أعلن حزب الله اللبناني يوم الاثنين وثيقته السياسية الجديدة التي خفف فيها من خطابه الإسلامي لكنه أصر على انتهاج خط صارم ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
ولم تأت الوثيقة الجديدة على ذكر الجمهورية الإسلامية في لبنان مما يؤكد أن هناك تغييرا كبيرا في تفكير حزب الله بشأن الحاجة إلى احترام التعددية والتنوع في لبنان.
وقرأ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في مؤتمر صحفي "الوثيقة السياسية" الجديدة التي جاءت في 32 صفحة واعتبر أن الوثيقة أمر طبيعي "الناس تتطور والعالم كله تغير خلال 24 عاما. لبنان تغير. العالم تغير."
وقال "تمثل إسرائيل تهديدا دائما للبنان - الدولة والكيان - وخطرا داهما عليه لجهة أطماعها التاريخية في أرضه ومياهه وبما هو أنموذج لتعايش أتباع الرسالات السماوية في صيغة فريدة ووطن نقيض لفكرة الدولة العنصرية التي تتمظهر في الكيان الصهيوني."
وقال إن "الغطرسة" الأميركية تمنع حزب الله من نسج علاقات صداقة مع الولايات المتحدة حليفة إسرائيل الرئيسية.
وأضاف "الخطر الأميركي ليس خطرا محليا أو مختصا بمنطقة دون أخرى وبالتالي فان جبهة المواجهة لهذا الخطر الأميركي يجب أن تكون عالمية أيضا."
ومضى يقول"لم يترك الاستكبار الأميركي لامتنا وشعوبها من خيار إلا خيار المقاومة من أجل حياة أفضل" مشيرا إلى أن حزب الله يحتاج إلى الإبقاء على سلاحه على الرغم من معارضة قوى سياسية اخرى في لبنان مدعومة من الغرب.
وقال نصر الله "إن هذا الدور (المقاومة) وهذه الوظيفة ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الإسرائيلي ودوام أطماع العدو في أرضنا ومياهنا ودوام غياب الدولة القوية القادرة."
وأوضح نصر الله أن الوثيقة السياسية الجديدة للحزب ضرورية للتعامل مع الأحداث التي استجدت منذ البيان الأخير الذي صدر في عام 1985 عندما كان حزب الله أقرب إلى جماعة مقاومة مسلحة تقاتل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وشكلت العمليات العسكرية التي نفذها حزب الله المدعوم من سوريا وإيران عاملا أساسيا في انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000 بعد احتلال دام 22 عاما.
كما خاض حزب الله في العام 2006 حربا مع إسرائيل أدت إلى مقتل 1200 لبناني معظمهم من المدنيين لكنها لم تؤد الى هزيمة حزب الله على الأرض.
وانتخب أعضاء من حزب الله في البرلمان في التسعينات وفقا لنظام التقاسم الطائفي ودخل الحزب الحكومة في العام 2005 حيث اضطلع بدور اكبر في الحياة السياسية اللبنانية.
ويحظر قرار للأمم المتحدة صدر في عام 2006 حصول حزب الله على الأسلحة لكن نصر الله قال ان حزب الله سيستمر في تقوية نفسه عسكريا.
وقال نصر الله "إن نجاح تجربة المقاومة في التصدي للعدو وفشل كل المخططات والحروب للقضاء عليها أو محاصرة خيارها ونزع سلاحها من جهة واستمرار الخطر الإسرائيلي على لبنان وعدم زوال التهديد عنه من جهة اخرى يفرض على المقاومة السعي الدؤوب لامتلاك أسباب القوة وتعزيز قدراتها وإمكاناتها بما يساعد على تأدية واجبها والقيام بمسؤولياتها الوطنية"
وتقول إسرائيل إن إيران وسوريا تسلحان حزب الله بما يتعارض مع القانون الدولي. وتؤكد الوثيقة على ضرورة الحفاظ على علاقات وثيقة مع الدولتين.
وأكد نصر الله أن حزب الله أصبح يشكل نموذجا عالميا حول كيفية محاربة الاحتلال ووصف المقاومة بأنها قيمة عالمية.
واعتبر نصر الله أن "التهديد الإسرائيلي الدائم يفرض على لبنان تكريس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية تساهم في الدفاع عن الوطن في وجه أي غزو إسرائيلي وجيش وطني يحمي الوطن ويثبت أمنه واستقراره في عملية تكامل أثبتت المرحلة الماضية نجاحها في إدارة الصراع مع العدو وحققت انتصارات للبنان ووفرت سبل الحماية له."
وأكد نصر الله أن لا تهاون مع إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما الذي كان قد أبدى استعداده للعمل مع المسلمين.
وقال "إن دعم الإدارة الأميركية اللامحدود لإسرائيل ودفعها للعدوان وتغطية احتلالاتها للأراضي العربية بالإضافة إلى هيمنة الإدارة الأميركية على المؤسسات الدولية وازدواجية المعايير في إصدار وتنفيذ القرارات الدولية ... يضع الإدارة الأميركية في موقع المعادي لامتنا وشعوبنا."
ودعا نصر الله الاتحاد الأوروبي إلى أن ينأى بنفسه عن الولايات المتحدة واتخاذ ما وصفه بأنه موقف أكثر عدلا تجاه القضية الفلسطينية مشيرا إلى تاريخ الاستعمار الأوروبي في الشرق الأوسط.
ورأت صحف لبنانية الثلاثاء أن الوثيقة السياسية للحزب تشكل تطورا ايجابيا لانخراطه في الكيان اللبناني رغم استمراره في عدد من الثوابت أبرزها التمسك بسلاحه وانتمائه "العقائدي" إلى ولاية الفقيه في إيران.
وكتبت صحيفة "النهار" المقربة من قوى 14 آذار المدعومة من الغرب ودول عربية بارزة إن "الوثيقة الجديدة تعكس انخراط الحزب الكامل في الحياة السياسية الداخلية عبر خطاب ملبنن تماما أسوة بسائر الأحزاب".
وأضافت إن "الحزب زاوج بين هذا التغيير والتمسك بمجموعة من المفاهيم لم يطرأ عليها إي تغيير خصوصا في مسألة المقاومة أو الموقف من الولايات المتحدة والعلاقات مع سوريا وإيران ومن مفاوضات السلام".
وركزت صحف على مقارنة الوثيقة الجديدة بالوثيقة الأولى التي نشرت في 1985 وفيها إعلان عدم الانتماء إلى الدولة والدعوة إلى قيام حكم إسلامي وتأكيد العداء لإطراف لبنانية وللقوات الدولية التي كانت تنتشر في البلاد.
وكتبت صحيفة "السفير" المقربة من قوى 8 آذار التي يعتبر حزب الله ابرز أطرافها وتدعمها دمشق وطهران "للمرة الأولى منذ الوثيقة الأولى التي أذيعت في 1985 بعناوين معظمها مناف للبيئة السياسية اللبنانية" أتت الوثيقة الجديدة التي يعلن حزب الله فيها "انخراطه الكامل في الشأن السياسي الداخلي".
ورأت "السفير" أن "لغة الوثيقة السياسية الجديدة واقعية متواضعة إلى حد كبير ومختلفة عن لغة الثمانينات التي كانت نظرية عقائدية فوقية".
وأشارت إلى أن موقف الحزب "لم يتغير جوهريا من الأميركيين أو الإسرائيليين" إنما تغير على مستوى الداخل عندما أكد عدم وجود أعداء لحزب الله في لبنان، بينما كان يعتبر حزب الكتائب المسيحي "عدوا" في الوثيقة السابقة.
وأضافت أن الصحيفة "لا تلعن النظام اللبناني ولا تكفره ولا تخلص إلى وجوب بناء النموذج الإسلامي كما هي الحال في الوثيقة السابقة "بل تقر بان لبنان "وطن الأجداد والأبناء" مشددة على وحدته وعلى رفض تقسيمه.
وأشارت صحيفة "الأخبار" المقربة من قوى 8 آذار إلى تطور كبير في تفكير ورؤى حزب الله. وكتبت "ليس تفصيلا بالنسبة إلى هذه البنية الثورية المطلقة الخارجة من رحم أممية إسلامية غير معلنة أن تتحدث عن وطن هو لبنان".
وكتب المحلل السياسي رفيق خوري في صحيفة "الأنوار" المستقلة أن "الموقف الداخلي لحزب الله على أهميته يبدو تحولا في الشكل وثباتا في الجوهر".
