توقع مراقبون، أن يعلن زعيم جبهة النصرة ابو محمد الجولاني، فك أو انفصال الجبهة عن تنظيم القاعدة، ولفتوا إلى ان "النزعة البراغماتية وسياسات التكيّف مع الشأن المحلي ستظل هي الدافع والمحرك للنصرة، وهو ما قد يجعلها هذه المرة تنحو إلى خيار إعلان الانفصال صورياً عن "القاعدة"؛ من أجل المحافظة على بقاء واستمرارية مشروع تنظيم القاعدة في سورية".
ووفقا لتقرير لصحيفة "الغد" الاردنية، الاربعاء، فقد اعتبر هؤلاء المراقبين مسعى جبهة النصرة هذا سيفشل في ترميم حضورها بين اوساط السوريين الذين اكتووا بنار تطرفها وتشددها، لافتين الى ان حصول خطوة الانفصال لن يكون أمرا مفاجئا، وإنما تجسيد حقيقي للنهج الجديد الذي بدأ يمارسه تنظيم القاعدة في اختراق المنطقة، والذي ظهرت بوادره بالتزامن مع احداث الربيع العربي.
ولفت المراقبون الى انه "في الوقت الذي ظهرت فيه تحليلات كثيرة عن وفاة "القاعدة"، كان للسلفية الجهادية كلمة أخرى، إذ سرعان ما واجهت إعلان الوفاة بظاهرة ولادة أخرى، فعمد تنظيم القاعدة على إعادة هيكلة أولوياته وخياراته؛ وفقاً للتحولات الجديدة في المنطقة، وتوصل إلى استراتيجية ونهج جديد يقوم على إحداث تكيُّف مع التحولات البنيوية عبر الانتقال من "النخبوية" -التي أفقدتها الشعبية والهالة الإعلامية- إلى "الشعبوية". وضرورة إحداث عمليات اختراق في المجتمعات؛ من خلال شبكات تقوم على استراتيجيّة دمج البعد النخبوي بالشعبي والمحلي بالعالمي".
وقالوا ان "البداية كانت بولادة ما سمي حركات "أنصار الشريعة"، التي انتشرت في عدد من الدول بدءاً من اليمن، وتم استغلال واستخدام مسمى الشريعة من أجل توسيع قاعدتها الشعبية كعامل جذب، وكان من تلك التطبيقات العملية لها ما عُرف باسم جبهة النصرة، التي اخترقت الثورة السورية، وظلت تعمل من غير إعلان الانتماء والولاء والتبعية للقاعدة أو تنظيم دولة داعش، الذي أسهم في نشأتها وامدادها بالرجال والمال والكفاءات والخبرات".
واشاروا الى ان جبهة النصرة استطاعت ضم المقاتلين وكسب الدعم والتأييد، إلى أن تم الكشف عن هويتها وإعلان زعيمها الجولاني الانتماء والولاء لتنظيم القاعدة العالمي، بعد خلاف طرأ على الساحة مع أبوبكر البغدادي الذي لعب دوراً كبيراً في تشكلها.
وقالوا ان "الخلاف بين الفصيلين تحول إلى صدام، بل إلى اقتتال شرس وكبير، أدى إلى حدوث تراجع كبير في حضور جبهة النصرة وفقدان تأثيرها وتماسكها، وتعرضت الجبهة لانهيار كبير في صفوفها الداخلية، في مقابل تمدد تنظيم البغدادي، وهو ما جعلها تعاني من أزمات متتالية، وأصبحت أمام خيارات محدودة".
واوضح المراقبون انه "حينما رأت قيادة النصرة أن مشروعها بدأ بالانهيار في مقابل تقدم التنظيم المتمرد على القاعدة؛ أفصحت وبشكل واضح عن مشروعها وأهدافها، وبدأت بالسير بشكل عملي على خطى "داعش"، فتم التبشير من الجولاني بقيام الإمارة الإسلامية، وهو ما أكدته الجبهة، في بيان توضيحي، نافية في الوقت نفسه "اقتراب" إعلانها، وبدت معالم الهيمنة والاستفراد بالسيطرة على المناطق المحررة، وشن هجمات على مواقع الكتائب الأخرى وتصفيتها أو طردها، وعملت على الشروع بتطبيق أسلوب "داعش" في الحكم والتشدد بحق السكان المدنيين، وتطبيق الأحكام والحدود الشرعية في الساحات العامة بطريقة تدب الرعب في القلوب وتستقطب المتطرفين".
واشاروا كذلك الى ان النصرة لجأت في ممارسة تشددها الى فرض الحجاب على النساء ومنع تحركهن من دونه، إذ عمدت إلى إنزال غير المحجبات من سيارات النقل العام، وهو ما أدى إلى حدوث استياء متزايد في المناطق الخاضعة تحت سيطرتها، حتى بدأت تخرج مظاهرات واحتجاجات شعبية تندد بأعمالها، وكان ردها على تلك الاحتجاجات باعتقال المشاركين في المظاهرات المنددة بها والمطالبة بخروجها وإحالتهم إلى محاكمهم وهيئاتهم الشرعية".
وكانت جبهة النصرة تلقت ضربة خلال الأيام القليلة الماضية بمقتل أميرها بمدينة سلقين بريف إدلب على يد مقاتلين من فصيل آخر، رداً على الانتهاكات التي ارتكبتها "النصرة"، وكان هذا الأمير قد أعدم منذ شهر امرأتين رمياً بالرصاص بتهمة الدعارة.
ووفقا لتقرير الصحيفة يرى المراقبون ان الوقائع على الأرض تبين أن ممارسات النصرة لا تختلف عن "داعش" إلا في بعض التفاصيل والجزئيات، وها هي من جديد تمر بمأزق في ما يتعلق ببقاء الانتماء إلى "القاعدة"، وما قد يجره ذلك من سخط شعبي واستمرار بقائها ضمن قائمة الإرهاب، أو التخلي تكتيكاً وبشكل صوري عن البعد الجهادي الأممي المرتبط بتنظيم القاعدة.