البوابة-بسام العنتري
حذر مسؤولون عراقيون من مساعي ايرانية للتأثير في الانتخابات العراقية عبر عشرات الجمعيات التي انشأتها ايران في العراق بذرائع انسانية، ومئات عملاء الاستخبارات الذين تسللوا الى هذا البلد بعيد الغزو الاميركي.
وانشأت ايران عقب سقوط نظام صدام حسين عشرات الجمعيات والمؤسسات في جنوب وشرق العراق تحت ذرائع انسانية واغاثية.
لكن هذه الجمعيات والمؤسسات باتت مصدر قلق للحكومة العراقية مع توارد التقارير التي تؤكد انها يجري توظيفها لغايات سياسية في مقدمتها التاثير على سير الانتخابات التي ستشهدها البلاد الشهر المقبل.
وقال رئيس هيئة الاعلام العراقية ابراهيم الجنابي للبوابة انه "اذا كانت هذه الجمعيات والمؤسسات هي لغاية انسانية بحتة..فهذا لا غبار عليه. ولكن اذا كانت..تهدف الى اشياء ابعد او الى تحقيق بعض الاهداف السياسية، فهذه بالضرورة نعتبرها نوعا من التدخل في الشان العراقي".
واعرب الجنابي عن تحفظه على هذه الجمعيات والمؤسسات، والتي اكد ان الايرانيين انشأوها في العراق في وقت لا يمكن ان يسمحوا لاية دولة ان تنشئ مثلها في بلادهم.
وقال ان "الايرانيين لا يقبلون منا ان نقيم مثل هذه الجمعيات والمؤسسات داخل المجتمع الايراني حتى لا نؤثر عليه باي شكل من الاشكال".
وتؤكد العديد من التقارير ان عملاء في الاستخبارات الايرانية يديرون هذه المؤسسات والجمعيات وان نشاطاتهم يتم تنسيقها من خلال حسن كاظمي قمي القائم بالأعمال الإيراني في بغداد.
وقال الجنابي ان الحكومة الايرانية لا تنكر وجود نشاطات استخبارية ايرانية في العراق، لكنها تتذرع بان هذه النشاطات خارجة عن سيطرتها.
وقال ان "الجانب الايراني الرسمي..اقر بانه لربما كانت هناك بعض الاذرع" الاستخبارية الايرانية في العراق.
واشار الى ان "المؤسسة الايرانية ليست محكومة بالكامل من قبل الجانب الايراني الرسمي، هناك بعض الاذرع التي لها بعض السلطات والاستقلالية قد يكون لها نوع من الارتباطات" مع جهات في العراق.
واكد ان الايرانيين "وعدونا بان يحاولوا الحد من هذا الموضوع" خلال المحادثات التي اجراها وزير الداخلية العراقي فلاح النقيب في طهران على هامش مؤتمر الجوار الاسبوع قبل الماضي.
وابدى الجنابي ايضا تحفظه على العلاقات التي تربط بعض الاحزاب العراقية بايران.
وقال ان هناك "بعض التواصل بين بعض الحركات والاحزاب السياسية في داخل العراق مع الجانب الايراني، وهذه مسالة لنا عليها ملاحظات..نحن نريد ان تكون العلاقات في اطار العلاقات الرسمية" بين الحكومتين العراقية والايرانية.
ولا تخفي احزاب عراقية بعضها شيعية ارتباطاتها الوثيقة مع الحكومة الايرانية، كما ان بعضها ما زال يمتلك مكاتب وممثليات في طهران.
وتثير هذه العلاقات الى جانب التغلغل الايراني في العراق مخاوف لدى العديد من المسؤولين العراقيين الذين يرون فيها عامل تهديد اكيد للانتخابات المقبلة، والتي يؤكدون انهم يريدونها نزيهة ودون تاثيرات خارجية.
وقال الجنابي "يهمنا بالدرجة الاولى ان تجري الانتخابات وفق اعلى درجات الشفافية والنزاهة، ولهذا نحن حريصون جدا على ان لا يكون هناك أي تاثير خارجي من أي جهة كانت في موضوع تحديد ما يريد ان يقرره الناخب العراقي".
وكان العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني وكذلك الرئيس العراقي غازي الياور وعدة مسؤولين اميركيين حذروا الاسبوع الماضي من مساعي ايرانية للتدخل في سير الانتخابات العراقية.
وقال الملك عبد الله ان ايران تجد مصلحتها في اقامة جمهورية اسلامية في العراق وبالتالي، يهدف تورط الايرانيين الى وصول حكومة تكون مقربة جدا من الايرانيين.
وحذر من وصول حكومة موالية لايران تعمل من اجل انشاء هلال اقليمي تحت نفوذ شيعي يضم العراق وايران وسوريا ولبنان. ورأى ان التوازن التقليدي بين الشيعة والسنة سيتأثر بذلك، الامر الذي سيترجم بمشاكل جديدة لا تقتصر على حدود العراق.
ومن جهته، وجه الرئيس العراقي غازي الياور تحذيرات مشابهة.
وقال الياور ان "الوضع يدل، من دون اي شك، على ان ايران تتدخل بشكل واضح في شؤوننا"، مؤكدا ان طهران "تصرف الكثير من الاموال مع اقتراب الانتخابات العراقية" وانها تقوم بنشاطات استخباراتية كثيرة لا سيما في جنوب شرق العراق.
ومن جانبها، حذرت الولايات المتحدة مرارا من محاولات ايران التدخل في الانتخابات العراقية.
والاسبوع الماضي اكد ريتشارد ارميتاج مساعد وزير الخارجية الاميركي انه لمس خلال زياراته العراق "محاولات الايرانيين التأثير في العراق وخصوصا في الجنوب ومحاولة شراء بعض رجال الدين. انما هناك رجال دين كثيرون، وبالتأكيد اكثر العراقيين من شيعة وسنة لا يريدون دولة مشابهة لايران".
ولم يستبعد دخول ايرانيين العراق بوثائق مزورة، وامل في السماح للعراقيين المقيمين في ايران، وغيرهم من العراقيين في 14 دولة بما فيها الولايات المتحدة بالتصويت في شكل نزيه.
وقالت تقارير ان اعدادا هائلة من الايرانيين الذين دخلوا العراق خلال الاعياد الشيعية لم يغادروه، وان هؤلاء يتم منحهم وثائق مزورة من قبل الاستخبارات الايرانية تظهرهم على انهم لاجئون عراقيون عادوا من ايران.
ونجحت الامم المتحدة في اعادة وجبات عدة من اللاجئين العراقيين من ايران لا يتجاوز عددهم الالاف لكن المفوضية العليا للاجئين اوقفت مثل هذه الرحلات بسبب تدهور الوضع الامني في المدن العراقية.
وذكرت صحيفة الزمان العراقية الجمعة نقلا عن مصادر عراقية وثيقة الاطلاع ان طهران ومنذ نهاية حرب العراق وحتى الآن لا زالت تدفع 200 دولار لكل لاجئ تشجيعاً له للعودة الي بلاده مقابل ان يحمل معه صور المرشد علي خامنئي ليرفعها خلال المظاهرات والتجمعات مع تزويده بأسماء يتصل بها حال وصوله الى المدن العراقية لتأمين اقامته والانفاق عليه.
واكدت ان مراجع ووجهاء في النجف رفضوا الكشف عن اسمائهم، شكوا من دور اجهزة الاستخبارات الايرانية ومجنديها من العراقيين الذين عادوا الي المدينة.
واضافت هذه المصادر "انهم ينفقون مبالغ طائلة من اجل شراء المؤيدين" خلال الانتخابات المقبلة. واوضحت ان نشاطات الاستخبارات الايرانية في النجف يجري التستر عليها عن طريق النشاط الخيري واقامة الولائم اليومية في مساجد وحسينيات.
وقالت مصادر الصحيفة ان "الوضع الاقتصادي المتردي لاغلبية السكان يساعد الاجهزة الايرانية علي استغلال هذه النقطة ويسهل من مهمتها".
وتشرف احزاب دينية عراقية علي اسكان اللاجئين العائدين من ايران في دوائر ومؤسسات للدولة جرت مصادرتها بعد الحرب بشكل غير شرعي.
ولا يتوقف النشاط الاستخباري الايراني على العمل السياسي، وانما يتجاوزه لتنفيذ اغتيالات تستهدف شخصيات حكومة وحزبية.
وقالت صحيفة الدستور الاردنية الاحد، ان مقربين من ثائر النقيب، المستشار في رئاسة الوزراء العراقية اكدوا ان بغداد تعتزم اتهام دوائر ايرانية بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات السياسية ضد شخصيات عراقية في الحكومة الراهنة وفي بعض الاحزاب.
واضافوا انه "اتضح كذلك ان اكثر من 90 في المئة من عمليات الاغتيال التي طالت علماء واساتذة جامعيين ومسؤولين أمنيين سابقين وراءها المخابرات الايرانية والمنفذين من حزب الله في العراق الذي يتزعمه حسن ساري الملقب بأبي مجتبى".
واكدت الصحيفة ان "حرب الأغتيالات كما يصفها البعض، بدأت بالفعل تلقي بظلالها على الوضع الأمني وحتى الانتخابي العراقي بين القوى الشيعية العراقية القريبة من ايران او تلك التي كانت مقيمة في ايران وبين مختلف الاجهزة الأمنية داخل العراق".
وقالت ان تقارير أمنية عراقية كشفت ان جميع مقار الاحزاب الشيعية العراقية تحت المراقبة الأمنية المشددة من قبل الاستخبارات العراقية الاميركية المشتركة، وان العشرات من قيادات بعض الاحزاب، وبخاصة تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر تم اعتقالهم بسبب ارتباطات مع ايران.
وكانت الحكومة العراقية اكتشفت عقب معارك النجف التي دارت مع التيار الصدري كميات من الاسلحة الايرانية الصنع.
واعلن وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان في حينه عن الكشف عن هذه الاسلحة.
ولا يتوقف نشاط الاستخبارات الايرانية على المدن الجنوبية في العراق، بل يتعداها الى مناطق اخرى، وفقا لما كشفه مسؤول ملف العراق السابق في الاستخبارات الايرانية خلال حديث لصحيفة الشرق الاوسط في نيسان/ابريل الماضي.
وقال المسؤول الذي يعرف في العراق باسم "الحاج سعيدي" للصحيفة ان الحضور الامني الايراني في العراق لا يقتصر على المدن الشيعية وحدها يمتد من زاخو شمالا إلى أم الخصيب جنوبا.
واضاف إن توغل عناصر استخبارات الحرس الثوري وفيلق القدس في الأراضي العراقية لم يحصل خلال الحرب وبعدها فقط بل إن المئات من عملاء الاستخبارات بينهم العديد من اللاجئين العراقيين عادوا إلى داخل العراق عبر المناطق الكردية الخارجة عن سلطة الحكومة المركزية قبل الحرب.
وتابع انه بعد الحرب استفادت الاستخبارات الإيرانية من خلو المناطق الحدودية من أي رقابة لإيفاد مجموعة من خيرة عناصرها إلى العراق بعضهم متنكرون بزي الطلبة ورجال الدين والبعض الآخر ضمن الميليشيات التابعة للتنظيمات الشيعية.
وأشار "الحاج سعيدي" الذي هرب من إيران مؤخرا إلى أن تصفية آية الله محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في الصيف الماضي كانت «من أهم إنجازات عناصر استخبارات فيلق القدس الذين تمكنوا من تنفيذ مهمتهم والخروج من العراق بدون أي صعوبة» على حد قوله.
وحول أماكن وجود عناصر الاستخبارات الإيرانية في العراق، قال الحاج سعيدي إن هناك بعض المكاتب معروفة للجميع في السليمانية ودربنديخان في الشمال، وهذه لا تسمح للسلطات الكردية لعناصرها بمزاولة أنشطة متعارضة مع أمن العراق ومصالحه الوطنية.
واضاف ان الخطر يأتي من المكاتب التي لها واجهات غير واجهة الأمن والاستخبارات، ومنها 18 مكتبا لمؤسسات "خيرية" في الكاظمية ومدينة الصدر (الثورة سابقا) في بغداد وكربلاء والنجف والكوفة والناصرية والبصرة وغيرها من المدن التي يشكل الشيعة الأغلبية فيها.
وقال انه تحت غطاء مساعدة الفقراء والمستضعفين بالمال والدواء وحاجات الحياة اليومية من الغذاء إلى اللباس، يجري في هذه المكاتب يوميا تجنيد عملاء جدد.
وأكد الحاج سعيدي أن مخطط الاستخبارات الإيرانية لتحويل العراق إلى إيران ثانية واسع، ويجري التركيز حاليا على تجنيد الآلاف من الشبان الشيعة، للمرحلة التي ستجرى خلالها الانتخابات.
ويتعين على المجندين أن يقوموا بتعبئة أقاربهم ومعارفهم بالتصويت للمرشحين الذين تختارهم الاستخبارات الإيرانية.
وأشار الحاج سعيدي إلى أن شبكات الإذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء الإيرانية وبعض الصحف القريبة من أجهزة الأمن تعد من ضمن الواجهات الأخرى التي يدخل تحت غطائها عناصر فيلق القدس واستخبارات الحرس الثوري إلى العراق.
وبخصوص ما يقال عن تخصيص مليار دولار من قبل القيادة الإيرانية لمنع قيام دولة ديمقراطية حديثة علمانية في العراق، قال المصدر إن مخصصات المكاتب الأمنية العلنية والسرية في العراق تزيد على سبعين مليون دولار في الشهر، وهناك خمسة ملايين دولار يتم توزيعها في بعض الحوزات الدينية في إطار الرواتب الشهرية للطلبة والمساعدات المقدمة إلى بعض رجال الدين المتعاونين.
إلى ذلك فإن ما يزيد على 2700 وحدة سكنية من البيوت والشقق والغرف في كربلاء والنجف جرى تأجيرها من قبل متعاونين محليين لإسكان عملاء الاستخبارات وفيلق القدس في 14 مدينة عراقية.