استمراره بفاعلية أكثر في القادم من الأيام سعيا لمساعدة الفلسطينيين في تجاوز محنتهم بعد غياب الزعيم و الرمز وقد أسلم الروح على أرضها، هي أمانة إنسانية يحترمها التاريخ الفرنسي الحافل، ولكن ؟
هناك موقف إنساني وتاريخي سياسي لا يقل أهمية حول ضرورة تسليم الملف الطبي للرئيس الراحل حتى يقف الشعب الفلسطيني على أسباب وفاة زعيمه الذي غادر إلى فرنسا باسما ضحوكا يسير على قدميه، كان عليلا نعم ولكن حالته الظاهرية لم تكن توحي بخطورة مرضه.
لقد تركت الأيام السابقة مجالا فسيحا للتكهنات حول أسباب الوفاة مع إيماننا بقضاء الله، تكسر صفائح الدم من وجهة نظر طبية لها سببان، سرطان الدم " اللوكيميا " أو التسميم، أما وقد استبعدت اللوكيميا فإن التسميم يبقى الاحتمال الوحيد الذي تؤكده حيرة الأطباء التي زادت الشكوك يقينا وأكدها طلب عينات دم قديمة وتحويل أخرى إلى دول ثالثة لفحصها قيل أنها الولايات المتحدة أو ألمانيا، وأحاديث هامسة في الأروقة الفلسطينية تتحدث على أن روسيا اقترحت على فرنسا إرسال خبيرها لتحليل نوع السم وإيجاد العلاج المناسب له وأن ذلك الاقتراح رفض، ممن؟؟
لا احد يجيب !!! وأخرى تقول انه طلب من إسرائيل العلاج المناسب للسم والأخيرة رفضت!!!
ونعود للدكتور اشرف الكردي الطبيب الخاص للرئيس الراحل ياسر عرفات والذي يفترض احتمالات التسميم الغذائي أو الدوائي كتشخيص طبي لمثل هذه الحالة الفريدة، وإن كانت نظرية المؤامرة "ولها أساس في عقلية شارون بالتحديد"، تحدثت عن أساب أخرى منها الغازات و الملوثات أو الإشعاعات التي استخدمت في فترات حصار الرئيس في المقاطعة على مدار السنوات الثلاث.
فرنسا مطالبة بحكمتها المعهودة، فياسر عرفات ليس شخصا عاديا هو زعيم تاريخي لشعب أحب قائده وتصريحات السيد / ميشيل برنييه وزير خارجية فرنسا لا تقنع أحمقا، فالمبادئ الدولية والثنائية تستدعي تسليم التقرير الكامل حول أسباب المرض و الوفاة للحكومة الفلسطينية وعلى الأخيرة نشره عبر وسائل الإعلام لراحة نفس الرأي العام الفلسطيني، فلم تعد مثل هذه الأسباب في علم الغيب مع التطور الطبي الهائل.
صمت فرنسا يدفع الشارع الفلسطيني و العربي إلى حالة اليقين بأن لدى الجهات المعنية في فرنسا ما تخفيه ولكن لمصلحة من ؟! في عالم الأمن و الاستخبارات بات كل شيء ممكن لتحقيق عناصر الجريمة الكاملة !!!!
المسؤولية الفلسطينية وسقف عرفات
الجديد القديم والغريب أيضا هي تصريحات الأخ احمد عبد الرحمن الوزير السابق واحد المقربين من الرئيس الراحل ياسر عرفات لإحدى الفضائيات العربية أن حالة الرئيس كانت تسوء منذ أكثر من عام وهي تصريحات وان كانت تنشر لأول مرة إلا أنها ليست جديدة وفق ما نشر في وسائل الإعلام وسبقها تحذيرات للرئيس على لسان بسام أبو شريف وفريح أبو مدين وهما أيضا على صلة قريبة بالرئيس رحمه الله.
والحال ذلك لماذا تأخر سفر الرئيس للعلاج منذ بداية أكتوبر الماضي مع بداية شهر رمضان إلى أواخر أكتوبر حتى أصبحت الحالة صعبة في ظل ما صرح به السيد احمد عبد الرحمن تحديدا، هل هو تقصير فلسطيني أم رفض إسرائيلي إلى أن أصبحت الأخيرة يقينه إلى أن السم تمنك من جسد الرئيس عرفات فأذنت له بالسفر!! كل ذلك يحتاج إلى وضوح، على الحكومة الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفتح بالدرجة الأولى أن تكون أمينة على تاريخ هذا الرجل الذي كان أمينا على قضية شعبه.
هل اغتيل عرفات قبل استحقاق الانتخابات الفلسطينية بما يعكسه من استحقاقات إسرائيلية كالانسحاب من المدن و القرى ومناطق( A ) ومشاركة المقدسين، أملا في بروز قيادة جديدة أكثر ليونة في التعاطي مع الطروحات الإسرائيلية ؟
من داخل البيت الفلسطيني نقول إن الرغبة الإسرائيلية صعبة المنال لأن السقف الذي وضعه ياسر عرفات للثوابت الفلسطينية لا يعطي أي قيادة لاحقة حق التنازل عن أي منها، ربما يعطيها إمكانية المناورة السياسية دون الهبوط بسقف التوقعات فما كانت تسمح به الجماهير الفلسطينية لزعيمها " لوضوح الرؤيا " لن تسمح به لأي قيادة قادمة مهما كانت مكانتها لذات السبب.
ولعل التصريحات الإسرائيلية الأخيرة حول إمكانية التباحث مع القيادة الفلسطينية الجديدة في مسألة الانسحاب من قطاع غزة وفق شروط، نعتقد أنها مجرد بالون اختبار سيئ التوقيت لأنه يضع العصي في عجلة المشاورات الحثيثة التي تجري للإعداد لانتقال هادئ للسلطة على أرضية الانتخابات فإسرائيل هي ذاتها التي وضعت العراقيل أمام حكومة أبي مازن قبل عامين، والرجل ذاته ينظر له على انه الأكثر حظا في الانتخابات الرئاسية القادمة.
رؤيتان لمرحلة ما بعد الزعيم
المؤكد أن الطرف الفلسطيني منهمك الآن في الانتقال السلمي للسلطة من حالة الرمزية المطلقة إلى حالة الحكومة البرلمانية، هكذا يرى البعض مرحلة ما بعد عرفات في حين يرى آخرون أن أي حكومة قادمة يجب أن تستمد شرعيتها من المقاومة ما يعني حكومة توافق نضالي أو كما يدعو البعض إلى تشكيل قيادة وطنية موحدة " حكومة في قلب حكومة" !!! دون الاتفاق على برنامج عمل موحد فهي قيادة البعض فيها يرى المقاومة سبيلا والبعض الآخر يرى أن الدبلوماسية طريقا مع أن الحالة الفلسطينية على مدار قرنها الماضي تشير بوضوح إلى ضرورة مزاوجة المقاومة و الدبلوماسية إذا أردنا تحقيق الإنجازات وهو ما كرسته منظمة التحرير الفلسطينية خلال العقود الثلاث الأخيرة من رئاسة الراحل ياسر عرفات لها.
ربما يكون محمود عباس أبو مازن باعتباره رئيسا حاليا لمنظمة التحرير الفلسطينية أراد التواصل مع مرحلة القائد و الرمز بعقده اللقاءات الماراثونية في الضفة والقطاع لتحقيق اكبر قدر من التوافق الوطني على المرحلة القادمة التي سيكون حدها الفاصل يوم 9 يناير – كانون ثاني 2005 حيث الانتخابات ستفرز نوعية قيادة المرحلة القادمة "التي بالتأكيد ستفتقد لكاريزما زعامة ياسر عرفات" للدخول في جدول الاهتمامات الأوروبية و الأمريكية فيما يتعلق بالشرق الأوسط وقد بدأت تظهر مؤشرات جديدة حول إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات، ربما تكون القيادة الفلسطينية جاهزة لخوضها معتمدة على ارث ياسر عرفات ولكن هل الطرف الإسرائيلي مستعد لذلك.
الرؤيا الأخرى تتحدث عن تشتت القوى والاندفاع نحو اقتتال داخلي لتحقيق مكاسب ضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا مما يعني العودة بالقضية خمسون عاما للوراء، إسرائيل وحدها المستفيد من مثل هذه الحالة بل وستدفع نحو خلق الظروف المواتية لهذا الاقتتال بأساليب مختلفة ليتسنى لها إعادة خلط الأوراق الفلسطينية بعوامل خارجية وداخلية وبالتالي تصفية الرموز الوطنية بذريعة " الإرهاب " وهو ما سيؤجل البحث في الطرق السلمية لحل الصراع ويترك الخيار للسلاح، الأمر الذي تريده إسرائيل وتعمل لأجله.
ولا نتفق مع تحليلات البعض الذي ذهب إلى أن شارون سيتجه إلى الاعتدال بعد رحيل عرفات تمشيا مع الضغوط الدولية، فلن يقف في وجه البلدوزر " شارون " شيء بعد رحيل من كان يمسك باللجام.
المؤجل والمعجل فلسطينيا !!!
على كل حال يبقى كل ذلك في إطار التكهنات لمرحلة ما بعد الإعلان عن الأسباب الحقيقة لوفاة الرئيس ياسر عرفات، فإذا صحت فرضية التسميم فإن الزلزال الذي عاشته الجماهير الفلسطينية مؤكد سينتقل بقوة اكبر إلى الجانب الإسرائيلي الذي سيودع لسنوات قادمة الهدوء والأمن النسبي الذي عاشه مع حياة الرئيس عرفات الذي آمن بالسلام وسعى لتحقيقه.
وفي الجانب الآخر ستكون أي قيادة فلسطينية لاحقة تحت المقصلة في حال لم تعمل على دفع إسرائيل ثمن اغتيال عرفات، ولن يكون انتقال السلطة بالسهولة المتوقعة وأي مسألة أخرى ستكون ثانوية مقارنة بحياة الرئيس ياسر عرفات فالجماهير الفلسطينية قالت كلمتها في هذا الشأن وهي تودع زعيمها بمئات الآلاف رغم حالة الحصار و الإغلاق الشديدين التي فرضتها فوات الاحتلال على كافة مداخل رام الله و المدن الأخرى.
لا شك بأن خسارتنا برحيل القائد والرمز جسيمة، قائد جعل من خيمة المخيم مظلة للثوابت الفلسطينية، وحاضنة الأمل رغم الألم، وحده ياسر عرفات برمزيته والكاريزما التي كان يتمتع بها كان قادرا على قراءة المستقبل اعتمادا على معطيات الواقع فيجمع من حوله كل أطياف العمل السياسي الفلسطيني، برحيله ترك فراغا كبيرا بعد أربعة عقود من العمل المتواصل في ساحات العمل النضالي و السياسي و ارتكان المجموع الفلسطيني إلى وجود ذلك المارد والأسطورة الذي سيبقى خالدا في ذاكرة شعبه.
من هذا المنطلق نقول بضرورة تكاتف الأيدي على ثوابت الإجماع الوطني و العمل المشترك لتحديد منطلقات جديدة واليات عمل تسد الهوة التي تركها رحيل القائد والزعيم.
هناك حاجة لهجوم فلسطيني سياسي وإعلامي على الساحة الدولية و العربية والأمريكية على وجه الخصوص وقف برنامج عمل موحد يوضح البرنامج الفلسطيني و الرؤيا الفلسطينية للحل الدائم والشامل للصراع في المنطقة على أرضية إحقاق الحقوق، برنامج عمل يدفع إسرائيل نحو مفترق طرق فإما أن تختار السلام ملتزمة باستحقاقاته وفق أجندة ومواعيد مقدسة وإما الحرب وعلينا في هذه الحالة فلسطينيين وعرب أن نكون جاهزين لخوضها على مختلف الجبهات السياسية و الاقتصادية والعسكرية، أما استمرار الواقع الحالي فيجب رفضه بصوت عالِ.
لتحقيق ذلك يفترض أن تكون الصورة الفلسطينية واضحة بأعلى درجة من درجات التماسك والوحدة الوطنية فقاربنا مقبل على عاصفة من الأمواج وبما أن الجميع على هذا القارب فإن الجميع مطالب بأقصى درجات المسؤولية في تعاطيه مع مستجدات المرحلة القادمة.
وفتح تحديدا مطالبة بمسؤوليتها التاريخية تجاه الحركة الوطنية وعليها توحيد صفوفها لإعطاء الزخم الوطني دفعته الجديدة فلا يجوز أن تبقى فتح منقسمة بين مراكز قوى وداخل وشتات، وعلى اللجنة المركزية أن تجتمع بكل أعضائها في أي مكان كان لتحديد أولويات عمل جديدة لمرحلة جديدة، ولا يعفي ذلك فصائل العمل الوطني الأخرى من إعادة ترتيب اولوياتها وصفوفها بما يتوافق مع المصلحة الوطنية العليا.
الذاكرة الفلسطينية ومتحف الذكرى، رسالة لمن يهمه الأمر..
من لا يقرأ التاريخ لا يستحق أن يعيش الحاضر ولن يكون له مستقبل، من عمق الآلام والآمال التي عشناها على مدى العقود الأربعة إلى جانب ياسر عرفات، عشنا لحظات الأمل في نهاية النفق كما عشنا الألم مع بداية نفق آخر، من منفى الشتات يعود الوطن إلى بداية اللحظة الجديدة، من حيفا ويافا وعكا إلى اللد و الرملة... من القدس و الخليل وبيت لحم إلى رفح... من كفر قاسم إلى خانيونس ومن صبرا وشاتيلا إلى جنين، ذاكرتنا مليئة بالأحداث و التواريخ سطرناها بدمنا وعمرنا وجهدنا، كان أبو عمار عنوانها الدائم والصارخ، وحتى تكون الذاكرة منصفة لأجيالنا وتأريخنا فإن الوفاء يتطلب إقامة المتحف الذي يجسد سنوات الصمود و النضال، جحم الكارثة و المقاومة، ومقدار التحدي و البناء، في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وهذا يستدعي تحويل مبنى المقاطعة بكل مفرداته وجزئياته إلى ذاكرة المكان و الزمان ليحكي حال المكان حكاية الصمود للأجيال، هو مطلب جماهيري بتحويل مقر المقاطعة بغرفها وممراتها، بما تحويه من مقتنيات إلى متحف للذاكرة الفلسطينية، فالدمار والركام الحطام يجب أن يبقى والضريح يجب أن يشيد تخليدا لرمزية المكان.
بإمكان القيادة الفلسطينية الجديدة أن تبني لها مقرا آخر في زاوية من زوايا المكان نفسه لكن المقاطعة يجب أن تبقى شاهدا على العصر، عصر همجية الاحتلال وعهر الدبلوماسية السياسية الدولية... هو مقترح نرفعه لمن يهمه الأمر، سواء في المجلس التشريعي أو الوطني، للجنة التنفيذية أو الحكومة القادمة.