خلص تحقيق للأمم المتحدة الى أن مسؤولين سوريين كبارا وحلفائهم اللبنانيين تورطوا في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري والقى شكوكا حتى على الرئيس اميل لحود. كما المح التقرير الى احتمال تورط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة بزعامة احمد جبريل في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني.
وخلص التحقيق في مقتل الحريري الذي قاده المدعي الالماني ديتليف ميليس الى "ان خيوطا كثيرة تشير اشارة مباشرة الى تورط مسؤولي امن سوريين في الاغتيال" وذلك وفق ما جاء في التقرير الذي قدم الى مجلس الامن الدولي يوم الخميس.
وقال التقرير انه لهذا يتعين على سوريا الان "ايضاح جانب كبير من الاسئلة التي لم تحل" التي واجهت المحققين.
وقدم المحققون أدلة على ان اللواء اصف شوكت صهر الرئيس بشار الاسد ربما لعب دورا بارزا في المؤامرة اذ انه اجبر المتشدد المعروف احمد ابو عدس على تسجيل شريط فيديو يزعم المسؤولية عن الاغتيال قبل اسبوعين من حدوثه.
وقال التقرير "يوجد سبب محتمل يدعو للاعتقاد بان قرار اغتيال (الحريري) ما كان يمكن ان يتخذ دون موافقة مسؤولي أمن سوريين كبار وما كان يمكن ان يجري تدبيره دون تواطؤ نظرائهم اللبنانيين في اجهزة الامن اللبنانية".
ويرى التقرير ان ثمة "ادلة متطابقة تثبت في آن معاً التورط اللبناني والسوري في هذا العمل الارهابي".
ويروي التقرير وقائع التخطيط والتنفيذ بكل التفاصيل الدقيقة التي شارك فيها ضباط في الاستخبارات السورية واللبنانية.
ويرى ان "الدافع الى الاغتيال كان سياسياً على الارجح ولكن بما ان الجريمة لم تكن من عمل افراد انما من عمل مجموعة توافرت لها وسائل متطورة فمن الممكن جداً ان يكون التزوير والفساد وتبييض الاموال شكلت ايضاً اسباباً لبعض الاشخاص للمشاركة في العملية".
ويضيف التقرير "انه لامر معروف ان الاستخبارات العسكرية السورية كان لها وجود احتلالي في لبنان حتى انسحاب القوات السورية بموجب القرار 1559، وهو الوجود الذي عين كبار المسؤولين الامنيين السابقين في لبنان". واكد "نظراً الى تسلل اجهزة الاستخبارات السورية واللبنانية التي عملت بالتنسيق فيما بينها، الى المؤسسات والمجتمع اللبناني، سيكون من الصعب تخيل تنفيذ سيناريو او مؤامرة لعملية اغتيال شديدة التعقيد من دون علمهما".
واكد ميليس ايضاً "ان مسؤولين سوريين بمن فيهم وزير الخارجية فاروق الشرع، قد حاولوا تضليل التحقيقات".
وقال "في حين ان السلطات السورية، بعد تردد مبدأي، تعاونت الى حدما... حاول عدد من الاشخاص الذين تم استجوابهم ان يضللوا تحقيقاتنا".
واوضح ان "الرسالة التي وجهها الى اللجنة وزير الخارجية في الجمهورية العربية السورية تبين انها تتضمن معلومات مغلوطة".
يبدأ التقرير الذي يقع في 53 صفحة بتأكيد حصوله على دعم الحكومة اللبنانية والافادة من خبرات الخبراء الدوليين. وركزت الخطوط العريضة لعمل اللجنة على مسرح الجريمة والجوانب التقنية من الجريمة وتحليل الاتصالات الهاتفية وشهادات اكثر من 500 شخص ومصدر اضافة الى الظروف التي حصلت فيها الجريمة. وسلم ملف التحقيق الى السلطات اللبنانية خلال شهر تشرين الاول/اكتوبر الجاري.
ويعرض التقرير الخطوط الرئيسية للتحقيق الذي قامت به اللجنة وملاحظاتها واستنتاجاتها التي تضعها امام مجلس الامن. ويشير الى انه من الضروري القيام بتحقيقات اضافية.
ويقول التقرير ان "اللجنة ترى ان عملية الاغتيال التي جرت في 14 شباط قامت بها مجموعة ذات تنظيم واسع موارد وامكانات كبيرة وان الجريمة جرى التحضير لها خلال اشهر عدة ولهذا السبب تم تحديد تحركات الرئيس رفيق الحريري ومواعيدها بدقة كما تمت مراقبة خطوط سيره وجرى تسجيلها بالتفصيل. وبناء على ما كشفته اللجنة والتحقيقات التي اجرتها السلطات اللبنانية حتى الآن واستنادا الى المواد والوثائق والاثباتات التي جمعت هناك أدلة متطابقة تشير الى تورط لبنانيين وسوريين في هذا العمل الارهابي. وقد بات معروفا ان الاستخبارات العسكرية السورية كان لها وجود مسيطر في لبنان وعلى الاقل حتى تاريخ انسحاب القوات السورية منه تنفيذا للقرار 1559، وان المسؤولين الامنيين اللبنانيين الكبار قد عينهم السوريون، وان تغلغل السوريين في المؤسسات اللبنانية كذلك في المجتمع اللبناني وكذلك اجهزة الاستخبارات اللبنانية العاملة في اشرافها تجعل من الصعب تصور سيناريو لتنفيذ مؤامرة اغتيال معقدة مثل هذه العملية قد تكون قد تمت من دون علمهم.
ان استخلاص اللجنة يقول بضرورة متابعة التحقيقات بواسطة الجهاز القضائي اللبناني المختص كذلك بواسطة السلطات الامنية اللبنانية والتي أثبتت خلال فترة التحقيقات انها بدعم ومساعدة دوليين تستطيع ان تتقدم وتقوم بعملية فعالة ومهنية، وفي الوقت عينه على السلطات اللبنانية ان تعمل على متفرعات الجريمة بما فيها العمليات المصرفية. ان انفجار 14 شباط يجب ان يجري تقويمه بطريقة واضحة مع سلسلة التفجيرات التي سبقته وتبعته نظرا الى انه قد تكون هناك صلة بين بعضها ان لم يكن بينها كلها.
لذلك ترى اللجنة ان جهودا مستدامة من جانب المجتمع الدولي يجب ان تبذل في المساعدة والتعاون مع السلطات اللبنانية في المجال الامني والعدلي وهذا أمر ضروري وهذا يمنح الشعب اللبناني المزيد من الثقة بنظامه الامني بينما هو يعزز ثقته بقدراته.
أما في ما يتعلق بقضية ابو عدس فيقول التقرير ان ابو عدس كان في سوريا واجبر في احدى النقاط العسكرية على تسجيل الشريط وقُتل بعد ذلك، وان الشريط ارسل الى بيروت صباح 14 شباط وسُلم الى جميل السيد وقد طلب من شخص مدني صاحب سوابق اجرامية ان يرافق ضابطاً في الأمن العام من اجل وضع الشريط في شارع الحمراء ثم الاتصال بمدير مكتب "الجزيرة" غسان بن جدو لتسلمه. ويقول احد الشهود وهو سوري الاصل يقيم في لبنان ويزعم انه يعمل مع جهاز الاستخبارات السورية ان جميل السيد تعاون هو ومصطفى حمدان وريمون عازار في التحضير لاغتيال الحريري. كما نسق السيد مع رستم غزالي وآخرين وبينهم احمد جبريل وان حمدان وعازار أمّنا الدعم اللوجستي والمال والهواتف والسيارات وأجهزة الاتصال والاجهزة اللاسلكية والاسلحة وبطاقات الهوية المزورة، وبين الذين كانوا على علم مسبق بالجريمة بين آخرين كثيرين النائب السابق ناصر قنديل واللواء علي الحاج.
ويقول الشاهد انه قبل ربع ساعة من عملية الاغتيال كان في محيط السان جورج وتلقى اتصالاً هاتفياً من احد الضباط السوريين الكبار الذي سأله عن مكانه ولما أجابه نصحه بان يغادر المنطقة فوراً. وقال الشاهد ان مسؤولاً امنياً لبنانياً كبيراً زار دمشق مرات عدة للبحث في خطة الجريمة وانه اجتمع ذات مرة في فندق ميريديان دمشق ومرات عدة في القصر الجمهوري حيث مكتب احد ضباط الامن الكبار وان الاجتماع الاخير حصل في منزل هذا المسؤول الامني الكبير، وهذا حصل سبعة أو عشرة أيام قبل الجريمة. وقال الشاهد انه كان على اتصال وثيق مع ضباط سوريين رفيعي المستوى في لبنان.
ويشير التقرير الى ان الشاهد اكد ان عملية تحضير سيارة الميتسوبيشي الملغومة تمت في منطقة الزبداني في سوريا.
وجاء في الفقرة 31 من التقرير تحت عنوان التعاون السوري مع اللجنة، ان المعلومات التي عرضت في التقرير الى جانب الادلة التي جمعتها اللجنة كما جاء في تفاصيلها تحت عنوان التخطيط للاغتيال تشير الى احتمال تورط مسؤولين سوريين في اغتيال الحريري وتضيف الفقرة: عندما حاولت اللجنة ان تحصل على التعاون من سوريا بحثاً عن استكمال التحقيق لاقت اللجنة تعاونا من السوريين وانما ليس تعاونا جوهريا.
ويقول التقرير ان هناك سببا للاعتقاد بأن قرار اغتيال الرئيس الحريري لا يمكن ان يكون قد اتخذ من دون مصادقة او موافقة المسؤولين السوريين الامنيين على اعلى المستويات، ولا يمكن ان يكون اتخذ من دون تنظيم وتعاون مع المسؤولين الامنيين اللبنانيين. وهناك استنتاج آخر اشار الى ان هواتف الحريري كانت دائما مراقبة، وكانت هناك شبكة للتنصت على الحريري. ويضيف الاستنتاج ان الاجهزة الامنية والاستخبارية اللبنانية كانت على علم دائم باتصالات الحريري وتحركاته.
وفي ما يتعلق بالحفريات التي كانت جارية مقابل فندق السان جورج ما زالت اللجنة غير قادرة من التعرف على كامل الحقيقة من شهادات الذين اعطوها الى اللجنة. وان الحفريات التي حصلت قبيل الجريمة لم تتم على اساس الحصول على اذن رسمي من المدينة.
وورد في التقرير ان المسؤول في جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية (الاحباش) المشبوه أحمد عبد العال كان عنصرا مهما في جريمة الاغتيال اذ اتصل من هاتفه النقال بالشخصيات التي تم التحقيق معها بصفتها مشبوهة، ومنها العميد حمدان والضابط السوري جامع الجامع. وسجل اتصال قبل ثلاث دقائق من الانفجار بهاتف رئيس الجمهورية اميل لحود. كما اتصل بعد دقيقتين بالعميد عازار. وطوال يوم 14 شباط/فبراير كان عبد العال على اتصال بضباط أمنيين في بيروت بينهم العميد عازار.
وقد سلم التقرير الى الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان صباح الخميس وعرضه عنان على مجلس الامن والحكومة اللبنانية مساء اليوم نفسه.
ولم يكن لدى الحكومتين اللبنانية والسورية تعقيب فوري على التقرير لكن الرئيس السوري بشار الاسد اكد الاسبوع الماضي ان بلاده "بريئة مئة في المئة".
وكان اغتيال الحريري أثار سخطا دوليا عارما وادت احتجاجات لبنانية في نهاية الامر الى الى انسحاب سوريا من البلاد.
وقال دبلوماسيون ان الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تناقش قرارات محتملة في الامم المتحدة متابعة للتقرير لكنه لم يتم بعد صياغة اي مشروعات قرارات.
وقال السفير الاميركي جون بولتون ان واشنطن تدرس التقرير وسوف تقرر خلال بضعةايام ماذا ستفعل. وقال "من الواضح اننا درسنا مختلف خطط الطواريء."
وأشار التقرير الى احمد عبد العال عضو جماعة الاحباش الاسلامية المتشددة في لبنان والتي لها روابط تاريخية قوية بالسلطات السورية بوصفة شخصية هامة في مؤامرة الاغتيال اذ انه استخدم هاتفه المحمول مع "كل الشخصيات المهمة في هذا التحقيق."
واضاف التقرير قوله انه جرت اتصالات عديدة بين عبد العال وامن الدولة اللبناني يوم الانفجار بما في ذلك العميد فيصل رشيد رئيس امن الدولة في بيروت واخرين.
وقال التقرير ان محمود اخا عبد العال "اجرى مكالمة قبل الانفجار بدقائق الساعة 1247 الى الهاتف المحمول للرئيس اللبناني اميل لحود." .
ويقول التقرير ان رستم غزالي رئيس المخابرات السورية في لبنان في ذلك الوقت لعب فيما يبدو دورا هاما في المؤامرة.
وقدم التقرير بالمثل أدلة بشأن الضباط اللبنانيين الاربعة الكبار الموالين لسوريا الذين اعتقلوا ووجهت اليهم تهم في وقت سابق فيما يتصل بمقتل الحريري بناء على توصية من ميليس.
واشار التقرير الى ان احد الشهود قال للمحققين انه التقى مع أحد الاربعة وهو اللواء مصطفى حمدان قائد الحرس الجمهوري في اكتوبر تشرين الاول عام 2004 .
وتحدث حمدان عن الحريري فذكره بسوء شديد واتهمه بانه موال لاسرائيل. وقال الشاهد ان حمدان انتهى به الامر ان ختم المحادثة بقوله "سوف نرسله في رحلة. وداعا وداعا حريري."
واضاف التقرير ان شاحنة ميتسوبيشي التي ربما استخدمت في التفجير قادها عبر الحدود السورية اللبنانية عقيد سوري قبل التفجير بثلاثة أسابيع.
وقال أحد الشهود ان السائق الذي فجر نفسه لقتل الحريري كان عراقيا تم اقناعه بانه الهدف هو رئيس الوزراء العراقي اياد علاوي لانه تصادف ان علاوي كان في ذلك الوقت في بيروت قبل الاغتيال.
ومضى التقرير يقول ان السلطات السورية بعد ترددها في البداية في تقديم المساعدة تعاونت "الى درجة محدودة."
واستدرك التقرير بقوله ان عدة افراد حاولوا تضليل المحققين "بالادلاء بتصريحات كاذبة او غير دقيقة."
وقال التقرير انه حتى الرسالة الموجهة الى لجنة التحقيق من وزير الخارجية السوري فاروق الشرع "ثبت انها تحوي معلومات كاذبة."
وقال التقرير ان نائبه وليد المعلم كذب ايضا في تصريح للمحققين بشأن ما قيل اثناء اجتماع مع الحريري في اول شباط/فبراير.
وقالت لجنة ميليس ان النتائج التي توصلت اليها حتى الان تشير الى ان تفجير الشاحنة الذي قتل الحريري و20 اخرين في شوارع بيروت في 14 من شباط/ فبراير نفذته جماعة "ذات تنظيم واسع وموراد وقدرات كبيرة."
واضافت اللجنة قولها "الجريمة تم الاعداد لها على مدار بضعة اشهر." وقالت ان تحركات موكب الحريري وتوقيته كان يجري مراقبتها وتسجيلها بدقة وبالتفصيل خلال الفترة السابقة على التفجير.
وخلص التقرير الى ان التحقيق يجب ان يستمر "لبعض الوقت" لتحديد ما حدث وانه يجب ان تنفذه السلطات لامنية والقضائية اللبنانية المختصة بمساعدة دولية.
وفي اول ردود الفعل على التقرير قال عضوان معاديان لسوريا في البرلمان اللبناني انه يجب على الرئيس اميل لحود ان يستقيل بعد ان القى تقرير للامم المتحدة شكوكا على تورطه في قتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
وقال جبران تويني لمحطة تلفزيون ال.بي.سي اللبنانية ان دور مسؤولي الامن السوريين يعني ان الرئيس السوري بشار الاسد أمر بقتل الحريري. ولمح النائب الياس عطا الله الى انه يجب محاكمة لحود.
وقال تويني "من الغريب على شخص علم في نهاية الامر أو تآمر او تستر على مثل هذا العمل ... ان يبقى رئيسا."
واضاف قوله "لو كنت مكان الرئيس اميل لحود الليلة لاستقلت."
وقال عطا الله مرددا صدى تصريحات تويني ان المشتبه بهم يجب محاكمتهم امام "محكمة دولية خاصة".
واضاف قوله لمحطة تلفزيون ال.بي.سي "من غير المنطقي ... ومن غير المناسب ان تسمر رئاسته (لحود)." وقال "الجمهورية اهم من الرئيس."
واضاف قوله ان "الوضع المثالي هو اقامة محكمة دولية خاصة لمحاكمة اولئك المشتبه بهم ... من قمة الهرم الى كل المشتبه بهم الاخرين لبنانيين أو غير لبنانيين."
ويقول التقرير ان رستم غزالي رئيس المخابرات السورية في لبنان في ذلك الوقت يبدو ايضا انه لعب دورا رئيسيا في المؤامرة.
وقال تويني "يجب على مجلس الامن ان يستنتج من يحكم سوريا ان لم يكن الرئيس بشار الاسد. واذا كان هو من يحكم سوريا فهو الذي اصدر الامر الى غزالي والى اجهزة الامن السورية بقتل الحريري."