جمال عبد الناصر فقها، رصاصهم يلاحقنا

تاريخ النشر: 10 مارس 2009 - 09:48 GMT

تقرير عاطف أبو الرب:

رصاصهم يلاحقنا في كل مكان، كلابهم البوليسية، ومسعوري المستوطنين تطارد الفلسطيني حيث كان، وكذلك هي مخلفات جيشهم التي تخطف أبناءنا على حين غرة.

في الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين كل السلاح مباح. فلم تترك إسرائيل سلاحاً إلا وجربته، وتأكدت من فعاليته. فقتلت برصاصها آلاف الفلسطينيين. ولم يقف الأمر عند الرص، فقنابل الفسفور، وتلك العنقودية استخدمت بحق الفلسطينيين في حروب لم تنتهي بعد

أما الكلاب فهي نوعان، نوعي حيواني وآخر بشري، فأما الكلاب البوليسية، فهل تلك التي تؤتمر بأوامر البشر، لتمارس وحشيتها بحق الفلسطيني. فكثيرة هي الحالات التي هاجم بها كلب بوليسي فلسطيني، ونال منه لا لذنب إلا كونه فلسطيني. وآخر ضحايا الكلاب ذلك المقعد ابن المئة عام من بلدة طمون، والذي نهش الكلب منه وقضم بشكل جزئي إحدى أذنيه.

والكلاب المسعورة من المستوطنين، فهي أخطر وأشرس من سابقتها. فما يكاد يمر يوم إلا ويهاجمون فلسطيني هنا، وقرية هناك، فيما أخذت هذه المجموعات تستولي على مساحات كبيرة من أراضي المواطنين، لتتحول مع مرور الوقت حظائر لتأوي هذه العصابات. وعليه فإن على الفلسطيني أن يراعي في حله وترحاله الخطر الذي يمثله هؤلاء المستوطنون.

ولن نقف كثير عند بقية أنواع السلاح، ولكننا ننتقل معاً لواحدة من الظواهر الخطيرة، التي لا تميز بين صغير وكبير، بين رجل أو امرأة، بين إنسان وحيوان، تلك الظاهرة المتمثلة بمخلفات جيش الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.

منذ سنوات الاحتلال الأولى للضفة الغربية أغلقت قوات الاحتلال مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية، وحولتها لساحات تدريب لجيشه، ومخازن لذخائره لتبقى بعيداً عن المناطق السكنية والزراعية لليهود أنفيهم. ونظراً لطبيعة الأغوار وسلسلة الجبال الشرقية وندرة السكان فيها، فقد حولها الاحتلال لمخازن بارود ومتفجرات، ضارباً بعرض الحائط ما تشكله من خطورة على حياة السكان.

على مدار سنوات الاحتلال الممتدة منذ ستة عقود، وخاصة احتلال الضفة الغربية، فقد سقط المئات من الفلسطينيين ضحايا هذه السياسة. هذا ورغم سقوطك الضحايا، لم تفكر إسرائيل بالكف عن هذه الممارسات، بل وعملت على ترسيخها، بسن قوانين تحرم دخول الفلسطيني لأرضه، وتضعه تحت طائلة المسؤولية، لتعفي نفسها منت مجرد تحمل المسؤولية عن حياة وأرواح العباد.

آخر هذه الضحايا فتى في مقتبل العمر، فكر مطولاً، وتوسل لوالدته كثيراً أن تسمح له بالخروج في شطحة على أحد الجبال القريبة من طوباس في بداية موسم الربيع. جمال عبد الناصر فقها، استغل عطلة المدرسة في أحد أيام الخميس ليخرج برفقة زميلين له في جال طوباس الشرقية. حيث قطع ثلاثتهم مسافة طويلة، يضحكون ويمرحون، ومعهم حمار يتبادلون ركوبه ليزيد من فرحهم. علت أصوت الثلاثة غير مكترثين بما يدور حولهم، وصاروا كما لو أنهم في عالم معزول. التقط كل منهم الصور ومقاطع الفيديو لزميليه وهم في لحظات الفرح، وكأن أحدهم ويدع الآخر.

في الطريق للمكان الذي كان الأطفال ينوون الوصول إليه، عثروا على مواد لم يسبق لهم رؤيتها، لكنهم اعتقدوا أنها تعود للجيش الإسرائيلي. بإرادة واحدة قرر الأطفال الابتعاد عن هذه المخلفات، خاصة وأنهم على مرأى جنود الاحتلال في أحد معسكراته. وقد أثارتهم تلك المواد، فراحوا يتبادلون الحديث في ماهيتها.

واصلوا السير عبر الجبال، تارة يبتعدون، وتارة يقتربون، تارة يركضون، وتارة يمشون بحذر. تارة يركبون الحمار، وتارة أخرى يجتمعون لمتأمل ما يصادفون في طريقهم. مضى الوقت سريعاً، دون أن يدري الأطفال أن النهار انتصف، وأن عليهم الإسراع بالعودة لبيوتهم. هكذا هي حياة الأطفال، يسرقون الفرح يعيشونه رغم كل المنغصات.

على بعد مئات الأمتار من محطتهم الأخيرة قبل العودة لبيوتهم، لاحظ أحدهم جسماً غريباً توقف عنده متأملاً. أنبوبة اسطوانية الشكل، لفتت نظر محمد، ابن عم جمال، فنادى زميليه ليشاركوه النظر لهذا الجسم الغريب. أجمع ثلاثتهم أن الأمر مريب، وأنهم أمام نوع من القذائف.

هناك دار الحديث بين الأطفال الثلاثة حول حقيقة ما يشاهدون، وهل هي حقيقة متفجرات، وإن كانت كذلك هل قابلة للانفجار أم أنها قد انفجرت من ذي قبل؟ لم يطول النقاش كثيراً، حيث نفض ثلاثتهم، ويبدو أن أمراً قد حدث، أدى لانفجار كبير. تطايرت الحجارة، وانتشرت الشظايا في كل مكان، الأمر الذي أدى لاستشهاد الفتى جمال عبد الناصر فقها، وإصابة كل من زميليه محمد ومنير.

شيع الجمع الشهيد لمثواه الأخير، فيما لم تتحرك أي جهة، لإنهاء معاناة الناس في تلك المنطقة. أضيف شهيد جديد لقائمة ضحاياي مخلفات الاحتلال، فيما لم يسمع أي صوت يطالب بإزالة المخلفات من أراضي المواطنين. وعلى ما يبدو فإن قائمة ضحايا مخلفات جيش الاحتلال لم تنتهي بعد. والسؤال المطروح ما هو عدد الضحايا من بين الفلسطينيين بهذه المخلفات حتى يتحرك الناس لإزالة مخلفات الجيش من أراضيهم وحقولهم على طريق إزالة الاحتلال؟