اللاذقية : البوابة
يتساءل أبو إبراهيم،وهو من سكان رأس البسيط على الساحل السوري، إن كان ثمة أمل في العودة الى الشباك والرحلات البحرية الموغلة في المخاطرة، و... :
- الانتظار.
ويتابع أبو إبراهيم، لتشع عينيه ناثرة حكاية الماضي:
-كانت تستنى الفنار.
رحلات أبو إبراهيم، انقطعت وليس ثمة صبية تقف فوق صخور الشاطئ بانتظار عودة الزورق وقد أضاءه فنار يلوح من البعيد، وكذلك حال بقية صيادي ابن هانئ،ورأس البسيط، وطرطوس وجزيرة أرواد، تلك القطعة من البحر السوري التي وصلت زوارقها الى قرطاجنة برفقة الامبراطوره اليسار.
أبناء رأس البسيط اسحبوا تدريجيا من الزورق،ليعثروا على مكان بين السياح الذين يأتون الشاطئ محملين بزواداتهم وأشيائهم، لينتقل آخرون الى الوظيفة الحكومية، حيث يقبضون عملة ورقية بدل عن ( اللقس) و ( البوري) وأصناف من أسماك عجزت مزارع الأسماك الحكومية والأهلية عن العثور على مايوازيها.
أبو إبراهيم يقر بأن الصيد البحري مهنة شاقة صعبة،ويضيف بأن حصيلتها لا تشكل ثروة ولا تلبي احتياجات الناس، ولكنه لا يتردد في اعتباره مواجهة مع البحر، وبأنها :" تتطلب رجولة فائضة"، ليتابع مؤكدا أنه يحن الى ترميم زورقه الذي أكلته السنوات، وباتت أخشابه قطعا مرمية فوق رمال تمعن في أكل مافاض عن الزمن، ويقول:
- بيننا وبين الساحل التركي حفنة ماء ،مع ذلك يعود الصياد التركي بمائة كيلو سمك فيما يعود الصياد منا بكيلو سمك وأحيانا بلا ولا سمكة.
الحكاية ذاتها يكررها أهالي رأس البسيط، فالحد الفاصل مابين رأس البسيط والمياه التركية صخرة تتوضع في منطقة البسيط، من جانبها الشمالي المياه التركية، ومن جانبها الجنوبي المياه السورية، في الشمالي ترى الأسماك وقد غطت مساحات هائلة من المياه وفي الجانب الآخر تقترب السمكة لتعود قبل أن تأخذ السنارة طريقها إليها.
قصة لا تبدو مفهومه،ولا حتى للصيادين الذين أخذ البحر من حياتهم كل الحياة، والمفهوم هو العنوان :
- هنا ثروة سمكية ضخمة ،وهنا تصحر ورمال
وإذا ما فكر الصياد السوري بالاتجاه الى ما وراء الصخرة فخفر السواحل التركي، سيعتبره متسللا، فالمياه الإقليمية التي صنعتها الخرائط السياسية ستحول دون زورق بحري يتخطى المسموح، ومع ذلك فثمة بشري، يضع منفسة فوق أنفه ويسبح عميقا الى الجهة الثانية،ليعود بسمكة ضخمة فوق رمحه البحري،سارقا من الأتراك سمكة من ثروتهم البحرية الهائلة.
الشاب العائد بالسمكة، سينتعش ويخرج من بطن الماء ليقول لنا:
- وجدتها
وبطبيعة الحال فانه لا يعني طاسة ارخميدس،بل سمكة واحدة، هي ثروة يومه، ومغامرته في المياه الإقليمية لبحر إقليمي مجاور،لا سبيل الى أن ترسم حدوده بالطبشور المدرسي،فالأمواج تزيح الحوار، وليس ثمة من يزحزح خفر الشواطي الذين يتجولون على طول شواطئهم ومناظيرهم ترقب حركة صياد.
سيدة سبعينية من أهالي شاطئ البسيط، تجلب حليب بقرتها الى عائلة مصطافة في واحد من الشاليهات، السيدة إياها، هي زوجة أبو إبراهيم، زوجة تشكو من حلب البقرة، مؤكدة أن أيام انتظار فنار أبو إبراهيم مضت، وبأن الأيام التالية ستكون أيام الأبقار، والسيدة التي لاتمانع من استحضار ذاكرة العشق،تحكي عن المخاطر التي واجهت أبو إبراهيم.. تحكي عن (النو) العاصفة البحرية التي قتلت الكثير من الصيادين مؤكدة ، أن : " أبوابراهيم كان خبيرا في التعامل مع النو" و:" أنه كان يعود إليها بحكايات وحكايات" و:" كان يكذب قليلا ولكنها كانت شغوفة بتلك الأكاذيب" ، وبالخصوص رحلته الى المياه الاسبانية،حيث وصل بزورقه الوحيد،وكان وحيدا فوق الوحيد الى اسبانيا،لتكتشف بعد سنين أنه كان بضيافة عشيقته في أرواد،الجزيرة الإمارة في بحر طالما فتك بإمبراطوريات.
الحكومة لم تقدم شيئا الى الصيادين، لم تسعفهم في تحديث زوارقهم.. لم تقدم للصيد البحري ما يكفي من الدعم،واستبدلت سمك البحر بأسماك المزارع التي تزرع في الوحول.
هذا ما يقوله الشاب الصغير الذي يعيش في منطقة وادي قنديل البعيد عن البسيط قرابة 30 كيلو مترا، ولكن السيدة أم إبراهيم تجيب:
-وهل يستطيع رئيس المخفر أن يأمر الأسماك التركية بأن تأتي الى البحر السوري؟
شيخ البحر لن يسمعها ليجيب،ولكنه يتابع القول محتجا:
- الطمي والرمال متراكمة في مرفأ طرطوس خصوصا في مرفأ الصيد والنزهة
- والصيد المحرم كاستخدام الديناميت أبعد الأسماك عن مياهنا الإقليمية
- وأن الصيد البحري واسطة الفلوكات لم يعد ممكنا في مرحلة السفن العملاقة التي تجوب لبحار
ويعطينا فكرة عن اتفاق كان قد تم مابين الحكومتين السورية واليمنية ، سمح بموجبه للصيادين السوريين بالصيد في المياه الإقليمية اليمنية، بعد تخصيصهم بمواقع للصيد وتوفير المستلزمات الأساسية لهم، ومدهم بالمعلومات حول حالة البحر والاتصالات وكل ما يوفر لهم سهولة القيام بعمليات الصيد، وكان هذا الاتفاق، نافذة لمئات الصيادين السوريين لعودة الى مهنتهم، غير أنه اتفاقا مازال حبرا على ورق، وهاهم الصيادين السوريين يتحولون الى ندل مطاعم.
نعرض على شيخ البحر خبرا يفيد بأن مجموعات علمية سورية أوروبية لحظت أن أعشاش السلاحف لبحرية قد ازدادت بشكل ملحوظ هذا العام.
شيخ البحر سيضحك من الخبر مؤكدا أن السلاحف البحرية لاتتطلب سفن صيد، ولكنه وقد أعلن تذمره من الحرب الاسرائيلية على لبنان يقول:
- هل لديكم علما متى ستباشر الحكومة السورية بإزالة البقعة النفطية التي وصلت طرطوس وهي تمتد نحو بقية الشاطئ السوري؟