بدأت أنقرة وواشنطن الخميس تسيير دوريات عسكرية مشتركة في محيط مدينة منبج السورية بعد التوتر المتصاعد منذ أيام في شمال البلاد مع استهداف تركيا مواقع تابعة لمقاتلين أكراد وتلويحها بشن عملية عسكرية ضدهم.
وعلى ضوء القصف التركي، علقت قوات سوريا الديموقراطية، وهي تحالف يضم فصائل كردية وعربية على رأسها وحدات حماية الشعب الكردية، عملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية "مؤقتاً".
وعلى الإثر، عبرت واشنطن عن "بالغ قلقها" جراء القصف التركي الذي وصفته بـ"الضربات الأحادية"، مؤكدة أن "التنسيق والتشاور بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن القضايا التي تثير قلقاً أمنياً يبقى نهجاً أفضل".
ونقلت وكالة أنباء الأناضول التركية الحكومية الخميس عن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار أن "الدوريات المشتركة بين القوات المسلحة التركية والأميركية في منبج بدأت اليوم عند الساعة 15,53 (12,53 ت غ)".
وبعد ساعات، أعلنت الرئاسة التركية أن الرئيسين التركي رجب طيب اردوغان والأميركي دونالد ترامب، تحادثا الخميس هاتفيا حول سوريا.
وتنتشر في مدينة منبج قوات أميركية وفرنسية من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، منذ أن تمكنت قوات سوريا الديموقراطية المدعومة من واشنطن من طرد تنظيم الدولة الاسلامية منها في العام 2016.
وطالما هددت تركيا بشن عملية عسكرية ضد الأكراد في منبج ومناطق أخرى بعد سيطرة قواتها بالتعاون مع فصائل سورية موالية لها على منطقة عفرين (شمال غرب حلب) ذات الغالبية الكردية العام الحالي.
وأثارت تهديدات تركيا توتراً بينها وبين حليفتها واشنطن، إلى أن تم التوصل إلى خارطة طريق تنص على تسيير دوريات مشتركة بين التحالف والقوات التركية في المنطقة الفاصلة بين منبج من جهة ومناطق سيطرة الفصائل المدعومة من أنقرة من جهة ثانية.
وتسير تركيا والولايات المتحدة منذ أشهر دوريات منفصلة "منسقة" في منبج. وأجرى الطرفان خلال الفترة الماضية تدريبات تمهيداً للدوريات المشتركة.
وكانت وحدات حماية الشعب الكردية التي تصنفها أنقرة منظمة "إرهابية"، انسحبت من منبج في تموز/يوليو الماضي بموجب الاتفاق الأميركي التركي، لتبقى المدينة تحت سيطرة فصائل اخرى منضوية في إطار قوات سوريا الديموقراطية.
لكن تركيا تحدثت مؤخراً عن استمرار وجود المقاتلين الاكراد.
وطالما شكل تحالف واشنطن مع الأكراد مصدر قلق لأنقرة التي تخشى حكماً ذاتياً كردياً قرب حدودها.
ويرى الباحث في المعهد الأميركي للأمن نيكولاس هيراس أن الإدارة الأميركية تعول كثيراً على نجاح الدوريات المشتركة، إذا تأمل أن "تمنع (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان من إثارة المتاعب في المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية شرق الفرات".
إلا أن التصريحات التركية لم تهدأ ضد الأكراد الذين يسيطرون على مناطق واسعة في شمال وشمال شرق سوريا يُطلق عليها تسمية منطقة "شرق الفرات".
وأعلن أردوغان الثلاثاء أن بلاده أنهت الاستعدادات لشن هجوم جديد ضد الوحدات الكردية. وقال "سنهاجم هذه المنظمة الإرهابية بعملية شاملة وفعالة قريباً. وكما قلت دائماً يمكن أن نهاجم فجأة ليلة ما".
- "خفض تصعيد" -
واستهدفت المدفعية التركية خلال الأيام الماضية مناطق سيطرة الأكراد في محيط مدينتي كوباني وتل أبيض الحدوديتين في شمال سوريا، ما أسفر وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل أربعة مقاتلين أكراد منذ الأحد.
وأكدت قوات سوريا الديموقراطية من جهتها الأربعاء استعدادها "الكامل لصد أي هجوم خارجي"، كما أعلنت وقفاً "مؤقتاً" لعمليتها العسكرية المدعومة من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة هجين، آخر جيب يسيطر عليه في محافظة دير الزور في شرق البلاد.
وقال المتحدث باسم التحالف الدولي شون ريان على حسابه على تويتر الخميس "نحن على تواصل مع الطرفين، تركيا وقوات سوريا الديموقراطية، لخفض التصعيد"، مؤكداً على أهمية "التركيز على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية".
وأرسلت قوات سوريا الديموقراطية خلال الأيام الماضية مئات القوات الكردية من مناطق عدة بينها منبج لدعم عملياتها ضد التنظيم المتطرف. وكانت بدأت في 10 أيلول/سبتمبر هجوماً ضد منطقة هجين، وتمكنت من التقدم فيها لكن هجمات مضادة واسعة للتنظيم خلال الفترة الماضية أجبرتها على التراجع.
واتهمت تلك القوات أنقرة بـ"تنسيق" هجماتها مع تلك التي شنها الجهاديون.
وقال المتحدث باسم قوات سوريا الديموقراطية كينو غابرييل الخميس لفرانس برس إن العمليات في منطقة هجين لا تزال متوقفة، موضحا أن "قواتنا لا تزال متمركزة في مواقعها"، و"العمليات الهجومية توقفت إلا أن العميات الدفاعية لا تزال مستمرة".
- "هجمات ضد المكاسب" -
وتظاهر مواطنون أكراد لليوم الثاني على التوالي في شمال سوريا ضد التصعيد التركي.
وفي بلدة القحطانية (شمال شرق)، قال علي سعدون (56 عاماً) "نريد أن نوصل صوتنا الى العالم والى المجتمع الدولي لإيقاف هجمات تركية على الشعب الكردي (...) ونعتبرها انتقاماً من المكاسب التي يحققها الكرد هنا".
وتصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة النزاع في سوريا منذ العام 2012 بعدما ظلوا لعقود مهمشين مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية، وبعد تمكنهم لاحقاً من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مناطق واسعة.
وأنشأ الأكراد إدارة ذاتية في مناطقهم قبل أن يعلنوا فيها النظام الفدرالي.
وتُعد الوحدات الكردية صاحبة الخبرة القتالية الأبرز بين فصائل قوات سوريا الديموقراطية. وأثبتت فعاليتها في قتال تنظيم الدولة الإسلامية بدءاً من مدينة كوباني في العام 2015 مروراً بالرقة إلى دير الزور.
وتلقي المواجهات بين تركيا وأكراد سوريا الضوء على تعقيدات النزاع السوري الذي أوقع منذ اندلاعه في منتصف آذار/مارس 2011 أكثر من 360 ألف شخص، وأسفر عن دمار هائل في البنى التحتية ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.
